الاثنين، 5 يناير، 2015

جوائز نوبل للسلام: تثمين إم إعادة إنتاج الوهم ؟




إسراء كاظم طعمة

 سعي  مؤسسات دولية لرصد حالات إبداع في مجالات العلم والمعرفة وتقييمها بمنح جوائز ذات مكاسب مادية ومعنوية هو بالضرورة تثمين وتشجيع وعامل منافسة وتحفيز لمواكبة ما يخدم البشرية.
 أما حين تتدخل مقتضيات الايدولوجيا و السياسة و يميل الاختيار على غير وجه حق لمن لا يستحق فأنه بالضرورة أيضاَ قد افقد الجائزة معناها بل و كرس وسوق لفكر لا يخدم البشرية بل يصب في مصلحة كفة واحدة ذات أبعاد ضيقة.
 من بين أقدم المنظمات الدولية المعنية في هذا الشأن – منظمة نوبل -  التي تمنح جوائزها السنوية لإفراد ومؤسسات في تخصصات شتى منذ عام 1901 حتى وقتنا هذا.. وأن كان انتقاء المرشحين والفائزين من التخصصات العلمية ( طب، فيزياء، كيمياء، علوم،اقتصاد ) وفق معايير علمية صريحة و واضحة – يتخلل الأمر احياناً شيء من المجاملة والمحاباة حين يكون الدين أو القومية أو العرق أو حتى الوطنية سبب للمفاضلة و الانحياز- لكن في مجمل الأمر فالمنجز العلمي بما قدمه من خدمة علمية استحق أن ينال مرتبة الترشح أو الفوز بجائزة عالمية.





أما الحال مع تخصص كـ – السلام-  فالأمر يشوبه الغموض وتتحكم فيه الانتقائية المزاجية التي تنبع من هيمنة الايدولوجيا والتبعية السياسية لإفراد مجلس الأوصياء- الجهة المسؤولة عن منح الجائزة-  لذا فالخيار تعوزه دعائم النزاهة والأحقية.
طغى تخصص  – السلام- في استحقاقات الجائزة على التخصصات الأخرى منذ عشرين عاماً مضت  شهرة و صيتاً و اهتماماً في الأوساط العربية والعالمية لارتفاع مؤشر الخلاف و التجاذب بين القوى الإقليمية و الدولية في ساحة الصراع السياسي ونزوعها لتبني مبدأ السلام والسلام ولا سواه "وفق ما تدعي".. مع الأخذ بعين الحرص أن منح جائزة في - السلام- لفرد أو مؤسسة في دولة ما  قد يعطي ملامح ايجابية نقية  أو على العكس يرسم صورة سلبية قاتمة للنظام السياسي لذلك البلد أمام الرأي العام والمجتمع الدولي. مما يعني أن هذا التخصص أصبح أداة لتنظيف صورة نظام أو تشويهها وفق مقتضيات المرحلة السياسية الآنية.

 أتملك مفردة – السلام-  تفسير واضحاً ؟ .. هل لـ - السلام -  ملامح محددة  أم انه موسمي ؟ .. ربما  واجه مجلس أوصياء الجائزة أزمة بتفسير نص وصية "نوبل" أو بتفسير معنى السلام بالمجمل .. أو لا هذا ولا ذاك لأن خيوط اللعبة كلها بيد واحدة – السياسة العالمية-  ؟
دعونا نستوضح، هل – السلام- مفردة ملغمة ؟.. مفردة بلا معنى ثابت ؟.. مفردة مائعة وسهلة الانسكاب والتشكل وفق الجسم الذي توضع فيه؟ .. أم – السلام- هو نفسه- السلام- هو السعي لنبذ العنف والدعوة إلى التسامح بقبول ورضا لا بالإجبار والخضوع والقهر وبتزييف الحقائق ومنحها صفات لا تملكها؟

في حيثيات منح الجائزة في تخصص- السلام- طلب "الفريد نوبل" مؤسس الجائزة في وصيته أن تمنح جوائز نوبل لمن يقدمون  "أعظم المنافع للإنسانية"، لشخص يكون قد "أنجز أكبر الأعمال أو أفضلها من أجل تحقيق الأخوة بين الأمم، أو سرَحَ جيوشا قائمة أو قلل أعدادها؛ أو عقد مؤتمرات للسلام وروج لها".. كما وفي تصريح قريب لرئيس منظمة – نوبل- جاء ما نصه: جائزة السلام يتم إعطائها طبقًا لمبدأ الإرادة، التي تتجسد في القدرة على إنهاء الصراعات بين الأمم أو تعزيز قدرات السلام.

سنوجز بعض الحقائق عن الموضوع:-
  • منحت جائزة نوبل للسلام 91 مرة  لإفراد ومنظمات حتى عام 2014 .
  • حجبت الجائزة في سنوات( 1914، 1915 ، 1916 ،1918 ،1923،1924 ،1928،1932،1940،1941، 1942، 1943 ،1948 ،1955 ،1956 ،1966 ،1967 ،1972 )...  يوصلنا هذا إلى حقيقة مفادها أن مجلس الأوصياء آنذاك لم يرى فرداً لو مؤسسة تستحق الحصول على هذه الجائزة.
  • طرقت الجائزة باب الشأن العربي من بعيد حين منحت لـ" هنري كيسنجر" في عام 1973 لمساعيه في التوصل لاتفاق بين العرب والكيان الصهيوني والتي انتهت بعد ذلك باتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978.
  • عادت الجائزة لتطرق نفس الباب وفي نفس الشأن أيضا عام 1978 حيث منحت مناصفة بين الرئيس المصري الأسبق "محمد انور السادات" ورئيس الكيان الصهيوني "مناحيم بيغن". لجهودهما الحثيثة في تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.

  • منحت في عام 1990 للرئيس الأسبق للاتحاد السوفيتي "ميخائيل غورباتشوف"  ورئيس الحزب الشيوعي السوفيتي لدوره في إنهاء الحرب الباردة. جراء  سياسة "غورباتشوف"  توارى الإتحاد السوفيتي في صفحات التأريخ بعد توقيع بوريس يلتسن على اتفاقية حل إتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، توارى ليكون العالم أحادي القطب وتفردت أمريكا بحكم العالم وبفرض قراراتها على البلاد والعباد.
  • وعادت الجائزة من جديد لجغرافية الوطن العربي ولكن لذات الشأن- الوجود الصهيوني في المنطقة العربية وحتمية أمنه وحمايته-  إذ في عام 1994 منحت لرئيس السلطة الفلسطينية الراحل "ياسر عرفات" ورئيس الكيان الصهيوني الاسبق "اسحق رابين" لجهودهما في السلام عبر الاتفاق على  معاهدة "أوسلو" للسلام ما بين السلطة الفلسطينية وحكومة الكيان. المعاهدة سيئة الصيت سليلة  "كامب ديفيد"  دفعت بالقضية الفلسطينية سنوات نحو الخلف وشطبت نضال دفعت أثمانه بالدم ولم يحصد من ثمارها خيراً سوى حكومة الكيان الصهيوني.

  • في عام 2003 فازت شيرين عبادي بالجائزة  لنشاطها من أجل حقوق النساء و الأطفال في إيران لتكون أول إيرانية وأول امرأة مسلمة تفوز بالجائزة .. معروف عن "شيرين" معاداتها للنظام الحاكم في إيران آنذاك – ربما يفسر ذلك قرار اختيارها هي بالتحديد من بين المرشحين للفوز بالجائزة- . وهذا يرجعنا إلى ما ذكرناه سالفاً عن أن هذه الاتفاقية هي أداة لتنظيف أو تشويه صورة النظام الحاكم.
  • في عام 2005  اختير المصري "محمد البرادعي" ، ممثلاً للمنظمة الدولية للطاقة الذرية التي كان يترأسها حينذاك من بين 199 مرشحاً لجهوده في الحيلولة دون استخدام الطاقة الذرية لأغراض عسكرية، والتأكد من أن الطاقة النووية لأغراض سلمية تستخدم بأكثر الطرق أمنا.- تحديداً الملف النووي الإيراني-.
وهكذا فأن منطقة الشرق الأوسط – المنطقة مصدر الخلاف والاختلاف في العالم اجمع- نالت نصيبها من الجائزة لسلام العرب الموهوم مع "الكيان الصهيوني" الذي يهيمن على أكثر من 75% من أراضي فلسطين ويرفض حتى اعترافاً شكلياً بالدولة الفلسطينية في المحافل الدولية يسانده في ذلك " الفيتو الأمريكي" وللسعي لكسر شوكة إيران في أن تكون قوة إقليمية مستقلة في وجه  استفراد أمريكا والكيان الصهيوني" بيت الداء بالقرار.
الانسياق للعناوين العريضة والطقوس البروتوكولية يضلل البعض، لكن من ينظر بعمق متجاهلاً كل ذلك السراب سيبصر الحقيقة.




إرسال تعليق