السبت، 14 يوليو، 2012

العراق.... الفساد يتغول


بقلم: إسراء كاظم طعمة

تمكن وباء الفساد عبر سنوات طويلة من نهش البنية الاقتصادية في العراق، تاركاً أثاره في معالم الحياة اليومية مثل( الفقر والبطالة وسوء الخدمات في شتى المجالات)..، وان كانت خباياه سرية خفية وحكراً على أسماء بعينها في مرحلة ما قبل الغزو الأمريكي للعراق في الـ2003 لطبيعة المرحلة آنذاك..، إلا إن الواقع الذي أفرزته الإحداث بعد هذا التاريخ وما تلاه فسح المجال واسعاً أمام الفساد والمفسدين، إذ أميط اللثام على مدار السنوات الثمانية الأخيرة عن وجه الفساد القبيح وفتحت الملفات السوداء لقضايا شملت (الكبار والصغار) على حداً سواء.









وغزت الأورام السرطانية للفساد مفاصل الحياة بسبب هشاشة الهيكلية المؤسساتية للدولة العراقية بعد الـ2003 وضعف،أن لم نقل، غياب الدور الحقيقي للمؤسسات الرقابية حتى وقت قريب من أعداد هذا التقرير، إذ كشف احد الخبراء العراقيين في الشؤون الطاقة عن خسارة الاقتصاد العراقي في قطاع النفط لنحو 493 مليار دولار مابين عامي 2003-2011 لأسباب منها سوء الإدارة..، والمصطلح الأخير هذا هو مجرد تزويق لفظي لكلمة الفساد، واستشراء الفساد طال وزارات إستراتيجية مثل وزارات (الدفاع والداخلية والتجارة) بما أضر بهيبة وسيادة الدولة، وأن كان الفساد هو سوء استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، فقد نفذ هذا الاستغلال عن طريق النفوذ السياسي والطائفي والقومي والهيمنة الحزبية بما أدى إلى اللعب بمقدرات مؤسسات الدولة.

واستشرى الفساد بما بات يشكل خطراً متنامياً حتى أن هيئة النزاهة النيابية في مجلس النواب العراقي اعتمدت معيار(الأكثر فساداً) في تقريرها عن الفساد الذي قدمته مؤخراً مشيرة إلى أن الوزارات الأكثر فساداً هي  (الصحة،التجارة،الدفاع،الرياضة والشباب، إلى جانب أمانة بغداد). ولم يكن الفساد رهناً بالوزارات فقط بل امتدت اذرعه نحو مختلف محافظات العراق ومنها على سبيل المثال لا الحصر محافظة ديالى، إذ كشفت لجنة تحقيقات شكلها مجلس النواب العراقي عن تفاصيل عمليات اختلاس وهدر للمال العام في هذه المحافظة تجاوزت الـ60 مليار دينار عراقي.

وتنوعت آليات الفساد في العراق متخذة أساليب عدة، ومن اشد وجوه الفساد غرابة هو اختفاء الأموال، إذ  صرحت هيئة النزاهة العراقية في الـ2005 عن تحقيقها في اختفاء أكثر من 7 مليارات دولار من أموال الدولة.. ولم ينجو الأعمار هو الأخر من وصول أذرع الفساد أليه، حيث كشفت قضايا فساد خصت ملف أعمار مدينتي الصدر والشعلة عام 2008 والتي خصص لها 200مليون دولار، وقد جرى حينها تحريف مسار الأموال المخصصة للأعمار إلى أغراض أخرى منها مشتريات لمواد تالفة وفاسدة. وعرف شكل آخر للفساد إلا وهو الغش، كما حصل آثر انتشار أدوية مغشوشة تحمل ماركات صينية وعراقية في الصيدليات والمخازن الطبية في محافظة ديالى، وقد فارق بعض المرضى الحياة جراء تناولهم لتلك الأدوية. ولم يسلم قوت الناس من تلاعب المفسدين وهو ما جرى في الـ2009 حين طال الفساد وزير التجارة حينها (فلاح السوداني) إذ وجهت له تهم منها إخفاقه وفشله في محاربة الفساد في وزارته وتوقيعه عقود غير قانونية واستيراد سلع منتهية الصلاحية حيث تتولى وزارته مسؤولية برنامج غذائي ضخم قيمته 6 مليار دولار أمريكي، وقد شهد هذا البرنامج تراجعاً كبيراً.

وكان منفذ التلاعب بالعقود هو سبيل آخر للفاسدين، إذ كشف مؤخراً عن عقود تسليح أبرمتها وزارة الدفاع العراقية مع أحدى الشركات العالمية بملايين الدولارات، ومنها عقد من أجل تجهيز الجيش بدروع مضادة للرصاص، لكن تبين أنها ليست ضد الرصاص. وكذلك الحال مع عقود أخرى لنفس الوزارة لمعدات تسليح تبين بعد ذلك أنها ليست بالمواصفات المذكورة في التعاقدات المكتوبة، كما وظهرت فروق هائلة في الأسعار بعد إجراء مقارنات بين أسعار استيرادها والأسعار الحقيقية. وكشف ملف أخر يتعلق بشراء طائرات، تبيَّن أنها أصلاً خارج الخدمة. وانتشار الرشاوى في عدد كبير من مؤسسات الدولة هو وجه آخر من وجوه الفساد.

واجتهدت وتنوعت أساليب المفسدين في التملص من قضايا فساد وجهت إليهم، منشئين ذلك فقه خاص بأساليب التهرب من الملاحقة القانونية أما بالهروب خارج العراق أو بإجراءات أكثر ابتكاراً كما حصل مؤخراً إذ تعرض الطابق الحادي عشر في مبنى وزارة الداخلية العراقية الجمعة 20 أيار الجاري، إلى حريق هائل، وذلك  بعد أن حدد عدد من النواب مؤشرات فساد مالي وإداري بحق هذه الوزارة مما دفع عدد من النواب إلى التعليق على هذه الحدث قائلين: (بأن حرائق الوزارات في العراق باتت عرفاً سائداً، فكلما تمتد الأيدي بالإشارة إلى وجود فساد في وزارة معينة نصحو على حريق يلتهم طوابق معينة فيها).

ويتميز المسئولين في العراق بقضية تخص ازدواجية الجنسية لحوالي نصفهم، إذ يحتفظ عدد منهم إلى جانب جنسيته العراقية بأخرى أجنبية "هولندية أو أمريكية أو إيرانية أو رومانية أو نمساوية .... والقائمة تطول في هذه الفقرة " ويرفضون التخلي عنها طوعاً ويروجون لفكرة إن الجنسية الثانية ليست سوى "حبر على ورق" ، لكن المختصين في الجانب يرون أن تعلق المسئولين بجنسيتهم المزدوجة ما هو إلا تعلق بملاذ آمن للتهرب من المشكلات القانونية ومن المسألة والمحاسبة والمحاكمة في حالة  تعرضوا لمسائلات قانونية.

ولا يمكن لنا نكران العلاقة الصريحة بين انتشار الفساد وانتشار الفقر وهي علاقة طردية، إذ كلما ارتفع مؤشر الفساد ارتفعت معه نسب الفقر، حيث كشفت وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية عن ارتفاع نسبة الفقر في العراق عبر بلوغها الـ23%، فيما وصل عدد الأفراد المحرومين 9 ملايين شخص.

وعبر استقصاء وقراءة لمواطن الفساد جغرافياً في العراق، سنكتشف إن لا علاقة للوضع الأمني واستقراره باستشراء الفساد من عدمه. فمناطق الحكم الذاتي في إقليم كردستان (اربيل، دهوك، السليمانية) شهدت كشف ملفات فساد لكنها طالت كبار الرموز في السلطة، وأن تقلصت دائرة الفساد على الكبار في شمال العراق، فالباب كان مشرعا في مناطق الحكومة المركزية في بغداد ومحافظاتها، إذ لم تحصر أدوار البطولة في قضايا الفساد على كبار المسئولين  والوزراء بل شاطرهم هذا الدور كبار الموظفين وصغارهم على حداً سواء.

ومع مرور السنوات بات العراق يحجز مقعداً دائما في صدارة الدول الأكثر فساداً، وفق ما كشفته تقارير منظمة الشفافية الدولية، حيث جاء التقرير السنوي للمنظمة لسنة 2010 ليضع العراق مرة أخرى في المراتب المتقدمة في ترتيب الدول الأكثر فساداً وذلك بحصوله على 5 .1 على 10 حيث تمنح النقاط من 0 إلى 10 بحسب درجات الفساد، (إذ يتم منح كل دولة في التقرير درجة بين صفر "أعلى درجات الفساد" إلى 10 "أعلى درجات النزاهة" ).

 ولم يقف ضرر الفساد بالحاضر، بل تجاوزت سيئاته إلى الإضرار بمستقبل العراق لسنوات عديدة قادمة، حيث شكلت هيمنة الفساد على مفاصل الحياة عائقاً مهولاً بوجه الاستثمارات برؤوس الأموال العراقية حتى قبل الأجنبية، رغم حاجة العراق الماسة إليهما في عملية إعادة البناء والتنمية، وفي هذه الجزئية كشفت السفارة الأمريكية في العراق قبل وقت قريب عن تردد المستثمرين الأجانب في الاستثمار والدخول للسوق العراقية رغم ما وصفوه تحسن الوضع الأمني، لسبب حددوه بعينه وهو انتشار الفساد الإداري وانعدام الشفافية.

كما وأضر النظام السياسي المعتاد في العراق منذ الـ2003 بالدولة والمجتمع، إذ عمل نظام المحاصصة الطائفية والسياسية في العراق دور كبير في عزل رموز الكفاءات والتكنوقراط من الوصول إلى مواقع القيادة وصنع القرار بما يصحح بمقدار كبير من الخلل الحاصل في توزيع المناصب، وشكل هذا عاملا مساعداً في انتشار الفساد عبر السماح بإشغال مناصب حيوية وإستراتيجية في الدولة عبر تجاهل معيار الأنسب والأكف.

وكانت أولى آليات مكافحة الفساد في العراق لمرحلة ما بعد الـ2003، هو تأسيس (هيئة النزاهـة) وهي هيئـة حكوميـة رسمية مستقلة معنيـة بالنزاهـة العامة ومكافحـة الفسـاد، تأسست باسم (مفوضيـة النزاهة العامة) بموجب القانون النظامي الصادر عن مجلس الحكم العراقـي في سنة 2004، وعدّها الدستور العراقـي الدائم لعام 2005 إحدى الهيئات المستقلة وجعلها خاضعة لرقابة مجلس النواب وبدل اسمها إلى (هيئة النزاهة)، لكن قانون هذا الهيئة بقي رهن التأجيل والنقاش داخل أروقة مجلس النواب العراقي مما اضعف من دورها وواجبها الذي تأسست من أجله حيث ما زالت تعمل حتى الآن بالوكالة.

وهدف الهيئة الأساس هو منع الفساد ومكافحته عبر قنوات متعددة منها التحقيق في قضايا الفساد بواسطة محققين تحت إشراف قاضي التحقيق المختص، واقتراح تشريعات تصب في ميدان مكافحة الفساد وتنمية ثقافة الاستقامة والنزاهة والشفافية والخضوع للمحاسبة والتعرض للاستجواب والتعامل المنصف، وإلزام القادة العراقيين بالكشف عن مصالحهم المالية... وتحديداً في هذه الجزئية جاء بيان لهيئة النزاهة النيابية في مجلس النواب ليرسم الصورة الحقيقية لمدى التزام المسئولين، إذ ذكر هذا البيان في 22 أيار 2011، أن نحو نصف عدد أعضاء مجلس النواب لم يكشفوا عن ذممهم المالية لغاية لحظة صدور البيان حيث لم يكشف سوى 179 نائبا في مجلس النواب عن مصالحهم المالية من أصل 325 نائبا. أما نسبة الموظفين ممن بدرجة وزير الكاشفين عن مصالحهم المالية ارتفعت بنسبة النصف عن العام الماضي خلال شهر أيار الجاري، فقد بلغت نسبتهم 79.2 % في حين كانت نسبتهم في العام الماضي 54.5 % ". وعن نسبة الكاشفين عن ذممهم المالية من الوزراء فقد بلغت 51.2 %، وعبر قراءة لهذا للمعلومات التي قدمها هذا البيان سنتوصل إلى حقيقة مفادها أن  بعض القوانين في العراق تنقصها (قوة القانون).

وظل عمل هيئة النزاهة ضعيفاً ومحدوداً وسط غياب القوانين التي من شأنها تفعيل دور وسلطة هذه المؤسسة، إذ تعاظم نفوذ الفساد مع غياب العقوبات وحضور المحسوبية وسوء استغلال السلطة وانعدام الشفافية وكيفية تعامل الحكومة مع واقع الفساد، وفي ضوء أسلوب تعامل السلطات التشريعية والتنفيذية في العراق مع ملفات الفساد سنكتشف مواطن الخلل التي أسهمت وبشكل مستمر في تنامي الفساد، فـ(الصراع السياسي) حال دون إقرار حزمة قوانين من شأنها القضاء على واقع الفساد، حيث ساهمت البيئة التشريعية والقانونية في العراق بانتشار الفساد عبر خلقها أرضاً خصبة ممهدة لانتشاره ونموه، فرغم المطالبات والنداءات التي تعالت وبإلحاح من جهات نيابية ومدنية توجهت فيها إلى الحكومة العراقية للإسراع  بإقرار (مسودة قانون مكافحة الفساد) الموجودة في مجلس شورى الدولة منذ سنوات، عبر الإشارة إلى أهمية هذه الخطوة في تطهير مختلف أجهزة الدولة من براثن الفساد وخلاياه السرطانية لكونه سيعمل على تعزيز عمل كلاً من هيئة النزاهة ومجلس النواب في مواجهة ومكافحة الفساد، لكن النتيجة كانت دوماً التأجيل (مما دفع عدد من النواب لتوجيه التهم صراحة إلى رئيس الحكومة بتشجيعه للفساد وحماية المفسدين).

وجاء انضمام العراق في تشرين الأول/أكتوبر 2007 لـ(اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد سنة 2004 ) كإجراء آخر نحو تعزيز آليات مكافحة الفساد، كما وصادق مجلس النواب العراقي على الاتفاقية في آب من العام نفسه، إلا أن كل ما اتخذ العراق من إجراءات لم تكن بمستوى واقع الفساد حيث لم تشكل تلك الخطوة رادعاً حقيقاً في وجه الفساد والمفسدين، واستمر المزيد من ملفات الفساد يظهر على السطح.

وتوالت المناوشات لسنوات بين مجلس النواب والحكومة في العراق، وتمكن المجلس من الظفر بمعركة في حربه ضد الفساد، وذلك يوم الاثنين 18 نيسان 2011، عبر إلغائه الفقرة (ب) من المادة (136) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23 لسنة 1971 المعدل)، وتمت الإشارة نصاً إلى أن الأسباب الموجبة لهذا التعديل جاءت من أجل (حصر صلاحية تقرير براءة المتهم أو إدانته بيد القضاء ولتأكيد استقلاله وضمان دور أكبر في ميدان محاربة الفساد وعملاً بمبدأ الفصل بين السلطات شرع هذا القانون)..، إذ كان نص القانون قبل التعديل هذا يمنح صلاحية للوزير بإيقاف عمل لجان التحقيقات مع الموظف الضالع بعملية فساد، بما معناه توفير الحصانة للموظفين والمديرين العامين ومن هم بدرجة خاصة في الوزارات من الإحالة إلى القضاء بتهم الفساد.

لكن هذا النصر كان مهدد بالاغتيال بعد أقل من أسبوعين فقط، حين خاطب مجلس الوزراء وبناءاً على طلب من رئيس الوزراء (نوري المالكي)، رئيس الجمهورية من اجل نقض المادة 136 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إي إلغاء تعديل مجلس النواب للقانون.

وبالفعل تقدم رئيس الجمهورية في العراق بكتاب إلى رئيس مجلس النواب العراقي مشيراً إلى اعتراضه على مضمون المادة 136 الفقرة ب، وحينها أبدى رئيس مجلس النواب امتعاضه الشديد من مضمون الكتاب الذي وجه له في الثاني من أيار 2011، وقال (إن صلاحيات رئيس الجمهورية في هذه الدورة التشريعية (2010-2014) لا تعطيه حق الاعتراض على القوانين وإعادتها إلى مجلس النواب).

وعن دور المفتشين العموميين في التحري عن ملفات الفساد داخل مؤسسات و وزارات الدولة في العراق، فكان عمل ينقصه الدعم التشريعي بما يدعم من وظيفته، فكان هو الأخر، أي قانون المفتشين العموميين، عرضة لعرقلة التأجيل وظل حبيس نقاشات مجلس النواب منذ الـ2008 حتى وقتنا هذا، على الرغم من تأكيد عدد من النواب إلى أن إقراره سيعمل على القضاء على الفساد المالي والإداري بشكل كبير.

أما عن دور السلطة الرابعة في تعرية الفساد والمفسدين، فكانت للصحافة العراقية معاركها هي الأخرى ولكن من جبهة أخرى تعتمد فيها على كشف خيوط الفساد والإطاحة بالمفسدين بقدر ما تمتلكه من تقارير ووثائق، غير أن عمل الصحفي واجهه ويواجه شتى الصعاب، إذ عمل الصحفيون في العراق بعد الـ2003 في ظل غياب حماية المظلة القانونية بعد أن حلت وزارة الإعلام العراقية بعد هذا التاريخ، وظل حتى وقتنا هذا(مشروع قانون حماية الصحفيين) يراوح في مكانه تحت قبة البرلمان العراقي بانتظار إقراره، حتى أن القانون جاء ضعيفاً في جوانب حماية الصحفي ومساعدته في بلوغ غايته في حيز الكشف عن الفساد والمفسدين، وقد جاء ضمن بنوده الـ14، ما يعنى بالوصول إلى المعلومات وهي فقرة شديدة الأهمية لكن تناولها ضمن مشروع القانون مر عابراً وسطحياً، كما تضمنت بنود أخرى شكل محاكمات الصحفيين وتم طرحها بطريقة توحي بعدم توفير الحماية الكفيلة لكشف المستور... وقد تعرض الكثير من الصحفيين للتصفية الجسدية والمهنية جراء تناولهم وكشفهم لملفات الفساد، وعلى سبيل المثال، العثور على الصحفي  ساردشت عثمان مقتولاً بعد تناوله مقالات عن الفساد خص فيها الكبار في إقليم كردستان، كما وعملت بعض المؤسسات إلى اعتماد إجراءات تأديبية وعقابية بحق عدد من الصحف التي تناولت قضايا فساد مست تلك المؤسسات من خلال رفع دعاوى قضائية والمطالبة بتعويضات مالية كبيرة عبر اعتمادها على الأحكام الواردة في القانون المدني العراقي حتى وصلت إلى مبالغ طائلة، وهذا ما حدث حين أقامت وزارة الشباب والرياضة العراقية دعوى قضائية ضد إحدى الصحف العراقية وطالبتها بدفع تعوض مقداره  مليار دينار إثر نشرها لتقرير صحفي كشف فساد مالي وإداري، والأمثلة تطول في هذا الجانب، وكل تلك الإجراءات كانت عقابية وتأديبية للصحافة من الاستمرار بنهجها في تناول رموز الفساد والإسقاط بهم.

وسعى العراق لتعزيز آليات مكافحة الفساد حيث تم في كانون الثاني/يناير 2011، موافقة  مجلس الوزراء العراقي على الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للسنوات 2010-2014 التي قدمها المجلس المشترك لمكافحة الفساد في العراق، وتم الإشارة إلى ضرورة العمل ببنودها من قبل الوزارات والمحافظات والجهات المعنية الواردة في الإستراتيجية، وجاء في الأســـباب الموجبة لهذا الانضمام الفقرة التالية ( بهدف دعم التعاون الدولي في مجال منع ومكافحة الفساد)... لكنه لم يتم تفعيل هذه الإستراتيجية، وهكذا بقيت كل تلك الإجراءات بعيدة عن الواقع وعاجزة عن التطبيق الحقيقي.

وهكذا وبعد استعراض واقع مجريات الإحداث، فإن تحول العراق إلى نظام الحكم الديمقراطي والتعددية الحزبي وحده ليس كفيلاً بتحقيق الإصلاح السياسي بما يعمل على مكافحة الفساد وازدهار التنمية، وإنما ذلك يكون محض تحصيل حاصل لتفعيل الإصلاح السياسي ذاته والذي سيعمل على تدعيم المنظومة الرقابية عبر إقرار القوانين المؤجلة ومن خلال بناء مؤسسات دولة قادرة على القيام بمهامها عبر الكثير من القرارات ومنها إنشاء سلطات رقابية ذات كفاءة ومقدرة على تصويب الأمور.
إرسال تعليق