الجمعة، 13 يوليو، 2012

العراق: الأمن في قبضة رخوة

 
بقلم:  اسراء كاظم طعمة



أمسى مصير أمن العراق واستقراره في كفة ميزان قلق تلهو به في الكفة الأخرى أيد عابثة تسخرها مصالحها لتلعب بحاضر ومستقبل هذا البلد الذي تمضي عليه السنوات من غير أن تطاله يد التغيير، سنوات منذ الغزو الأميركي له في الـ2003، ومروراً بتعاقب حكوماته المختارة والمنتخبة لم تستطيع لا هي ولا مجالسها التشريعية، ولا قوات الأحتلال بكل جبروتها وعتادها من أن تفرض الأمن لأشهر معدودة في أقل تقدير... وبقدر ما طالت الأتهامات جهات مختلفة...أطراف سياسية،ميليشيات مسلحة،قوات الإحتلال،منتفعون من قلقلة الوضع الأمني.. وما إلى ذلك... أزداد الثمن كلفة ليدفعه وبمواظبة المواطن العراقي الذي فقد الثقة بحكاية إحتمالية استقرار الأمن في بلد أعتاد مواطنيه غيابه... وهناك محض صورة واحدة لمصير الأمن في العراق فهو في قبضة رخوة أتت باستهداف للمدنيين كما العسكريين في المساجد والشوارع وحتى البيوت كما حصل مؤخراً مع الصحفي هادي المهدي.. فكيف أصبح الحال على ماهو عليه وما هي تلك الثغرات التي تصيب الأمن في مقتل ؟.. 




* مفاجآت متوقعة!!
يتصاعد الجدل السياسي وبحدة بين الأطراف في الهيئتين التنفيذية والتشريعية في العراق حول مسودة قانون العفو العام المطروح على مجلس النواب حالياً والذي جاء أكمالاً،كما يصرح رجال السياسية في العراق، لمشروع المصالحة الوطنية،.. وكالمعتاد فتلك الأراء على النقيض من بعضها البعض، منها من أشار صراحة أن لمسودة هذا القانون عيوب كثيرة لن تخدم المصلحة العامة في حال أقراره بهذا الشكل كونه سيعمل على أضعاف الواقع الأمني الهش بمساهمته في أطلاق سراح العديد من السجناء من المتهمين بالمشاركة في العمليات الأرهابية، في الوقت الذي رأت فيه الأطراف الأخرى أن المسودة لم تشمل العديدين ممن سجنوا ظلماً بسبب وشاية المخبر السري، وفق ما ذكرت.. حتى أن وزارة العدل العراقية قدمت 11 مقترحا لمجلس النواب لتعديل مسودة القانون.
ورغم المآخذ الكثيرة على المسودة غير أن ذلك لم يمنع من أن يصوت مجلس النواب عليها مبدئياً في أب المنصرم ليمضي سادة الهيئة التشريعية في السعي لإقرار قانون أخر مختلف عليه..
وتتكشف حقائق جلية وسط مخاض هذا الجدل منها ما يوضح العجز في اعداد مسودات قوانين مصيرية كمثل قانون العفو العام بشكل متفق عليها ومتوافقة مع المصلحة العامة.. فالغاية بالضرورة من تطبيق مثل هذا القانون ضمن سياق مشروع المصالحة الوطنية هو السعي الجاد لطي صفحات الماضي المؤلم والنظر بجدية في أتجاه واحد حيث مستقبل العراق بما يفرز بعد ذلك نتائج ايجابية تخدم العملية السياسية والواقع العراقي في المجمل، لا أن تكون هذه الخطوة مجرد جائزة ترضية يقدمها وعلى مضض طرف سياسي لأخر وبعيداً عن المصلحة الأولى وهي مصلحة الوطن والمواطن.
*فرار يهتك الأمن
لم يغب الأمن عن الشارع العراقي فحسب بل أختفى حتى عن أشد المناطق حذراً وحراسة، أذ تفشت ظاهرة جديدة ساهمت في انتهاك الأمن في العراق، فهروب أم تهريب السجناء كما تصفها بعض الأطراف المدنية والسياسية العراقية من سجون في شمال ووسط وجنوب العراق هي مؤشرات خطيرة على قلقة الواقع الأمني ونكوصه.
وادلت السلطتين التشريعية والتنفيذية بدلوها في هذا الشأن.. إذ ذكر مجلس القضاء الأعلى مؤخراً ان من أهم أسباب هروب السجناء هو الفساد أو عدم الخبرة أو الإهمال، في حين أكدت لجنة الأمن والدفاع النيابية أن ظاهرة تهريب السجناء من المعتقلات مدعومة من قبل جهات سياسية وانه ليست هنالك عملية هروب بل عمليات تهريب منظمة تقوم بها جهات سياسية وتتحمل كلاً من الحكومة والقوى السياسية جزءاً من المسؤولية. وان الأجهزة الأمنية المشرفة على السجون والإصلاحيات بحاجة إلى إعادة تنظيم وتطهيرها من العناصر الفاسدة والمندسة التي تعمل وبالتنسيق مع التنظيمات الإرهابية في تهريب السجناء والمعتقلين من الذين تورطوا في سفك دماء الأبرياء.
وشخصت وزارة العدل العراقية الظاهرة بوضوح أكثر حين كشفت عن وجود ضغوطات من بعض السياسيين تمارس على وزير العدل بشأن نزلاء السجون، مشيرة إلى أن النزلاء يتبعون لأحزاب وتيارات وميليشيات والأحزاب والتيارات المدعومة من داخل البلاد أو من الخارج وهي مشكلة بذاتها تحاول إخضاع إدارات السجون لها.
والمؤسف في هذا الشأن أن كل الجهات ترمي بالخلل على غيرها فلا أحد يعترف بالتقصير والخلل، بل أن الأدهى من ذلك هو جهل بعض النواب في تناول قضية ما وتحديداً هنا تصريحات لبعض النواب حين طالبوا بالتحقيق مع وزير العدل في الوقت الذي تقع مسؤولية السجون ضمن نطاق وزارة الداخلية لا العدل!!.

*إنشغال بعيد المدى
قادت المناكفات السياسية إلى المزيد من قلقة الواقع العراقي بالمجمل، فإنشغال رجال السياسية ونسائها بالإعتراضات المستمرة عرقل الكثير ومنه مصير الأمن. إذ لم تزل ومنذ أشهر المناصب الأمنية خالية.. خاوية، لذات السبب الذي تعود إليه شتى مشكلات العراق، وهو خلاف الكتل السياسية، فالخلاف هنا في الإتفاق على من يصلح لشغل منصبي وزيري الداخلية والدفاع بعد أن طال الخلاف حول المناصب السابقة ولم يبرر تردي الوضع الأمني ليتناسى من يدير شأن العراق خلافاتهم ويحسموا هذا الملف المصيري الذي نال حقه وأكثر من التأجيل والمماطلة.
ولم يكن لخلاف الكتل السياسية شكلاً واحد في هذا الصدد بل تجلى بالتصريح علناً بتفرد رئيس الحكومة نوري المالكي بالسلطة واتخاذ القرارات وخاصة من الناحية الأمنية كما صرح مؤخراً النائب عن التحالف الكردستاني محمود عثمان.
وفي سياق قريب، كشفت مذكرات سرية اميركية نشرها موقع ويكيليكس ان مئات الموظفين السابقين لشركة بلاك ووتر المحظور عملها في العراق، واصلوا العمل لصالح شركات امنية اخرى لحماية الدبلوماسيين الاميركيين في بغداد رغم أن العراق اعلن في العام 2009 رفضه تجديد اجازة لهذه الشركة إثر حادثة اطلاق حراسها النار في 16 ايلول 2007 اسفرت عن مقتل 14 مدنيا عراقي.
وهذه الصورة توضح سبب رخاوة قبضة الأمن في العراق ما بين الإنشغال بالممطالات السياسية وأهمال القضايا المصيرية.

*الأميركيون.. أوهام للتمديد
رغم مزامع الأطراف الأميركية وبعض العراقية من أن بقاء باقي القوات الأميركية ومساعي التمديد لها لما بعد الـ2011 ضمن سياق الاتفاقية الأمنية أو سواها هو المساهمة في حماية الاراضي والاجواء العراقية، لكن لذلك البقاء ما نتج عنه سوى المزيد من العنف وتردي الواقع الأمني حيث كشفت دراسة غربية أن الضحية الأولى للعمليات الانتحارية في العراق هي المواطن العراقي المدني، مبينة خلو صفوف القوات الأميركية من أية حالة وفاة خلال شهر آب المنصرم، كما واشارت الدراسة ان مجمل نتائج تلك العمليات اسفرت عن عدد أكبر للقتلى من جانب المدنيين العراقيين عنهم في صفوف قوات التحالف منذ الـ2003 حتى ألان، أذن ماذا قدمت تلك القوات في حماية المدني العراقي؟.. يشار أن للجيش الأمريكي حالياً 43 ألف جندي و43 قاعدة عسكرية في العراق، وأقل من مليون آلية وقطعة عسكرية.
وفي صورة اخرى لزيف الإدعاءات الأميركية بتدريب وتسليح الجيش والشرطة العراقيتين هو تصريح لمصدر في رئاسة الوزراء العراقي مبرراً ضعف الواقع الأمني لأسباب بينها ضعف المعلومة الاستخباراتية للعمليات والتفاوت في مستوى التدريب والتأهيل والمقدرة على مسك الأمن الداخلي، وفي جانب آخر أكد قائد القوة الجوية أن العراق يحتاج إلى سنوات حتى يستطيع حماية أجوائه.. أذن أين هي ذرائع الأميركان في أن وجودهم فيما مضى وما هو آت هو لتدريب وتسليح قوات الأمن العراقية؟؟.
إسراء كاظم طعمة
إعلامية وباحثة في الشأن العراقي

إرسال تعليق