مقالات د.عبد الحسين شعبان



المصالحة الوطنية وتجربة إيرلندا
عبد الحسين شعبان
أخطر ما واجهته حركات التغيير في الوطن العربي ما بعد العام 2011 هو مسألة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية . وهما المسألتان المترابطتان اللتان واجهتهما أيضاً الكثير من التجارب الدولية، وبعضها تصدّى لهما بشجاعة على الرغم من ثقل الماضي وتركته الملأى بالمآسي وتاريخه الحافل بالجرائم والارتكابات، لكن من يريد أن يواجه الحاضر، فلا بدّ أن يفكّر بالمستقبل، بدلاً من العيش في الماضي على حد تعبير نيلسون مانديلا .
ولعلّ شجاعة المنتصر لا تقتضي الثأر من المهزوم، بل العمل على بناء المستقبل بدمجه في إطار مصالحة وطنية من دون أن يعني ذلك إهمال الارتكابات والانتهاكات التي تستحق المساءلة وكشف الحقيقة، وفي الوقت نفسه العمل على جبر الضرر وتعويض الضحايا وصولاً إلى المصالحة الوطنية في إطار إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل .
قد ينصرف الذهن أن المقصود من فكرة المصالحة الوطنية، هو "نسيان الماضي" استناداً إلى الفكرة الدارجة "عفا الله عمّا سلف"، لكن مسألة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية أعقد من ذلك كثيراً، وبقدر ما تقتضي عملية التحوّل وضع حد للماضي، فإن هذا الأخير ينبغي أن يظل في دائرة الضوء، لأجل أن تبقى الذاكرة حيّة، والمصالحة لا تعني المبدأ الأخلاقي الذي يقوم على الصفح من جانب المنتصر الذي هو بموضع الاقتدار، بل تعني الانطلاق من الواقع الانتقالي الجديد لإعادة البناء خارج دائرة الثأر والانتقام والكيدية، وبمشاركة الجميع في إطار قواعد للتحوّل الديمقراطي .
استذكرت ذلك بمناسبة مرور عقدين من الزمان على تجربة المصالحة الوطنية في إيرلندا الشمالية، خصوصاً ببعض جوانبها المتعلقة بالعدالة الانتقالية، فبعد صراع وحروب وعنف دامت عشرات السنين، بدأ مشروع بناء السلام في إبريل/نيسان ،1993 حيث تم التوقيع لاحقاً بعد مفاوضات مضنية في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته على "اتفاقية داوننغ ستريت"، التي تعهّدت فيها الحكومة البريطانية بعدم إجراء أي تغيير في وضع إيرلندا الشمالية من دون موافقة الأغلبية فيها، والعمل على بناء مؤسسات تربط الشمال بالجنوب لغرض تعزيز التعاون في مجال التجارة والسياحة .
وفي 31 أغسطس/آب 1994 أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقف إطلاق النار وأعقبته فصائل أخرى، على الرغم من بعض الاختراقات التي حصلت لاحقاً، حتى كادت عملية السلام أن تتعثر، لكن صعود حزب العمال البريطاني برئاسة توني بلير إلى السلطة، ساعد في اتفاق بريطانيا وجمهورية إيرلندا على تعيين السيناتور جورج ميشيل ليترأس عملية التفاوض حتى وافقت جميع القوى على وقف إطلاق النار تماماً في 18 يوليو/تموز العام 1997 .
وسارت المفاوضات خلال العام 1998 في قصر ستورمونت بالقرب من مدينة بلفاست وتم التوصل إلى اتفاق "الجمعة العظيمة" (عشية أعياد الفصح- الإيستر) بين الأحزاب السياسية التي تمثل الكاثوليك والبروتستانت وحكومتي بريطانيا وإيرلندا .
ويشكّل النزاع البروتستانتي- الكاثوليكي جوهر المشكلة الإيرلندية حيث يؤلف البروتستانت نحو 54% والكاثوليك ما يقارب 43% من السكان، ويعاني هؤلاء بعض مظاهر التمييز، وعملت بريطانيا منذ استيلائها على إيرلندا إلى زيادة نسبة البروتستانت في الجزيرة الإيرلندية وأصبحت اللغة الإنجليزية منذ قرون هي اللغة الرسمية، واستمر الأمر حتى عند استقلال جمهورية إيرلندا في العام 1921 بموجب الاتفاق مع بريطانيا، في حين بقي نحو ثلثها لاسيّما الشمالي تابعاً لبريطانيا .
انعكست مشكلة الثلث على علاقات جمهورية إيرلندا مع المملكة المتحدة، ففي حين ظلّت مساعي الكاثوليك في الجزء المتبقي، تعمل على الانفصال عن بريطانيا لتحقيق حلم الوحدة مع إيرلندا، كانت الأغلبية البروتستانتية تتمسك بخيار البقاء، الأمر الذي أوجد نزاعاً مستديماً، بما فيها ما اتسم بأعمال مسلحة وعنفية، حيث عاشت إيرلندا الشمالية حالة اضطراب سياسي وأمني لعقود من السنين، وتقاتلت الجماعات المسلحة ممثلة للفريقين الكاثوليكي (الميّال لإيرلندا) والبروتستانتي (الراغب في البقاء مع بريطانيا) وخلّف هذا القتال آلاف الضحايا .
قام الجيش الجمهوري الإيرلندي بسلسلة من أعمال العنف والتفجير، وامتدت عملياته حتى شملت العاصمة البريطانية لندن . وردّت لندن بأعمال عنف مضاد وارتبط باسمها "الأحد الدامي" حين شنّت القوات البريطانية هجوماً ضد اجتماع جماهيري في مدينة بلفاست راح ضحيته العشرات في 12 آب (أغسطس) العام ،1984 وبدلاً من تقليص العنف كما اعتقدت الإدارة البريطانية لإيرلندا، فإنه ازداد وتيرة، حتى تحقق توقيع الاتفاقية البريطانية- الإيرلندية في العام ،1985 التي لم تقنع الفريقين المتنازعين، لكن خطوات المصالحة اللاحقة ساهمت في الوصول إلى اتفاق "الجمعة العظيمة" في العام 1998 .
وإذا كانت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الأسبق قد أُرغمت على توقيع اتفاقية العام 1985 بعد تشدّد وتعنّت، فإنها حاولت تثبيت أن أي تغيير في وضع إيرلندا ينبغي أن يحظى بتأييد السكان، كما نصت الاتفاقية على عقد مؤتمر لتحقيق السلام والاستقرار والرفاه واحترام حقوق الإنسان ومنع التمييز وحماية التراث الثقافي، إضافة إلى تحديث نظم الانتخابات وغير ذلك . وتعتبر اتفاقية "الجمعة العظيمة" نقطة تحوّل في المسألة الإيرلندية، لاسيّما إشراك جمهورية إيرلندا في المؤتمر الخاص بشؤون إيرلندا الشمالية، على الرغم من تحفظات الكاثوليك الوحدويين على الاتفاقية، وهو ما أثار حفيظة البروتستانت أيضاً .
إن أساس المصالحة في إيرلندا هو الاعتراف بالآخر على قدم المساواة، وحقه في القيام بممارسة شعائره الدينية بكل حرّية وإزالة أسباب التوتر الطائفي، لاسيّما بنزع السلاح الذي كان واحداً من العقد الكبيرة، وقد كان التوافق على ذلك وإنهاء الكفاح المسلح وانتخاب الجمعية في إيرلندا الشمالية أساساً في الوصول إلى المصالحة الوطنية .
ونستطيع القول إن ما سارت عليه بعض التجارب الدولية، سواء في إيرلندا الشمالية أو في تشيلي أو الأرجنتين أو بعض دول أمريكا اللاتينية أو ما حصل في دول أوروبا الشرقية أو المغرب أو جنوب إفريقيا أو غيرها، هو ما تحتاج له التجارب الجنينية في البلدان العربية التي جرت فيها تغييرات منذ العام ،2011 والأمر لا يتعلق باقتباس أو تقليد أو استنساخ أو نقل حرفي لهذه التجارب بحذافيرها، بقدر الإفادة منها، خصوصاً اعتماد مبدأ التوافق، وهذا ما احتاجت إليه عملية إعداد الدساتير كما حصل في تونس ومصر وما تحتاج إليه اليوم اليمن وليبيا، وضمان حقوق الجميع من دون تمييز، والعمل على مشاركتهم في إطار "الديمقراطية التوافقية" كمرحلة مهمة وخيار حيوي للانتقال الديمقراطي، وقد لعبت منظمات المجتمع المدني في إيرلندا الشمالية دوراً إيجابياً في نشر قيم ثقافة جديدة تقوم على أساس الحوار ونظمت ورش عمل للمصالحة في برامج الشباب والقادة والنساء، فضلاً عن تعميم ثقافة التسامح ونبذ العنف ومعالجة آثار الطائفية .
إن نجاح أية تجربة تقتضي مشاركة الجميع من دون إقصاء أو تمييز أو تهميش لاعتبارات سياسية أو دينية أو إثنية أو لأي سبب آخر، أما المرتكبون فالقضاء وحده هو الفيصل في الحكم وعلى أساس الادعاء الفردي .







واشنطن والأمن الإنساني
عبد الحسين شعبان
منذ سنوات تصدر واشنطن تقريراً سنوياً عن حالة الإنسان في العالم، وهو تقرير مهم، لأنه يصدر عن دولة عظمى لديها مسؤوليات أساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، بحكم دورها كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، كما أن التقرير مهم لأنه سيُعتمد مرجعاً دولياً، لذلك يفترض أن يكون دقيقاً ومهنياً، لأنه يتعلق بحقوق الإنسان، ولا بدّ أن يكون بعيداً عن التسييس، أي موضوعياً وشفافاً وخالياً من الإغراض، فضلاً عن المسؤولية القانونية والحقوقية والأخلاقية إزاء ما يردُ فيه .
والتقرير الأمريكي يمكن ضمّه إلى التقارير الدولية الأساسية، لحقوق الإنسان على المستوى العالمي، ولعلّ أهمها هو تقرير منظمة العفو الدولية، خصوصاً ما يتعلق منه بالتعذيب وعقوبة الإعدام، أما التقريران الآخران، فهما اللذان يصدران عن منظمة هيومن رايتس ووتش HRW منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأمريكية (الدولية) ومنظمة FIDH الفرنسية (الدولية) التي تضم أكثر من 150 منظمة تمثل نحو 115 دولة، ولعلّها أول منظمة دولية تأسست لحقوق الإنسان منذ العام ،1922 في حين تأسست منظمة العفو الدولية العام 1961 .
أما المنظمة العربية لحقوق الإنسان فقد أعلن عن تأسيسها على هامش ندوة لمركز دراسات الوحدة العربية في ليماسول (قبرص) العام ،1983 وظلّت من دون ترخيص رسمي حتى إن كان مقرّها في القاهرة، ولكنه تم تسجيلها رسمياً والاعتراف بها في العام 2000 بتوقيع بروتوكول تعاون مع وزارة الخارجية المصرية، واخّتصت بمتابعة قضايا حقوق الإنسان في العالم العربي وإن ضعف دورها وأداؤها في السنوات الأخيرة لكن تقريرها السنوي يعد من التقارير المهمة، وهو يصدر منذ العام 1985 . وهذه كلّها منظمات غير حكومية تصدر تقارير سنوية باستثناء التقرير الأمريكي، فهو تقرير حكومي أي أنه يصدر عن جهة رسمية . هناك حساسية حكومية من جانب أغلبية الدول التي يرد ذكرها في التقارير الدولية، خصوصاً من دول العالم الثالث، ودائماً ما تنكر حكومات هذه البلدان أو تنفي أو تستنكر أو تتهم أو تندّد بالتقارير الدولية، وتطالبها بالنظر في حقيقة الأوضاع بدقة، مع عرض النجاحات والجوانب الإيجابية، وهو أمر مطلوب لإحداث التوازن، وابتداء نقول: لا توجد دولة في العالم لا توجد فيها انتهاكات لحقوق الإنسان، وإذا قدّر أن هناك 40 حقاً أساسياً للإنسان، وهي في حالة تفاعل وتطور وتواصل، فإن السويد وهي الدولة الأولى التي تصنّف عالمياً في احترام الحقوق والحرّيات، فإنها هي الأخرى توجد فيها انتهاكات لحقوق الإنسان، لاسيّما لحقّين من الحقوق الأربعين المعتمدة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان .
جدير بالذكر أن مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع للأمم المتحدة في جنيف، أخذ يطالب الحكومات بتقرير دوري بخصوص التزاماتها إزاء حقوق الإنسان سنوياً، وتستطيع الحكومات أن تقدّم ما عندها، خصوصاً بالانسجام مع الشرعة الدولية، وأن تتعهد بتنفيذ الالتزمات الأخرى من خلال بيئة تشريعية وتربوية وتنفيذية في السنوات اللاحقة على شكل توصيات تعتمدها وتتابعها .
ومن خلال خبرتي ومعرفتي لا أشك في إن بعض التقارير التي تصدر عن واشنطن أو من بعض المنظمات الدولية ضعيفة، وإن معلوماتها غير دقيقة، كما أن بعضها يتم استقاؤه من جهات معادية، إضافة إلى أن بعضها الآخر، تتم صياغته بطريقة انتقائية فيها الكثير من ازدواجية المعايير، والهدف منها هو تطويع هذا البلد أو ذاك، لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو تجارية أو عسكرية أو اجتماعية، أو إخضاع بعض البلدان، أو ترويضها لتكون أداة طيعية أو للاستيلاء على مواردها أو لفرض اتفاقيات اقتصادية أو عسكرية عليها أو غير ذلك .
مناسبة الحديث هذا هو ما نشرته وزارة الخارجية الأمريكية من تقرير عن حالة حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال العام ،2013 ولعلّ بعض المعلومات الواردة فيه لها مساس بجهات ذات علاقة بالإرهاب الدولي، وبجماعات متطرفة ومتعصبة، وكنت قد درّبت في اليمن اثنين من الشخصيات الحقوقية العاملة في شرطة دولة الإمارات - قسم حقوق الإنسان المستحدث في العام 2000 (لمدة 18 يوماً في مدينة تعز - دورة دولية مكثّفة) واطلعت منهما على نظام السجون واللوائح السجنية، ودققت ذلك لاحقاً من خلال زيارات عدة، إضافة إلى علاقات ولقاءات مع جمعية المحامين وجمعية حقوق الإنسان في الإمارات، وأستطيع القول: إن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية فيه معلومات مغلوطة ومبالغ فيها، بل إنها تفتقر إلى الصدقية، وعموماً فالتقرير الأمريكي بشكل عام يحاول فرض معايير خاصة بواشنطن وتعميمها على العالم من دون أخذ خصوصيات الواقع العربي أو دولة من دولة بنظر الاعتبار، كما هي دولة الامارات العربية المتحدة مثلاً .
لا بدّ من التمييز بين الظاهرة وبعض الاستثناءات، فضلاً عن ضرورة إبراز النجاحات المتحققة، خصوصاً في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل الحق في العمل والحق في الصحة والحق في التعليم والحق في السكن، والحق في التقاعد، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في التمتع بمنجزات العلم والتكنولوجيا والثقافة، إضافة الى البنى التحتية والهياكل الارتكازية، خصوصاً الجسور والطرق والمواصلات، وهو تطور حاصل منذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وحتى الآن، إضافة إلى الجوانب المدنية والسياسية، آخذين في الاعتبار درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومن يزور الإمارات سيلاحظ الفروق الكبيرة بين بلدان مثل العراق أو الجزائر أو ليبيا وهي بلدان نفطية وبين التقدم في المجالات المذكورة في دولة الإمارات، بغض النظر عن الشعارات الكبرى، والأمر يتعلق بسوريا ومصر والمغرب والسودان واليمن وغيرها .
إن تسليط الضوء على الجوانب الإيجابية والحقائق الموضوعية، والإصرار على تحسين أوضاع حقوق الإنسان، هو دليل على حرص الدولة والمجتمع على مبادئ سيادة القانون واحترام مبدأ المساواة والعدالة وعدم التمييز بين المواطنين، فضلاً عن الأمن والأمان كنعمة فوق الرؤوس، مثلما هي الصحة لا يشعر الإنسان بأهميتها، إلاّ بعد فقدانها، وقد كان العالم النفساني سيغموند فرويد، هو من قال إن معادلة الأمن توازي معادلة الكرامة أو تتفوق عليها أحياناً .
ومرّة أخرى، ينبغي أخذ الأمور بسياقها، ولا يمكن تصوّر نموذج واحد أو شكل واحد من أشكال النظام السياسي أو الاجتماعي، وحتى الديمقراطية حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 81 الصادر في 4 ديسمبر/ كانون الأول العام 2000 الموسوم "تعزيز الديمقراطية وتوطيدها"، فإن لها نماذج مختلفة وإن كانت لها خاصيات مشتركة، لكن لكل شعب خصوصيته وهو ما تحرص عليه تجارب دولية وعربية كثيرة، بل وتعتبر أمنها الإنساني قيمة عليا من قيمها . وفي تراثنا فإن الأمن الإنساني يشكّل جوهر العلاقة بين الراعي والرعية وبين الفرد والمجتمع: "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"؟!







5 مقاربات لأزمة أوكرانيا
عبد الحسين شعبان
مرّة أخرى احتشدت الساحات والشوارع بالمحتجّين في كييف، فهم على الرغم من البرد القارس وانخفاض درجات الحرارة الشديد، أظهروا قدراً كبيراً من الإصرار على الاستمرار في الاحتجاج ضد الفساد وتردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ليس هذا فحسب، بل واجهوا الشرطة بصدور عارية .
كان الكل يتدافع بين أنصار رئيس مخلوع وأتباع رئيسة مقعدة خرجت من السجن على كرسي متحرّك، لكن المشهد الأكثر درامية هو ظهور القوات الروسية في شوارع شبه جزيرة القرم "التاريخية" التي أهداها القائد الأوكراني الشيوعي نيكيتا خروشوف إلى جمهورية أوكرانيا بعد أن كان "الجميع"، الروس والأقوام والشعوب الأخرى في إطار تحالف سياسي وآيديولوجي تحت عنوان "الاتحاد السوفييتي"، ولم يكن عندئذ اقتطاع هذا الجزء إدارياً وضمه إلى جمهورية أخرى من جمهوريات الاتحاد أو اعتباره حكماً ذاتياً أو استقلالاً خاصاً، يعد تنازلاً أو تخلّياً عن السيادة، كما كان يفعل ستالين، من دون أي حساب لرغبات هذه المجاميع السكانية والثقافية والقومية والدينية أو ما تطمح إليه .
اليوم تحرّك المضمر، القديم، المختبئ تحت الرماد، فلم تغفر روسيا لأوكرانيا التحالف مع الغرب، بحيث تكون خنجراً في خاصرتها، بنصب صواريخ باليستية أو وضع خطط حلف الناتو موضع التطبيق، وهو ما احتج عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشدّة إبان محاولة نصب صواريخ أطلسية مماثلة على الحدود الرومانية - والتشيكية (الروسية)، فهدّدت روسيا وأزبدت وأرعدت، والأمر بالنسبة إليها اختراق "لمجالها" الحيوي ومساس "بأمنها القومي" ومصالحها "التاريخية" واستراتيجيتها، لكن هذا شيء، وتحريك القوات الروسية في شبه جزيرة القرم شيء آخر ينطوي على عدد من المقاربات المهمة:
المقاربة الأولى للحدث قانونية، فروسيا تصرّ على أن تدخلها العسكري في شبه جزيرة القرم ينسجم مع قواعد القانون الدولي، لأنها تدافع عن الناطقين باللغة الروسية، أو قلْ الروس القاطنين في أوكرانيا، وأحياناً تبرّر ذلك بتدخّل واشنطن والاتحاد الأوروبي في كوسوفو ذات الأغلبية المسلمة التي كانت جزءًا من الاتحاد اليوغسلافي قبل تفككه، إلاّ أن روسيا تغفل عن أن قرار "التدخل" كان قراراً دولياً بسبب حرب الإبادة التي تعرض لها السكان المدنيون بصورة منهجية ومنظمة من جانب الإدارة الحكومية . وإذا صحّ الأمر بوجود عنف أو اضطهاد ضد سكان شبه جزيرة القرم، الروس، أو من الناطقين باللغة الروسية، فإنه عنف غير منظم، وليس عنفاً من جانب الدولة، بل قامت به جماعات متعصبة قومياً ومتطرفة ضد الروس، لكن جمهورية أوكرانيا توعّدت بمحاسبتهم وإنزال العقاب بهم .
المقاربة الثانية تاريخية جيوسياسية، فروسيا ترتبط بأوكرانيا بأكثر من جذر ثقافي، باعتبارهما جزءًا من القبائل السلافية التي بسطت سلطانها على بحر البلطيق والبحر الأسود، فكييف كانت قائمة قبل موسكو، وكانت أحد مراكز روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا، وقد كانت جمهورية أوكرانيا وبيلا روسيا وجزء كبير من بولونيا وليتوانيا جزءاً من إحدى أكبر الجمهوريات في أوروبا، وعرفت دستوراً متقدّماً قبل صدور الدستور الفرنسي بأربعة أشهر وبُعيد إصدار الدستور الأمريكي في القرن الثامن عشر (1776)، تضمن على الكثير من المبادئ الديمقراطية .
ولعلّ جغرافية أوكرانيا زادت من معاناتها، فهي قياساً بالدول الأوروبية دولة مهمة وكبيرة ومساحتها تفوق مساحة كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، ولهذا السبب ينظر لها الروس بعين الفداحة والفقدان، في حين يسيل لها لعاب الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الولايات المتحدة، لأهداف استراتيجية في السابق والحاضر .
المفارقة الثالثة تتعلق بتصرّف روسيا، فليس من المقبول اليوم إرسال قواتها هكذا، بقرار منفرد ومن دون حساب لقواعد القانون الدولي، كما فعل الاتحاد السوفييتي في هنغاريا العام 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا في العام ،1968 ضمن "مناطق نفوذ"، لا يمكن اللعب في حديقتها الخلفية . فقد بدأ عهد جديد بانتهاء الحرب الباردة، وأصبح للرأي العام دور كبير فيه، ولاسيّما بعد الإطاحة بالأنظمة الشمولية، حتى وإن كان هناك إزدواجية في المعايير وانتقائية في السياسات، لاسيّما من جانب القوى المتنفّذة، لكن شنّ حرب أو اختراق حدود أو تجاوز على سيادة البلدان، لم يعد أمراً يتم التهاون فيه في ظل المتغيّرات التي شهدها العالم .
لقد تغيّر المجتمع الدولي كثيراً وأقيم نظام دولي جديد، له ما له وعليه ما عليه، وذلك منذ إسقاط جدار برلين في العام 1989 وبعدها تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي ذاته . لم تدرك روسيا أن الشعب الأوكراني بأغلبيته انتفض على قيادة يعتبرها فاسدة، وأزاحها عن موقع السلطة، وتسعى السلطة الجديدة إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفقاً لنصوص دستور يحظى بالتأييد من جانب الشعب، ولذلك فإن ''مبادرة'' الرئيس الروسي بوتين وموافقة مجلس الدوما على التدخل في شبه جزيرة القرم أعادت ظروف الحرب الباردة السابقة التي تبدّلت بسبب تغيير موازين القوى عالمياً، فضلاً عن أن الصراع السابق كان فيه جانب آيديولوجي مهم يغيب حالياً .
المقاربة الرابعة هي مقاربة عسكرية، ذلك إن روسيا لا تسمح باختراق أمنها، فلديها قاعدة حربية على البحر الأسود في شبه جزيرة القرم، وهي تعتبر المنطقة المقفلة لها ولنفوذها الاستراتيجي، ولا تسمح بمشاركة أحد لها، وهي منذ انفصال أوكرانيا عنها في العام 1991 تنظر وتراقب بشدّة وبقلق كبير محاولات الغرب التقرّب منها والتغلغل فيها، وقبل ذلك سبق لنابليون أن توغّل منها لضرب روسيا، لكن ذلك يعود إلى الماضي، حيث يتم استخدام "القوة الخشنة"، في حين إن هناك وسائل جديدة لاستخدام "القوة الناعمة" لبسط النفوذ ويبدو أن على روسيا العودة إليها، بدلاً من التعكز على الوسائل العسكرية .
المقاربة الخامسة لها بعد عربي، فتدخّل روسيا في أوكرانيا، يعني أنها بدأت استراتيجية جديدة إزاء حرب باردة حتى وإن بدت إرهاصاً، لكنها يمكن أن تتطوّر، وقد كان في مقدمة تلك السياسة موقفها من نصب الصواريخ، ثم تدخلها في سوريا، فقد تكون قد أدركت أن ليبيا ذهبت من بين يديها، وأنها خسرت قواعدها ومرتكزاتها قبل ذلك في العراق، وفي وقت أسبق في مصر، ولم يبق لها سوى سوريا، وقواعدها البحرية في اللاذقية وبانياس، لما له من انعكاس على نفوذها الدولي، لاسيّما في البحر المتوسط، وهو حلم روسيا القديم منذ كاترين الثانية بالوصول إلى المياه الدافئة، لأنها المنفّذ المهم لها لمنع تطويقها، ولذلك أصرّت عبر التفاهمات الأمريكية - الروسية على إخراج القطريين من صيغة الغاز وطرقه نحو أوروبا التي تمثّل استهلاكها نحو ربع تصدير الغاز الروسي .
وهي تسعى لاستعادة نفوذها في أوكرانيا، بدلاً من اعتماد الأخيرة على الاتحاد الأوروبي وعبر تقديم الغاز إليها بسعر منخفض، إضافة إلى تقديم القروض لها، وهو ما نعنيه "بالقوة الناعمة"، التي رغم الحساسيات كان يمكن استخدامها على نحو سليم وقبل الاضطرار إلى استخدام القوة الخشنة .
وإذا كانت روسيا قد حسمت أمرها بشأن أوكرانيا، لاعتبارات حسّاسة تاريخية وثقافية وجغرافية وعسكرية وبذرائع قانونية، فإنها وإن تدخّلت بالشأن السوري، لكنها قد لا تمضي إلى النهاية، وإذا ما تم لها تأمين مصالحها بالتفاهم، فيمكن عند ذاك أن تفكّر بطريق آخر، والسياسة كما نعلم ممكنات وصراعات واتفاقات في الآن ذاته .
ولكن أياً كانت المقاربة لأزمة أوكرانيا، فقد كشفت أن الرئيس الأوكراني السابق ظلّ يترنّح بين كتلتين الأولى روسيا والاتحاد الأوراسي الذي يضم روسيا البيضاء، وبين الاتحاد الأوروبي، وذلك بهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية السيئة والتخلّص من الأزمة الطاحنة التي تلفّ بلاده، لاسيّما باستمرار الفساد المالي والإداري، فعمق الأزمة بحاجة أيضاً إلى إصلاحات ديمقراطية حقيقية، وهو ما تنتظره اليوم أوكرانيا قبل أي شيء آخر .
كما كشفت الأزمة أن روسيا تمتلك وضوحاً ولديها استراتيجية بخصوص المشكلة الأوكرانية، في حين أن واشنطن والاتحاد الأوروبي ظلاّ مترددين ولا يملكان استراتيجية محدّدة كما هم الروس، واكتفى الرئيس الأمريكي أوباما بالتهديد بفرض عقوبات اقتصادية وتحذير روسيا من مغبة عملها العسكري، وهو ما كان صداه واضحاً في مجموعة دول الثماني المجتمعة في سوتشي منذ يونيو/حزيران ،2013 لكن مياهاً كثيرة سارت تحت الجسور كما يقال، حين فاجأ بوتين العالم، بوصول القوات الروسية إلى شبه جزيرة القرم .



من أوراق الجنادرية
عبد الحسين شعبان
ثمة كلام في الأمن القومي العربي، خصوصاً دور الإسلام السياسي في المرحلة الراهنة وتأثيره في صنع المستقبل العربي الجديد، لاسيّما في ظل التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية في موجة ما سمّي بالربيع العربي التي ابتدأت من تونس ومرّت بمصر وليبيا واليمن، ولا تزال هذه الموجة عاصفة مستمرة في سوريا، لم تهدأ ولم تستقر، سواء ب"جنيف -1" أو ب"جنيف -2" وقبل اجتماع ميونيخ وبعده .
ورغم أن الموجة متواصلة، لكنها شهدت تغييرات على وجهتها ومسارها، فضلاً عن المنقلبات التي صادفتها خلال حركتها، وهي تكاد تنعكس على جوهرها وعلى الأهداف التي أرادت الوصول إليها، خصوصاً في ظل منعرجات موضوعية وذاتية، وتحديات داخلية وخارجية، وعوامل كبح قديمة وجديدة، إضافة إلى الفوضى العارمة التي صاحبتها، أقول ذلك وأستدرك، لأن الاستفتاء على الدستور المصري الذي جرى في 14-15 يناير/ كانون الثاني الماضي 2014 وبنسبة زادت على 98% من مجموع المصوتين 38%، وكذلك إقرار صيغة الدستور في الجمعية التأسيسية التونسية بالتصويت عليه بنعم من جانب 200 عضو من مجموع 217 وهو عدد أعضائها في 26 يناير/ كانون الثاني الماضي، كانا خطوتين موفقتين لاسيّما بالتوافق الوطني مقاربة لأهداف الثورتين .
ولعلّ موجة التغيير سعت إلى تلمس طريقها حتى وإن كان بصعوبة ومعاناة كبيرة بما فيها في البلدين، من خلال رحلة شاقة وبخسائر فادحة، وكانت بحضور شعبي ومشاركة الجيش مجدداً في مصر، وبتوافق بعد مسار عسير في تونس، وحوار مضنٍ ومعقّد في اليمن وبوساطة خليجية، واضطراب وتشوّش مازال يطبع التجربة الليبية التي كانت المعاناة فيها مضاعفة بسبب تدخل حلف الناتو .
كل ذلك كان محطّ اهتمام ونقاش في مهرجان الجنادرية السنوي (التاسع والعشرين) لهذا العام، واكتسب الأمن القومي العربي، بما فيه أمن الخليج أهمية خاصة، وبالطبع فلا يمكن الحديث عن أمن أي بلد عربي أو أمن مجموعة من الدول من دون الحديث عن أمن عربي، وكذلك أمن إقليمي، بل وأمن دولي، وثمة عوامل مؤثرة ومتداخلة ومتفاعلة سلباً أو إيجاباً على السلم والأمن على مستوى العالم وعلى مستوى الإقليم وعلى مستوى كل دولة .
وإذا كان الأمر مترابطاً على نحو دقيق فإن صلته عميقة وجوهرية بالأمن الداخلي لكل دولة ارتباط بأمنها الخارجي، وهذا يعني بالضرورة تناول الأمن الإنساني الذي نجد له في تراثنا امتدادات مهمة سواء في القرآن أو في السنّة النبوية، "وآمنهم من خوف وأطعمهم من جوع" .
ويقتضي الأمن الإنساني توفير القدر المناسب من الخدمات الضرورية والحاجات الأساسية للإنسان، مثل العمل والتعليم والصحة، وذلك بتقليص الفوارق الاجتماعية والسعي للقضاء على الفقر والجهل، وبناء الهياكل الارتكازية الضرورية للحاق بالركب العالمي، خصوصاً في ميادين العلوم والتكنولوجيا والبيئة، والقضاء على التصحّر والجفاف والأوبئة وغير ذلك، وبالطبع فإن الحاجة إلى الحقوق السياسية والمدنية هي المدخل الأساسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلبية حاجات الإنسان الروحية، وكلّما كان أمن المجتمع الداخلي سليماً، أصبح سياجاً لحماية أمن الدولة داخلياً وخارجياً، باحترام سيادة القانون وحقوق الناس، تلك التي على الدولة تنظيمها وحمايتها بما يتفق وتوفير الأمن الإنساني على جميع الصُعد .
ثمة عوامل مؤثرة في الأمن القومي العربي، ولا يمكن بأية حال من الأحوال ضمان هذا الأمن، باستمرار الصراع العربي - "الإسرائيلي" وتنكّر "إسرائيل" لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وبناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . وإذا كان تأسيس "إسرائيل" وقبلها وجود المشروع الصهيوني قد شكّلا خطراً على العرب، فهناك عوامل أخرى كانت مقلقة بالنسبة لهم، بعضها حملت ذكريات أليمة لاحترابات وصراعات وأطماع، سواء إيرانية فارسية أو تركية عثمانية، عوضاً عن الأطماع الدولية ومحاولات فرض الهيمنة عليهم ونهب ثرواتهم ومواردهم .
وقد برز العامل الإقليمي في السنوات الأخيرة كعنصر مؤثر وكبير في الأمن القومي العربي، خصوصاً في ظل انقسام العالم العربي وانهيار الوحدات الوطنية، لاسيّما بالصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، والعراق نموذج صارخ لذلك، فقد كان ضعف كيانية الدولة العراقية بفعل الحروب والحصار وهدر الحقوق والحريات، وأخيراً وقوعها تحت الاحتلال، قد فتح شهية القوى الإقليمية في محاولة للتمدّد بعناوين مختلفة، آيديولوجية وسياسية ومذهبية فارسية أو عثمانية أطلسية تحت عباءة الخلافة التاريخية، كما استثمرت القوى الإقليمية حركة الاحتجاج التي شهدها العديد من البلدان العربية، فأخذت تتصرف وكأن ما يجري في الدول العربية المجاورة أو حتى البعيدة، باعتبارها قضيتها الداخلية، سواءً بالاعتماد على جماعات إسلامية راديكالية، كما تفعل إيران في العادة أو جماعات "إخوانية" جزءاً من تنظيم دولي، كما تفعل تركيا .
وإذا كان لكل من إيران وتركيا مشروعهما الإقليمي، فإن تصريف شحنات مشروعيهما يتم في منطقة الفراغ العربي، حيث يحاولان اختراق دوله ومجتمعاته، ويشجعهما على ذلك الضعف العربي والانقسام المجتمعي .
وقد أثبتت التجربة على مدى التاريخ القديم والحديث، أن العرب كلّما كانوا أقوياء، حدث نوع من التوازن في المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة والتعاون الإيجابي، وعلى العكس من ذلك، فإن ضعف العرب قاد إلى المزيد من احتراب المشروعين الإيراني والتركي، سواء بصيغتهما القديمة أو بتجليّاتهما الجديدة، وإنْ احتوت على جزء من الماضي، وكان الخاسر الأول، بل والأكبر هم العرب، والعراق بالدرجة الأساسية، إضافة إلى شعبي البلدين الجارين وعموم شعوب ودول المنطقة .
وثمة عوامل أخرى مؤثرة في الأمن القومي العربي، خصوصاً العامل الدولي، حيث يلعب الارهاب الدولي اليوم "فزاعة" لابتزاز البلدان العربية ودول الإقليم عموماً، لاسيّما حينما تنتشر وتتفشى ظاهرة العنف في المنطقة، بل وعلى المستوى العالمي، الأمر الذي احتاج إلى تضافر دولي لدحره، وقد حاولت القوى المتنفذة في الغرب إلصاق الإرهاب الدولي بالمسلمين والعرب كجزء من "الشانتاج" الذي تستخدمه لترويضهم، علماً بأن الإرهاب لا دين ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا آيديولوجية ولا جغرافيا ولا تاريخ له .
إن السياسة الغربية إزاء الإسلام وما سمّي بالإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) كانت عاملاً مؤثراً في إضعاف الأمن القومي العربي، خصوصاً بمحاولة فرض الهيمنة والاستتباع على دول المنطقة والتدخل بشؤونها الداخلية، كما لعب احتلال العراق وقبله أفغانستان دوراً سلبياً على سلم المنطقة وأمنها، فضلاً عن تعطيله للتنمية والتقدّم، وانعكس ذلك على زيادة حدّة التوتر وعلى شراء السلاح وتكديسه وعلى استغلال البلدان الغربية كلّ ذلك، لمصالحها الأنانية الضيقة من دون أية مراعاة واحترام لحقوق الإنسان، التي تدعو إليها .
وإذا كنّا بصدد العوامل الدولية، فإن وجود النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى في المنطقة، أسهم في التنافس والصراع الدولي على الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي بشكل عام، الأمر الذي اعتُبِرَ بقدر إيجابياته ومردوداته المادية، فإنه عنصر سلبي، وهكذا كان نقمة بقدر ما هو نعمة، يُنتظر منها أن تسهم في التنمية والتقدّم .
وبقدر وجود عوامل صراع للقوة الخشنة للتمدّد الخارجي، فثمة عوامل ناعمة للقوة، التي تمر عبر السياسة والاعلام والاقتصاد والتمذهب والإثننة وغيرها، وهذه تتغذى على استمرار الجهل والأمية والتخلف، خصوصاً جوانب التعصب والتطرف والغلو والانغلاق وعدم الانفتاح أو الاعتراف بالآخر . وحسبما قال النفري: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة



التباس مفهوم "الأقليات"- عبد الحسين شعبان

أثارت موجة التغييرات في العالم العربي طائفة من ردود الفعل بخصوص "الأقليات"، وهو وإن كان مصطلحاً ملتبساً، الاّ أنه مصطلح مستخدم من جانب الأمم المتحدة، خصوصاً بإعلان حقوق الأقليات الصادر عام 1992 أو إعلان حقوق الشعوب الأصلية الصادر عام ،2007 وإنْ كنت أميل منذ عقدين من الزمان إلى استخدام مصطلح "التنوّع الثقافي" بدلاً من مصطلح الأقليات .
وأرى أن مصطلح "التنوّع الثقافي" ينطلق من مبادئ المساواة والتكافؤ إزاء التكوينات المختلفة، بعيداً عن حجمها وعددها، أقلية أو أكثرية، فالحقوق لا بدّ أن تكون متساوية وتشمل جميع البشر، ولا يمكن التمييز بينهم بسبب عددهم، كما أن هذه الحقوق شاملة وعامة، وتخصّ الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته وجنسه وأصله الاجتماعي، وهي حقوق لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها لأي سبب كان .
وإذا كانت التغييرات قد انعكست على موضوع "الأقليات" الذي سنستخدمه مجازاً ونقصد "التنوّع الثقافي"، بشيء من القلق والترقب والحيرة أحياناً، فذلك لسببين رئيسين:
* الأول: هو ما صاحب عملية التغيير وما أعقبها من فوضى وأعمال عنف، استهدفت بهذا القدر أو ذاك التنوّعات الثقافية سواءً المسيحيين أو الأقباط أو الكرد أو التركمان أو الإيزيديين أو الصابئة أو الأمازيغيين أو غيرهم .
* والثاني: هو صعود التيار الإسلامي، لاسيما في تونس ومصر والمغرب في أول انتخابات بعدما اصطلح على تسميته "الربيع العربي"، عوضاً عن انتعاشه في ليبيا واليمن وسوريا، الأمر الذي أثار مخاوف مشروعة في الأغلب ومبالغٌ فيها في بعض الأحيان، خصوصاً ما أثير من علاقة الدين بالدولة، فضلاً عن علاقته بمفهوم الهوّية والحقوق الفردية والجماعية ومبادئ المواطنة والمساواة والمشاركة في إدارة الحكم وتولّي المناصب العليا، لاسيّما بالنسبة "للأقليات"، وكذلك في الموقف من حقوق المرأة . وإذا كان التوافق الذي تحقّق مؤخراً بالتصويت على الدستور التونسي (في الجمعية التأسيسية والذي حظي ب200 صوت من مجموع 217) وقبله نجاح الاستفتاء على الدستور المصري بنسبة 98% من عدد المصوتين الذي بلغ 38%، وهي نسبة أكبر من التصويت على دستور الأخوان العام ،2012 بادرة إيجابية باتجاه تأكيد هوّية الدولة وإقراراً للتنوّع والتعددية، لكن التحدّيات التي تواجه التنوع الثقافي لا تزال كبيرة فضلاً عن تعرّض الكثير منها إلى الاستهداف واضطرارها للهجرة، الأمر يحتاج إلى آليات عملية لحمايته وتعزيز روح المواطنة المتساوية، خصوصاً وأن الكثير من الهلع حد الخيبة كان قد أصاب "الأقليات" منذ البداية، لاسيّما أعمال العنف والبلطجة التي تعرضت لها، وإن كانت قد شملت الجميع، لكن تأثيرها فيهم كان واسعاً وعميقاً، وهو ما دفع أوساطاً غير قليلة منها لاعتبار ما سمّي بالربيع العربي، خريفاً لها، بل إن بعضها حاول التشبث بالشرعيات القديمة القائمة .
وأصل منشأ الالتباس في موضوع "الأقليات" لا يقتصر على القوانين الدستورية والممارسات العملية، بل يمتدّ إلى القانون الدولي أيضاً، فحق تقرير المصير كما ورد ذكره في ميثاق الأمم المتحدة يتعلق بالشعوب peoples الأمر الذي أحدث نقاشاً في مؤتمر سان فرانسيسكو الذي صيغ فيه الميثاق، وقد وردت عنه استخدامات متعددة، فأخذ الحديث تارة عن (دولة) State وأخرى عن (أمة)Nation وثالثة عن (شعب)People تحت مفهوم متقارب، كما جاء ذكره في نظام الوصاية الدولية، الأمر الذي أثار نوعاً من الالتباس أحياناً، وهو ما تعرّض له المفهوم لاحقاً بمعناه الفقهي أو بتطبيقاته العملية .
ولعلّ ذلك يستوجب متابعة التطور التاريخي والسياقات القانونية التي مرّت بها فكرة حق تقرير المصير . ولا بدّ هنا من التوقف جدّياً عند قرار تصفية الاستعمار "الكولونيالية" رقم 1514 الصادر في 14 ديسمبر/ كانون الأول ،1960 وبقدر رمزية القرار الذائع الصيت والذي اكتسب شهرة كبيرة وكان بعنوان "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة" فقد تزامن صدوره مع أجواء إيجابية كانت شعوب آسيا وإفريقيا تتطلع إليها، خصوصاً وقد أعلن "أن لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير" (وهو ما ورد لاحقاً في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان العام 1966) كما أكّد على "حق هذه الشعوب في أن تحدد بحرية مركزها السياسي وأن تسعى بحرية إلى تحقيق نموّها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي" .
وعلى الرغم من احترام مبدأ حق تقرير المصير ومنح الاستقلال في القرار 1514 والقرار الذي تلاه، الاّ أن الاتجاه العام كان يميل إلى استبعاد "الأقليات" من التمتع بهذا الحق، في نظرة تقييدية لاستخدام هذا الحق، لأنه ينطبق على الشعب، وليس على الأقليات التي قد لا تكوّن شعباً، أي أن حق الاستقلال وتكوين دولة مستقلة حسب القانون الدولي أعطي للشعب وليس للأقلية، بل لكامل الشعب في الإقليم Territory، والشعب هو الذي يمارس هذا الحق، ومصدر هذا التحفظ يعود إلى مبدأ وحدة الإقليم وكي لا يؤدي إلى تفتيت الوحدات الوطنية .
وظلّ هذا الأمر محطّ جدل كبير في الأمم المتحدة وخارجها لمدة عشر سنوات تقريباً حتى صدر القرار رقم 2625 في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 تحت عنوان "إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلق بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة" والذي عُرف بإعلان التعايش السلمي متضمناً سبعة مبادئ أساسية، تشكل جوهر مبادئ القانون الدولي . وقد ورد في هذا القرار إشارة إلى حق تقرير المصير في ثلاثة مباحث مع تأكيد الحديث عن عدم المساس بوحدة أراضي الدولة، لكن الفقرة السابعة من الإعلان المتعلقة بحق تقرير المصير ربطت حق الاستقلال بالحكومة التمثيلية، وجعلت من الوحدة الإقليمية منوطة بها مع تأكيد حق تقرير المصير .
يمكن التمييز بين مفهومين لحق تقرير المصير:
الأول على أساس الإقليم، ويعني حق الشعب في "الدولة" بمكوّناته المتنوّعة في حكم نفسه بنفسه من دون تدخل خارجي على أساس سياسي ودستوري، لاسيّما للشعوب المستعمَرة، أما الثاني فعلى أساس الهوّية، ذلك أن مفهوم الشعب يعني "مجتمع إنساني" يعود إلى سمات إثنية وثقافية متميّزة . وهكذا يصبح حق الشعب في تقرير المصير يخضع للهوّية الثقافية والإثنية، وهو ما يطلق عليه حق تقرير المصير ارتباطاً بالهوّية وليس بالاقليم طبقاً للمفهوم الأول . وعلى أساس ذلك أعطت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً بخصوص شرعية انفصال كوسوفو من طرف واحد العام ،2010 وتقرر إعلان استقلال جنوب السودان في العام 2011 بعد استفتاء للجنوبيين، وقبل ذلك قيام دولة تيمور الشرقية بقرار من مجلس الأمن، ولكن المجتمع الدولي ظلّ عاجزاً عن استصدار قرار بقيام الدولة الفلسطينية طبقاً لقرار الأمم المتحدة 181 لعام 1947 بسبب ازدواجية المعايير وانتقائية السياسات، ودور القوى المتنفذة، علماً بأن الاعتراف بهذه الدولة زاد على ثلثي أعضاء الأسرة الدولية .
ولعلّ هذه القرارات تعتبر سوابق دولية قانونية وقضائية، بخصوص "التعددية الثقافية" الدينية والقومية في الدول ذات التنوّع، وسيكون لها دلالات فكرية وسياسية وكيانية على صعيد موضوع الهوّية، يمكن الاستناد إليها دولياً لإعلان الاستقلال من طرف واحد أو بقرار دولي أو قضائي، فيما إذا كانت الظروف الموضوعية والذاتية تستجيب لذلك، وهو الأمر الذي لا بدّ من إدراكه كجزء من المستجدّات الدولية!!





دستور تونس والعقدة الدينية/ عبد الحسين شعبان

صوّت 200 نائب بالموافقة على دستور تونس الجديد من مجموع 217 نائباً، وهذا الدستور هو الثاني منذ "ثورة الياسمين" التي كانت شرارتها الأولى قد جاءت من سيدي بوزيد، حينما أحرق محمد بوعزيزي نفسه، والتي انتصرت في 14 يناير/كانون الثاني 2011 واضطر الرئيس السابق زين العابدين بن علي إلى مغادرة البلاد .
وكان تصويت المجلس التأسيسي على مشروع الدستور الجديد قد ترافق مع إعلان رئيس الوزراء الجديد مهدي جمعة عن تشكيل حكومة جديدة مستقلة خلفاً لحكومة علي العريّض، وهي الحكومة الثانية لحزب النهضة الإسلامي التي اضطرّت إلى الاستقالة، حيث ستضطلع الحكومة الجديدة بالتحضير لانتخابات جديدة (العام 2014) .
وعلى الرغم من الفوضى والعنف عقب موجة التغيير التي شهدها العالم العربي في السنوات الثلاث الماضية، إلاّ أن إقرار الدستور التونسي الجديد 26 يناير/كانون الثاني ،2014 وقبله الاستفتاء على الدستور المصري الجديد في 13-14 يناير/كانون الثاني ،2014 يعتبران تطوّرين مهمين على صعيد الانتقال الديمقراطي، من دون أن يعني ذلك انحسار التحدّيات الكثيرة التي واجهت التجربتين الفتيتين، سواءً من جانب بعض قوى الإسلام السياسي والجماعات السلفية المشاركة أو من طرف القوى التقليدية والمتضررة من التغيير، ففي كلا البلدين حاولت بعض القوى اختطاف ثمار التغيير ونتائجه لمصلحتها، أو أن بعضها سعى عندما لم يتمكّن من ذلك لحرفه عن مساره المدني وأهدافه المعلنة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .
كان من المقرر إنجاز المجلس التأسيسي مشروع الدستور العام ،2011 لكنه تأخّر بسبب خلافات سياسية حادة، ولكن القوى السياسية المختلفة توصّلت في نهاية المطاف وبعد حوارات جادة وعميقة وجهود مضنية وتنازلات متبادلة إلى إقرار صيغة اعتبرت قياساً لجميع الدساتير العربية متقدمة، وتشكّل أساساً لبناء دولة مدنية بملامح تونسية، وكان للمجتمع المدني دور كبير في إنجاز ما تحقّق، لاسيّما لاتحاد الشغل ولنقابة المحامين وللرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان .
وقد تابع العالم العربي كلّه، بل والعالم أجمع، الحراك المدني التونسي، القانوني والدستوري والمهني، ولاسيما في مسألة إعداد الدستور التونسي الجديد وصياغاته النهائية، خصوصاً في ظل الاستقطابات والتجاذبات بين المعارضة والقوى المشاركة في الحكم، وبالتحديد "الترويكا" المتحالفة . وكانت لحظة التصويت على الدستور من أكثر اللحظات حساسية، فقد عكست عقلانية وإدراكاً لمعنى التوافق، وللاعتراف بالآخر باعتباره شريكاً لا غنى عنه، ولذلك توصل الجميع "بقناعة" إلى دستور توافقي، عبّر عنه الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب بقوله "الله وفّق شعبنا الذي قام بثورة أنارت العالم . . . بالوصول إلى دستور توافقي بين التونسيين"، ولم يكن ذلك بمعزل عن تنازل الإسلاميين الذين يشكّلون أغلبية أعضاء المجلس التأسيسي إلى التخلي عن إصرارهم على اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع، في حين وافق اليساريون والوطنيون والعروبيون وشبه الليبراليين على نص يعود لدستور العام 1959 وهو أول دستور بعد الاستقلال، يقول أن الإسلام دين الدولة .
تضمن الدستور 9 أبواب، حيث خُصّص الباب الأول للمبادئ الأساسية، وشمل على 17 مادة، تضمنت اسم الدولة ودينها ولغتها ونظامها الجمهوري وعلمها ونشيدها الوطني وشعارها، وخصصت بعضها إلى تأكيد حظر نزع الجنسية أو تسليم المواطنين إلى جهات أجنبية أو تغريبهم أو منعهم من العودة إلى الوطن، وضمان حرّية الفكر والتعبير والإعلام والنشر والاجتماع والتظاهر، والتنظيم الحزبي والنقابي والجمعياتي والمعارضة السياسية، وضمان حقوق المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة، وتأكيد وحدة الوطن والدفاع عن حرمته والامتثال للقوانين وأداء الضرائب وتأكيد وجوبية الخدمة الوطنية، واعتماد نظام اللامركزية باعتباره أساساً للتنظيم الإداري الجهوي والمحلي مع الحفاظ على الشكل الموحّد للدولة، واعتماد السلم القائم على العدل باعتباره أساس العلاقة بين الدول والشعوب .
وشمل باب الحقوق والحريات، حق الحياة والكرامة الإنسانية ومنع التعذيب وحرية المعتقد وضمان الحق في الحياة الخاصة وسرّية المراسلات وحرمة المساكن والامتناع عن سحب الجنسية واعتبار العقوبة شخصية، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته . ويعتبر باب الحقوق والحرّيات في الدستور التونسي الذي شمل 33 مادة من أفضل الدساتير العربية الحديثة على هذا الصعيد، وهو ثمرة من ثمار الحراك التونسي، لاسيّما بتأكيده على المواطنة الدستورية المستندة إلى حقوق الأفراد وواجباتهم المتساوية باعتبارهم مواطنين ينتمون إلى دولة يحكمها قانون ودستور ومؤسسات، وليس لأديان أو طوائف وإثنيات، وهو ما تورطت فيه بعض التجارب الدستورية الحديثة، كما هي التجربة الدستورية العراقية، التي تحدثت عن مكوّنات، في حين كان يفترض بها أن تتحدث عن دولة مواطنة .
وكان الباب الثالث بعنوان السلطة التشريعية الذي تضمن اختصاصاتها، لاسيّما انتخاب مجلس الشعب وشروط الانتخاب والترشيح لكل تونسي أو تونسية وذلك في 42 مادة، أما السلطة التنفيذية فقسمها الدستور إلى قسمين وأجملها في الباب الرابع، القسم الأول- رئيس الجمهورية وصلاحياته وطريقة انتخابه من جانب البرلمان (أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشعب) والقسم الثاني، الحكومة، الذي حددّ اختصاصاتها وطريقة تكوينها واتخاذ قراراتها .
أما الباب الخامس فقد اختص بصلاحيات السلطة القضائية وواجباتها ووظيفتها واستقلاليتها ودور القضاة، معتبراً كل تدخل بالقضاء جريمة لا تسقط بالتقادم، وهو نص لم أجد ما يوازيه في الدساتير العربية، واضعاً بعض الضوابط لتأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره شخصية معنوية مستقلة إدارياً ومالياً، وكذلك للقضاء العدلي الذي يشمل محكمة التعقيب ومحاكم الاستئناف والمحاكم العقارية وغيرها .
واختصّ الباب السادس بالسلطة المحلية، التي يفترض تأسيسها على أساس اللامركزية الإدارية، وتنتخب المجالس المحلية والبلدية بالانتخاب المباشر الحر والسري .
أما الباب السابع فقد خُصص للهيئات الدستورية، وهي هيئات توسّع الدستور التونسي على سواه من الدساتير في تحديدها، مؤكداً استقلاليتها مثل الهيئة المستقلة للانتخابات، والهيئة المستقلة للإعلام، وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وهي هيئات مستحدثة أخذت بعضها عدد من الدساتير العربية الجديدة ولكنها لم تكن بهذا الاتساع والشمول .
أما الباب الثامن فقد تناول طرق تعديل الدستور الذي منح الحق بموجبه لطلب التعديل إلى رئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس الشعب . وكرّس الباب التاسع للأحكام الختامية، فاشترط عدم تعديل الدستور الاّ بعد خمس سنوات من دخوله حيّز التنفيذ، كما اعتبر محظوراً تعديل دين الدولة (الإسلام) ولغة الدولة (العربية) وطابع نظامها (الجمهوري) وصفة الدولة (المدنية) ومكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في الدستور وعدد الدورات الرئاسية ومددها بالزيادة (وذلك باعتبارها مواد جامدة) صيغت على أساس التوافق الوطني والعقد الاجتماعي الجديد .
لم يكن الوصول إلى صيغة الدستور التونسي الجديد مهمة يسيرة، فقد جاء بعد مخاض عسير وشد وإرخاء وتراجع وتقدم، لكن الجميع تحلّى بشجاعة "المنتصر" للوصول إلى صيغة التوافق، التي قد تكون روح خيرالله التونسي المصلح الدستوري الكبير قد خيّمت على أجواء السجال والنقاش التي عكست نضجاً وعمقاً كبيرين .





 “الوجه الآخر” لتركيا/ عبد الحسين شعبان

أعطى حزب العدالة والتنمية منذ فوزه في انتخابات العام 2002 هامشاً مهماً لتركيا لإظهار توجّهات الدولة الجديدة، حتى إن كانت بصبغة إسلامية، فقد قدّم الإسلام على نحو أكثر عصرية وبدا متصالحاً مع القيم الديمقراطية، ولاسيّما مع قيم الدولة المدنية والحريّات، الأمر الذي نظرت إليه الكثير من الأوساط، ولاسيّما في الغرب باعتباره بديلاً عن الإسلام الراديكالي "الإيراني" من جهة والشيعي بشكل عام من جهة أخرى، لاسيّما لجهة حزب الله، إضافة إلى كونه بديلاً عن الإسلام السني المتطرف والمتعصّب، ممثلاً بتنظيمات القاعدة والجماعات التكفيرية والإرهابية .
ولا بدّ من الإقرار بأن سياسة تركيا خلال السنوات العشر ونيّف الأخيرة كانت تمتاز بالمبادرة والحيوية، جامعة ما هو وطني وإسلامي، إضافة إلى الحفاظ على علاقتها مع الغرب، في إطار نموذج جديد استطاع الإبقاء على طابع الدولة المدنية، ولاسيّما في موضوع الحريات مع تطعيمه بالأمصال الإسلامية أحياناً، ومن دون تعارضات حادة أو تناقضات صارخة . وخلال السنوات العشر الماضية عملت تركيا على التقارب مع سوريا، حتى إن شعار أردوغان كان "تصفير" المشكلات وحل جميع العقد الكبرى التي كانت قائمة، مبادراً إلى إجراءات وتدابير لتسيير وتيسير العلاقة في المجالات المختلفة، كما تحسنت علاقاتها مع مصر وكانت وطيدة مع ليبيا، ودرجت على تطويرها مع العراق بشكل عام، إضافة إلى إقليم كردستان بشكل خاص .
ومع كل هذه التطورات في السياسة التركية، الاّ أن الكثير ظلّوا ينظرون إليها بشيء من الحذر والارتياب، لصعود حزب إسلامي في دولة علمانية حديثة، تأسست قبل قرن من الزمان، وإنْ كان نجاح التجربة قد بدّد الكثير من المخاوف، ولكن القلق بقي يساور العديد من الأوساط لاعتبارات كثيرة، قسم منها يعود إلى الماضي وتركة الدولة العثمانية، والقسم الآخر يعود إلى الحاضر، خصوصاً علاقة تركيا بالغرب وحلف شمالي الأطلسي واعترافها ب"إسرائيل" منذ العام 1949 وإقامة علاقات وطيدة معها دبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً وتجارياً وغير ذلك، إضافة إلى سياساتها في منطقة البلقان والمشكلة القبرصية تحديداً، ومساعيها المستمرة للتدخل في الشؤون العراقية والسورية وغير ذلك .
يضاف إلى هذا السجل الملتبس، الموقف من القضية الكردية في تركيا، فلحدّ الآن لا تزال تركيا تتنكّر لحقوق الشعب الكردي المحروم من الناحية السياسية من حقوقه الأساسية، سواءً في حكم نفسه وتقرير مصيره أو في مجالات التعليم والثقافة والتراث وغير ذلك، كما أن تركيا في سياساتها الشرق أوسطية دأبت على القيام بدور فرعي للإمبريالية العالمية في تاريخها خلال السنوات الستين الماضية، حتى إن ظهرت بحلّة جديدة، وهو ما حاولت القيام به خلال العقد الماضي، ولاسيّما خلال موجة التغيير التي اجتاحت المنطقة، ولكنها لم تستطع إخفاء سيفها العثماني وغمدها النووي الأطلسي، وهو ما ظهر من اندفاعها في تونس ومصر وليبيا بعد تردّد بحكم علاقاتها بالنظام السابق، واعتبرت التغيير في سوريا "قضيتها المركزية"، إضافة إلى تدخلاتها في العراق، سواءً باجتياح الأراضي العراقية لملاحقة حزب العمال الكردستانيPKK أو بتفضيل طرف على آخر من المشاركين في العملية السياسية أو خارجها، والعمل مع إقليم كردستان بمعزل عن بغداد .
وكان العام 2011 مفصلاً تاريخياً بين مرحلتين، ولاسيّما خلال اندلاع حركة احتجاج عربية واسعة مبتدئة من تونس، واعتقدت تركيا أن فرصتها الكامنة قد جاءت، وربّما كان ذلك هو شعورها الحقيقي، فتحرّك عازف الكمان التركي، ليعزف مقطوعة موسيقية حديثة، كانت أقرب إلى احتفالية بنجاح مشروعها، وسارعت بعدها بخطوات متلاحقة على أمل حصد النتائج سريعاً لمصلحتها كدولة إقليمية فرعية شريكة للامبريالية العالمية، خصوصاً بوجود القواعد العسكرية الضخمة على أراضيها والمناورات التي كانت تشترك فيها سنوياً .
ولكن اندفاعاتها السريعة وتقديراتها المتعجّلة، بدلاً من تحقيق النتائج المرجوّة، أوصلتها أحياناً إلى شيء من الخيبة، وتعرّضت إلى ردود أفعال حادة، لاسيّما وقد أخذت تتصرف بنوع من الوصاية والهيمنة، باعتبارها مركز الامبراطورية العثمانية، ونظرت إلى الدول العربية، نظرة أقرب إلى الولايات القديمة، منها إلى دول مستقلة، لدرجة تركيا اعتبرت أن ما يحدث في العالم العربي، كأنه شأن داخلي تركي، من دون الأخذ في نظر الاعتبار قواعد القانون الدولي، فوجّهت دعوة إلى الرئيس المصري حسني مبارك طالبة منه التنحّي، وقبلها كانت تضغط لرحيل زين العابدين بن علي في تونس، ودعت الزعيم الليبي القذافي إلى الرحيل بعد تردّد في البداية، وبخصوص سوريا فقد اعتبرت ما يجري فيها قضيتها المركزية، واستخدمت ذراعها الطويلة في العراق، خصوصاً وقد تصرّفت كصاحبة سيادة، حتى إن وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو حاول زيارة كركوك المدينة العراقية من دون موافقة رسمية ومن دون قواعد دبلوماسية وبروتوكولية .
ولم تبد أية مرونة إزاء مشكلات المياه التي ظلّت قائمة بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى، لاسيّما باستمرار حجب حصة البلدين العربيين من المياه عن طريق القضم التدريجي، منذ بناء سدّ الغاب الكبير، ونحو 22 سدّاً آخر، والأمر يتعلق بحوضي نهري الفرات ودجلة .
ولعلّ ردود فعلها غير الدبلوماسية كانت شديدة بعد حركة 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز العام ،2013 خصوصاً بإقالة الرئيس محمد مرسي وتنحية حركة الأخوان من قيادة السلطة، إثر اندلاع تظاهرات شعبية عارمة، كان الجيش عاملاً حاسماً فيها . نقول ذلك وندرك في الوقت نفسه أن الشعب السوري وشعوب البلدان التي تحرّكت للاحتجاج والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، تحتاج إلى التغيير وإقامة أنظمة جديدة تستجيب لمصالح شعوبها، لكن ذلك شيء ، واندفاع تركيا، خارج نطاق حدودها شيء آخر، لاسيّما أن هناك صراعات وتدخلات إقليمية أخرى تركت تأثيراتها السلبية، وأدّت إلى تفاقم المزيد من المشكلات بين إيران وعدد من الدول العربية، ولاسيّما الخليجية .
هل عادت تركيا إلى ما قبل مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة؟ ربما سيكون الجواب عن هذا السؤال استباقاً للأحداث، لكن ما يمكن تأكيده من خلال معطيات كثيرة هو أن الحزب بدأ يفقد الكثير من رصيده الدولي والإقليمي، خصوصاً العربي، بما فيه موقفه من القضية الفلسطينية، وتسييره أسطول الحرية واستشهاد 9 مواطنين أتراك، والموقف المشهود لأردوغان من التصريحات "الإسرائيلية"، خصوصاً خلال وبعد الحرب على غزّة العام 2008-2009 وما بعدها، وهو الأمر الذي يدعو لطرح السؤال إزاء عودة تركيا إلى نهجها القديم، أي العزلة عن محيطها مجدداً، لاسيّما تصدّع العلاقة مع إيران، التي حاولت استعادتها مؤخراً بعد انفراج أزمة الملف النووي الإيراني مع واشنطن، وتوجهها إلى الحرب الباردة التي دخلتها مع معظم دول المنطقة في الستينات والسبعينات، خصوصاً في ظل حكم العسكر وانقلاباته ومعاداته للديمقراطية والحريات، كما هو انقلاب العام 1960 وانقلاب العام 1971 وانقلاب العام 1980 واستكمالاته في العام ،1997 وتشوشت النظرة الايجابية التي تكوّنت عن حزب العدالة والتنمية والسياسة الواقعية "البراغماتية" التركية المنفتحة .
كل ذلك حدث في ظل حركة احتجاج تركية واسعة، هي الثانية خلال العام ،2013 ففي المرّة الأولى انطلقت ضد تحويل حديقة عامة الى مركز تجاري وثكنة عثمانية، وفي المرّة الثانية بسبب الفساد المالي والإداري الذي اتهم فيه عدد من أبناء المسؤولين، وهو الذي فجّر أزمة طاحنة قد تؤدي إلى المزيد من التفكك في حزب العدالة، خصوصاً بعد إقالة وزيري الداخلية والاقتصاد ومدير الشرطة وعدد من مراتب الشُعَب الأمنية ومدير بنك "خلق" وتقديم عدد من قيادات الحزب استقالاتهم .
ولعلّ وظيفة التحليل السياسي تفترض سؤالاً مهما مفاده: هل أزيل المسحوق الذي تغلّفت به التيارات الإسلامية بما فيها حزب العدالة والتنمية، الذي حاول تقديم نفسه كتيار جديد متصالح مع الحداثة الديمقراطية والعقلانية والمدنية؟ وفي حالة تركيا هل للتركة العثمانية الثقيلة دور في تكبيل تركيا ولفّها بشرنقة سميكة لا تستطيع الانفكاك منها أو الخروج من مأزقه؟، لاسيّما المطامع بالهيمنة التي تتجاوز حدود السيادة وتمتد إلى الدول الأخرى للتدخل بشؤونها الداخلية بصفة وصاية أو استحواذ، كما قد يعود الأمر إلى أن بعض ساستها ما زالوا يفكّرون بعقلية الأصل والفرع، فهي كفرع لحلف الأطلسي وحدودها بحدوده حسب تعبيرات أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية، الأمر الذي ظهر جليّاً في تصرفاتها الأخيرة، سواء مع بعض دول الخليج أو في أزمة الرهائن اللبنانيين أو في الموضوع السوري الشديد الحساسية أو في موضوع التمدّد التركي في العراق، فضلاً محاولة مدّ ذراعها إلى دول أخرى في العالم العربي بما فيها مصر والمغرب العربي!!
* باحث ومفكر عربي






العودة إلى ما قبل أوسلو/د. عبد الحسين شعبان


هل ستفضي المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" الجديدة إلى إعمال مبدأ تقرير حق تقرير المصير، باعتباره ركناً أساسياً من أركان القانون الدولي المعاصر، وحقاً مركزياً من حقوق الشعوب، في منظومة حقوق الإنسان، لاسيّما الحقوق الجماعية الثابتة وغير القابلة للتصرف؟
السؤال ظلّ مطروحاً منذ اتفاقيات أوسلو العام ،1993 لاسيّما بوصول ما سمّي مرحلة الحل النهائي إلى طريق مسدود، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (العام 2000)، وقد دفع القائد الفلسطيني ياسر عرفات حياته ثمناً لعدم التنازل عن القدس وعن حق العودة وقيام الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة، بعد حصار استمر قرابة ثلاثة أعوام، حيث قامت السلطات "الإسرائيلية"، باستخدام جميع الوسائل لتصفيته بما فيها ما تردّد من دسّ سمّ إليه؟
لم تبق دولة في العالم تمارس العنصرية سوى "إسرائيل"، سياسة ثابتة إزاء الشعب العربي الفلسطيني، حيث تواصل تنكّرها لحقوقه العادلة والمشروعة، لاسيّما لحقّه في تقرير المصير، وهو ما أكّده مؤتمر ديربن عن العنصرية العام ،2001 فبعد إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا الذي هيمنت فيه الأقلية البيضاء على البلاد ما يزيد على ثلاثة قرون ونيّف من الزمان في إطار استعمار استيطاني إحلالي عنصري، أجريت أول انتخابات لكل الأعراق والإثنيات وعلى أساس صوت واحد لمواطن واحد، وفاز نيلسون مانديلا وحزب المؤتمر الوطني الذي يمثّل الأغلبية السوداء في العام 1994 .
ولعلّ تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره أحد المبادئ الآمرة في القانون الدولي والمعروفة باللاتينية ب Jus Cogens أي الملزمة، كان قد أصبح رديفاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 والمعروف بقرار تصفية الاستعمار الكولونيالي، الصادر في 14 ديسمبر/كانون الأول العام 1960 .
وكان قد انعقد في الجزائر (العاصمة) مؤتمر بمناسبة الذكرى ال 50 للإعلان العالمي لتصفية الاستعمار (الكولونيالية)، وحضره نخبة متميّزة من زعماء وقادة حركات التحرر، إضافة إلى أكاديميين وباحثين ومفكرين كان لي شرف حضوره والمساهمة في تقديم بحث عن ديناميكية حق تقرير المصير، ومثلما كان صدور القرار العام 1960 حدثاً بارزاً، فإن انعقاد المؤتمر بعد 50 عاماً كان حدثاً مهماً أيضاً، للمراجعة والنقد واستشراف آفاق المستقبل .
قاعة قصر الأمم التي انعقد فيها المؤتمر، لها تاريخ عريق أيضاً، فهي التي شهدت تسليم الرئيس كنيث كواندا رئاسة القمة الإفريقية للرئيس الجزائري هواري بومدين في شهر سبتمبر/أيلول ،1973 وهي القاعة ذاتها التي جمعت شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدام حسين خلال القمة الأولى للبلدان المصدّرة للنفط، حيث توّجت الوساطة الجزائرية، ولاسيّما جهود الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة (وزير الخارجية حينها) بالنجاح .
وصوّرت الكاميرات آنذاك عناق "الإخوة الأعداء" مع الاعتذار لكارامازوف، حيث تم التوصّل إلى توقيع اتفاقية 6 مارس/آذار العام 1975 بين العراق وإيران، والتي أدت إلى إنهاء الحركة المسلّحة الكردية حينها مقابل تنازلات قدّمها العراق إلى إيران، في شط العرب بقبول خط الثالويك، لكن تلك الاتفاقية بذاتها أصبحت نقطة توتر جديدة تُضاف إلى العُقد التاريخية بين البلدين، وهي لا تزال محطّ أخذ ورد، ونقاش وجدال ونزاعات وحروب قاربت أربعة عقود من الزمان، ولعلّ فصلها الأكثر مأساوية كان الحرب العراقية- الإيرانية 1980-،1988 التي تعد من تداعياتها عملية غزو الكويت العام 1990 وانفلات أمن الخليج والحرب على العراق واحتلاله العام 2003 .
بدأ الرئيس كنيث كواندا عميد رؤساء الدول الإفريقية خطابه بأغنية راقصة، صفّق لها الحاضرون طويلاً، لاسيّما إيقاعها وحركاتها، وبعدها وجّه كلامه الى الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلاّ الذي كان يجلس بمواجهة منصّة الخطابة، قائلاً: نحن ساهمنا بتحرير إفريقيا، وذلك بشيء من الحنين والكبرياء والرومانسية الثورية . (ولعلّ تلك المناسبة كانت آخر ظهور علني وفي محفل دولي للرئيس بن بيلا قبل رحيله) .
ومن الجدير بالذكر أن صدور الإعلان العالمي كان مناسبة تم استلهامها لاحقاً بصدور قرارات من الأمم المتحدة حول السيادة الدائمة للدول على مواردها الطبيعية، لاسيّما القرار الصادر في 14 ديسمبر/ كانون الأول 1962 برقم 1803 (الدورة السابعة عشرة) والقرار رقم 3281 في 12 ديسمبر/كانون الأول 1974 (الدورة التاسعة والعشرون) بخصوص حقوق وواجبات الدول الاقتصادية وغيرها .
لقد طرأت على الساحة الدولية خلال السنوات الخمسين ونيّف سلسلة من التطوّرات السلبية والإيجابية، وأهمها لموضوعنا مشاركة الأقاليم المحتلة سابقاً، والتي أصبحت دولاً مستقلة وأعضاءً في الأمم المتحدة، في تحقيق أهدافها، تلك التي لا يمكن إقامة سلام عالمي من دون مشاركتها الفعّالة، طبقاً لقرار الأمم المتحدة 566 في العام ،2010 وهو الأمر الذي يواجه المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" الأخيرة، على الرغم من الرحلات المكوكية لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري التي زادت على العشرة إلى الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل استمرار التعنّت "الإسرائيلي" وعدم الإقرار بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ووضع العراقيل والعقبات أمام قيام الدولة الوطنية باستمرار بناء المستوطنات وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية بجدار عنصري، وضم القدس الشريف عاصمة الدولة الفلسطينية إلى "إسرائيل" باعتبارها عاصمة أبدية لها، لاسيّما بإعلانها عن الدولة اليهودية النقية، ناهيكم عن التنكّر لحق العودة والتحكّم بالمياه وعدم تحديد الحدود وغير ذلك .
إن استذكار صدور قرار الأمم المتحدة 1514 مناسبة لاستعادة دور الأمم المتحدة في الستينات وما بعدها، وخصوصاً في ظل توازن القوى الدولي وصعود نجم حركات ودول التحرر الوطني، التي كان من أبرز قادتها جمال عبد الناصر (مصر) وجواهر لال نهرو وأنديرا غاندي لاحقاً (الهند) وجوزيف بروز تيتو (يوغسلافيا)، وبانضمام ماوتسي تونغ وهوشي منه وكاسترو، صعد دور حركة عدم الانحياز في العام ،1961 لاسيّما بعد مؤتمر باندونغ التاريخي الذي انعقد في العام 1955 .
لقد أسهم صدور القرار 1514 في تحريك الضمير العالمي، مثلما شكّل منعطفاً تاريخياً في تطوير الإطار القانوني لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنْ كان هناك التباس وجدل بين مفهوم الشعب People ومفهوم الأمة Nation ومفهوم الدولة state ، وفيما إذا كانت الأقلية تشكّل شعباً؟ وهو الأمر الذي تم استدراكه بعد يوم واحد في 15 ديسمبر/كانون الأول ،1960 فصدر قرار جديد من الجمعية العامة الذي قدّم خيار الاتحاد الاختياري أو الارتباط بدولة مستقلة، للأقاليم غير المحكومة ذاتياً أو غير المستقلة .
وإذا كانت الأمم المتحدة قد أنشأت تيمور الشرقية بقرار من مجلس الأمن، وأفتت محكمة العدل الدولية في لاهاي بأن انفصال كوسوفو لا ينتهك قواعد القانون الدولي، وتأسست دولة جنوب السودان بعد استفتاء شعبي، وحظيت بعضوية الأمم المتحدة، فإن تأكيد مبدأ حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ينبغي أن يقترن بإجراءات عملية ترغم "إسرائيل" على الإقرار به والعمل بموجب القرارات الدولية، التي تمثل الحد الأدنى من حقوقه، لاسيّما القرار 242 والقرار ،338 وقبل ذلك القرار رقم 181 لعام 1947 الذي أنشئت بموجبه "إسرائيل"، وهو ما ينبغي التمسك به فلسطينياً، مثلما ينبغي على الأمم المتحدة أخذه بنظر الاعتبار، كجزء من وظيفتها ومعطى أصيلاً من ميثاقها وأهدافها، وكي لا تذهب الجهود سدىً، بالعودة إلى المربع "صفر"، أي إلى ما قبل أوسلو .


 هل استوطن الإرهاب في العراق؟/ د. عبد الحسين شعبان
يظل السؤال محرجاً ومريباً: هل الإرهاب ظاهرة عراقية منفردة أم أنه جزء من ظاهرة كونية، لا يزال المجتمع الدولي يعانيها، على الرغم من صدور 12 وثيقة واتفاقية دولية بخصوص التصدي له، حتى إن لم يتم التوصل إلى تعريف المقصود بالإرهاب الدولي؟ ومبعث السؤال هو استمرار ظاهرة الإرهاب في العراق منذ احتلاله في العام 2003 .
ولكن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة العام ،2001 جعلت من مواجهة هذه الظاهرة ومكافحة الإرهاب، مهمة عالمية ملزمة، لاسيما بصدور ثلاثة قرارات دولية خطرة من مجلس الأمن الدولي، الأول هو القرار 1368 الذي صدر بعد يوم واحد من العمل الإرهابي الذي أرخ لفاصل تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب، والثاني هو القرار ،1373 الصادر في 28 سبتمبر/ أيلول العام ،2001 (أي بعد سبعة عشر يوماً من أحداث سبتمبر/ أيلول)، ولعله أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أعطى الحق للدول (المتنفذة بالطبع) في شن حرب استباقية أو وقائية بزعم وجود خطر وشيك الوقوع أو محتمل، وفيه عودة للقانون الدولي التقليدي، والثالث هو القرار 1390 الصادر في 16 يناير/ كانون الثاني 2002 الذي فرض على الدول التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، والاّ فإنها يمكن أن تتعرض إلى العقوبات الدولية .
وإذا كان الإرهاب ظاهرة عالمية، فهل انتقاله إلى العراق أسهم في تعميم ثقافة العنف بحيث أصبحت ثقافة سائدة للمجتمع، أم إنه ظل ظاهرة معزولة عن المجتمع بالرغم من تفشيه في ظروف الاحتلال، وما بعده من انقسام سياسي وانشطار ديني واحتراب مذهبي وإثني؟
لعلّ مناقشة هذه الظاهرة كانت محط دراسة وبحث معمّقين في ندوة أكاديمية أعدّ لها مركز حمورابي المتخصص في بغداد وشارك فيها نخبة من الأكاديميات والأكاديميين العراقيين، وقد سبق ذلك بتقديم رؤيته لطبيعة المجتمع العراقي وما رافق تاريخه الحديث والمعاصر من مستويات من العنف اتخذت طابعاً سياسياً، وهو ما حصل في العهد الملكي، ولاحقاً منذ ثورة 14 يوليو/ تموز 1958 وما بعدها التي شهدت استقطابات سياسية حادة، حيث ارتفعت موجة العنف إلى مستويات عليا، وتوّجت في 8 فبراير/ شباط ،1963 بالطابع الدموي الإقصائي .
وقد ظلّ الخوف من الآخر هو الأساس الذي يتحكّم في هاجس الأمن منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى الآن، بغض النظر عن النظام السياسي، وقد ازداد هذا الهاجس حدّة بعد العام ،2003 معيداً إنتاج دورات العنف والإرهاب لطبع الحياة السياسية العراقية كلّها، وزاد الأمر تعقيداً بفتح الحدود على مصراعيها في إطار استراتيجية واشنطن لاستدراج الإرهابيين إلى العراق، بحجة التمكّن من الإجهاز عليهم، وهو ما عاظم انتشار الخلايا الإرهابية ونماذج التعصّب والتطرف التي سبقها تفقيس بيض الحملة الإيمانية التي تبنّاها النظام السابق، لاسيّما بإغراق المكتبات بالمطبوعات والكتب والكراريس التي تغذي ذلك .
كل ذلك ارتبط في أذهان الكثير من العراقيين والعرب بعد الاحتلال بمحاولة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، إضفاء مسحة دينية على احتلاله للعراق، فتارة باسم "الحرب الصليبية" التي قيل عنها إنها زلّة لسان، وأخرى باسم "الفاشية الإسلامية"، وثالثة بمحاولات السخرية من الإسلام والمسلمين برسم صور كاريكاتيرية للرسول وإلصاق كل عمل إرهابي بهم، الأمر الذي شجّع القوى المتطرفة الداخلية لاعتبار كل ما هو "غربي" عنصرياً واستعلائياً، في إطار رد فعل بخطيئة لمجابهة الخطيئة الأولى، إزاء النظر للآخر والعلاقة بين أتباع الديانات والحضارات والثقافات المختلفة التي تتعايش وتتحاور وتتفاعل في إطار المشترك الإنساني، بغض النظر عن الدين أو العنصر أو اللون أو اللغة أو الجنسية أو الجنس أو الأصل الاجتماعي .
لقد اندفعت الكثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والإثنية، الأمر الذي أصاب التنوّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، خصوصاً لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم، وإن كان الأمر يشمل الجميع من دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يطلق عليها مجازاً "بالأقليات" تعرّضت بكياناتها إلى عنف شديد، واضطرّت أعداد واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها .
لقد تم استزراع التربة العراقية بالإرهاب، بالتعكز على إشعال الصراعات المذهبية والإثنية التي اتخذت طابعاً استئصالياً أو تهميشاً بعد الاحتلال، بالاستفادة من الحواضن التي شكّلت بيئة صالحة لنموها، خصوصاً مخرجات الاحتلال الذي قسّم المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومذهبية، بدلاً من اعتماد الدستور على المواطنة والمساواة والمشاركة المجتمعية المستندة إلى الحرية والعدل باعتبإرها ركائز للدولة العصرية الحديثة .
وأسهم الوضع الإقليمي في تعقيد التفاعلات الداخلية، بحيث أصبح الإرهاب "مؤسسة" ممولة خارجياً وذاتياً ولها هيكلياتها، وهي قائمة بذاتها، وتتغذى من كل ما حولها وتغذي المحيط أيضاً . وإذا كانت شوكة الإرهاب التي انكسرت نسبياً في الأعوام من بين 2007-2010 فإنها عادت وأصبحت أكثر حدّة بعد الأزمة السورية بحكم العامل الجغرافي والمتغير الجيوسياسي للقوى المتصارعة في المنطقة، وزاد تأثير ذلك بحكم الاختلاف السياسي الذي تكرّس بعد انتخابات العام ،2010 ولعلّ اقتراب موعد انتخابات العام 2014 دفع بالقوى المتصارعة، بما فيها الإقليمية، إلى تكثيف جهودها لدعم هذا الفريق أو ذاك، والعمل على إضعاف هيبة الدولة العراقية التي ظلّت معوّمة .
إن الإرهاب لا يرتكز على أجهزة الأمن والجيش فحسب، ولا على استخدام القوة المسلحة بمواجهة الإرهابيين، بل حسبما تفيد التجارب العالمية، إنه يحتاج إلى وحدة وإرادة وطنية بغض النظر عن الخلافات السياسية، مثلما يحتاج إلى حفظ الكرامة وحقوق الإنسان، إذ لا ينبغي أن تكون الإجراءات والتدابير الهادفة إلى ملاحقة الإرهاب والإرهابيين تفضي إلى الانتقاص من كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، فذلك سوف يؤدي إلى اختلال المعادلة لحساب الأمن ولغير مصلحة الحقوق، وهو الأمر الذي ثارت من أجله شعوب العديد من البلدان العربية في ما سمّي بالربيع العربي، بغض النظر عن مآلاته وملابساته وتعرجات مساراته .
إن مكافحة الإرهاب تقتضي اعتماد استراتيجية علمية متكاملة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وتربوياً وقانونياً ونفسياً، في إطار عمل مؤسسي، إلى جانب سلّة من التدابير والإجراءات المتنوّعة إضافة إلى الجوانب الأمنية والاستخبارية، وستكون ركيزتها الأساسية: إرادة وتوافقاً وطنياً وحزمة خطوات راهنة وبعيدة المدى أيضاً، لتجفيف منابع الإرهاب اقتصادياً لخفض مستويات البطالة والفقر والتهميش، وكذلك خطة إعلامية وثقافية وتربوية مجتمعية لنشر ثقافة اللاعنف والتسامح والاعتراف بالآخر والإقرار بالتعددية، ومعالجة مشكلات وقوانين الاجتثاث والإقصاء التي تركت مردودات سلبية على المجتمع وعلى الوحدة الوطنية .
ومثل هذا الأمر يتطلب إجراءات سريعة لإطلاق سراح من لم يثبت تورطه أو دعمه للإرهاب، والاستجابة إلى مطالب قال عنها رئيس الوزراء نوري المالكي إنها مشروعة وعادلة، وتسهيل مهمات تنفيذ الإجراءات الحكومية، كما يقتضي الأمر العمل على مكافحة الفساد لأنه الوجه الآخر للإرهاب، خصوصاً بملاحقة المفسدين وتقديمهم للقضاء، بمن فيهم مزورو الشهادات والمتلاعبون بالمال العام أو المبددون له، ووضع الكفاءات العراقية، ولاسيّما من الشابات والشبان في المكان الصحيح والملائم لإدارات الدولة . وحتى لو كان الإرهاب قد استوطن مثل بعض الأمراض، فستكون تلك المعطيات جديرة بالقضاء عليه بعد الحد من تأثيراته، مثلما يتم القضاء على الأمراض المستوطنة في البلدان النامية، التي شهدت تنمية مستدامة .





مانديلا وثلاثيته الأثيرة/  عبد الحسين شعبان

هذا الأسود الأشدّ بياضاً في هذا العالم رحل أخيراً بهدوء، فقد أعلن رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما عن وفاة الزعيم التاريخي لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، وأول رئيس لها بعد القضاء على نظام الفصل العنصري (الأبرتايد)، عن عمر يناهز ال 95 عاماً، قضى منها 27 في السجن .
ويعد مانديلا من أهم الزعماء الكبار الذين آمنوا باللاعنف، إضافة إلى المهاتما غاندي ومارتن لوثر كنغ والأديب الروسي ليو تولستوي، وهو أحد مصادر الإلهام والإبداع الإنسانيين على هذا الصعيد، لاسيّما كفاحه من أجل الحرية والعدالة والمساواة، وإيمانه بالتسامح وقد أكسب بلاده سمعة كبيرة، خصوصاً عندما تحوّلت من نظام الفصل العنصري إلى نظام التداولية السلمية الديمقراطية، من خلال صندوق الإقتراع والانتخابات للجميع دون عزل أو تمييز على أساس عرقي أو إثني أو سلالي أو ديني أو جنسي، أو بسبب المنشأ الاجتماعي أو غير ذلك .
وقد كانت تجربة جنوب إفريقيا في ميدان العدالة الانتقالية متميّزة ومثيرة وهي مصدر دراسة نظرية وعملية على الصعيد العالمي، ليس بهدف التقليد أو الاستنساخ، بل لغرض الإفادة منها تجربةً إنسانيةً متميّزةً، ولاسيّما في القيم والمبادئ التي استندت إليها، وكان لمانديلا الدور الأكبر في ذلك، وهو ما حاول أن يؤسس له من سجنه بدعواته المتكررة لتنظيم حملات سلمية ومدنية ضد التمييز العنصري، ورفضه الاستجابة إلى العنف ودعوته إلى اللاعنف والتسامح، وفيما بعد للمصالحة وإعادة بناء الدولة والمجتمع على قيم الحرية والمساواة وعدم الثأر أو الانتقام أو الكيدية أو روح الكراهية .
ولد مانديلا في 18 يوليو/تموز 1918 في ترانسكي بجنوب إفريقيا لقبيلة كبيرة ومؤثرة، وتخرّج في الجامعة (كلية الحقوق) 1942، وانخرط في العمل السياسي في وقت مبكر وأصبح رئيساً للمؤتمر الوطني الإفريقي في وقت لاحق . واختار الكفاح المسلح في عام 1961 ضد سياسات التمييز العنصري كمرحلة للكفاح، لكنه عاد وتبنّى فلسفة اللاعنف والمقاومة السلمية المدنية التي شعر أنها الأكثر مضاءً وتأثيراً، والأنجع لتحقيق أهدافه الإنسانية، وقد ألقي القبض عليه في عام 1962 وحكم عليه لمدّة خمس سنوات . وفي عام 1964 حكم عليه بمدى الحياة بتهمة التخريب والخيانة .
تحت ضغط الرأي العام أفرج عنه في 20 شباط (فبراير) عام 1990 وفي عام 1993 حاز جائزة نوبل للسلام وأصبح رئيساً لجنوب إفريقيا، حينما انتخب في 29 نيسان (ابريل) ،1994 وبعد خمس سنوات (في عام 1999) قرّر الاعتزال والتقاعد الطوعي، فاسحاً في المجال للتناوب على السلطة وللتداول السلمي للمسؤولية .
لقد نجح مانديلا في أن يحوّل بلداً ممزقاً ومتصارعاً ويسوده العنف إلى بلد موحّد ومنسجم ومتسامح ويسوده السلام، وبدلاً من العنصرية والتمييز والانقسام، أصبح البلد المتعدّد الأعراق والإثنيات والسلالات مصدر قوة ووحدة، لاسيّما عندما سادت فيه المصالحة الوطنية، وبما أن العدالة الاجتماعية وهو ما كان يطمح إليه عملية معقّدة وطويلة، فقد ظلّت بعيدة المنال، لاسيّما بتجريد ملايين من سكان جنوب إفريقيا السود من أراضيهم لمصلحة البيض، ولم يرغب مانديلا في إجراءات حادّة من شأنها أن توّلد ردود فعل حادّة، ولا سيّما بخصوص التفاوت الطبقي والاجتماعي الذي ظلّ صارخاً بفعل الأوضاع التاريخية .
أقدم مانديلا على تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة التي عُدّت إحدى التجارب العالمية المهمة، على الرغم من عدم مثاليتها، لكن جلسات الاستماع التي شهدتها بالمئات كان له وقع كبير على الضحايا، مثلما تمكّنت من تطهير الكثير من نفوس الذين أجبرتهم الظروف السابقة على الارتكاب . وقد عبّر فريدريك دي كليرك آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا، والحائز جائزة نوبل مناصفة مع مانديلا، في مقابلة مع محطة تلفزيون "سي أن أن" الأمريكية: إن أكبر انجازات مانديلا كانت توحيد جنوب إفريقيا والسعي إلى المصالحة بين السود والبيض في عهد ما بعد سياسات العزل العنصري .
وقف مانديلا بشجاعة لا نظير لها ليعلن أن بلدنا هو للجميع، وللسود والبيض على حد سواء، وعلينا أن ننظر إلى المستقبل ولا نغرق في الماضي، وذلك تأسيساً لتجاوز قرون من التمييز العنصري وحروب الإبادة اللاإنسانية ضد السكان الأصليين من الأفارقة أصحاب البلاد الشرعيين .
وكانت جرأة مانديلا وحزمه وعوامل أخرى هي التي وقفت ضد احتمال ارتكاب مجازر ثأرية وعمليات انتقامية بحق السكان البيض، ولو كانت شرارتها قد اندلعت لكانت الحرب الأهلية قد أكلت الأخضر واليابس، وهي حرب ستكون شاملة بين الأفارقة والسكان البيض، لكن إنسانية مانديلا وشجاعته وشعوره العالي بالمسؤولية ونظرته الحضارية الإنسانية، هي التي حالت دون انزلاق جنوب إفريقيا في طريق العنف والاحتراب الداخلي والنزاع المسلح .
لهذا بادر مانديلا بوعي وبُعد نظر إلى تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة، وأوكل مهمة رئاستها إلى القس الجنوب إفريقي ديزموند توتو المعروف بنضاله ضد العنصرية، وأعطى لهذه اللجنة صلاحيات كبيرة بما فيها إصدار العفو عمن قاموا بارتكابات في السابق، بعد اعتذارهم لضحاياهم والاستماع إليهم في جلسات علنية، بغية إحداث الأثر الملموس من جانب الضحايا وذويهم من جهة، أو من جانب المذنبين الذين تقودهم لحظة الصفاء والاعتراف تلك إلى التطهّر الروحي والنفسي والتخلّص من آثار الماضي من جهة أخرى، فضلاً عن إعادة اللحمة الاجتماعية والمصالحة الحقيقية .
لقد عملت تلك الإجراءات والتدابير الحازمة على تفويت الفرصة على بعض العنصريين البيض الذين أرادوا إشعال الحرب الأهلية، لاسيما باغتيال الشخصية الشيوعية المعروفة كريس هاني، وذلك بفضل يقظة مانديلا وحزم حزب المؤتمر الوطني، اللذين أضاعا على العنصريين الفرصة، مقدّمين تجربة مهمة على صعيد المصالحة الوطنية .
لقد أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة بموجب قانون هدفه تعزيز الوحدة الوطنية وإنجاز المصالحة الوطنية، وحمل القانون الرقم 34 لعام 1995 وأعطيت بموجبه صلاحيات واسعة واستثنائية للجنة . وبخصوص العفو العام فقد ثار جدل في تطبيقاته، في حين كان العفو الخاص يشمل اعتراف المرتكب في طلب يقدّم للحصول على العفو وفي جلسة علنية، ويتم ابلاغ الضحية أو أحد أقربائه بتاريخ الجلسة ومكانها، ويحق له الإدلاء بشهادته او تقديم أدلة أو أي شيء يؤخذ في الحسبان . . وعلى المرتكب كشف الحقيقة وإن طلبه لنيل العفو يعني أن ما حصل كان مرتبطاً بأوضاع سياسية ونزاعات سابقة تخص الماضي .
وإذا كان العالم يتذكّر اليوم مانديلا بوداعه المهيب إلى مثواه الأخير، فذلك لأنه علّم أمّة منقسمة كيف تتوحد وقادها إلى كشف الحقيقة والمصالحة والوحدة الوطنية، مثلما علّم الإنسانية جمعاء معنى الصبر والعطاء بلا حدود، حين قبع 27 عاماً في السجن وخرج ليعلن أن لا سبيل لبناء جنوب إفريقيا غير التسامح، وهكذا حمل جلاّده على التفاوض والاعتراف، وقبول إجراء انتخابات على أساس التعددية وصوت واحد لإنسان واحد .
وحينما فاز في أول انتخابات ديمقراطية رئيساً شرعياً ومعترفاً به من جانب خصومه وأعدائه، سلك سبيل التسامح واللاعنف وعدم الانتقام أو الثأر، لأنه أدرك أنه لا يمكن بناء جنوب إفريقيا جديدة الاّ بالتعايش بين الزنوج والبيض . وكان ذلك درساً آخر في السلام المجتمعي والأهلي، بدلاً من الاحتراب الداخلي والحرب الأهلية التي كان الكثير من المراقبين يرجّحون احتمالات اندلاعها، نظراً لما عاناه سكان جنوب إفريقيا السود، من اضطهاد وعسف واستعمار استيطاني دام ثلاثة قرون ونيّف .
لقد كان تحرير السود يعني ضمناً تحرير البيض، ولاسيّما في ظل دولة أقرت مبادئ المساواة والحرية، وكان رمز ذلك التحرر وقلبه الأبيض هو ذلك الأسود الذي أصبح إحدى أيقونات عصرنا!



موسم الانتخابات العربية/ عبد الحسين شعبان

لعلّ حاجة الناس إلى اختيار من يمثلونهم هي من أبرز ما أظهرته حركات الاحتجاج والتغيير في العالم العربي منذ العام ،2011 لاسيّما بانخراط كتل بشرية هائلة في عالم السياسة التي كانت غائبة عنه أو مغيّبة فيه . ومثل هذه الحاجة تجسّدت في اتباع آليات جديدة أو مستحدثة لاختيار المحكومين للحكّام، أملاً في تحقيق بعض أهداف حركات التغيير التي اجتاحت الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، وإن كانت بدرجات متفاوتة .
كان الحدث التونسي سريعاً ومفاجئاً، حيث انتقلت الشرارة من سيدي بوزيد بعد إحراق محمد بوعزيزي نفسه، لتسري مثل النار في الهشيم ولتصل إلى العاصمة، التي سرعان ما أدرك الرئيس زين العابدين بن علي أن ميزان القوى قد اختل لمصلحة التغيير، ففضل الرحيل، ثم حضر الفعل المصري الكبير والمدوّي بكل ثقله وأفقه، وكان الجيش عاملاً حاسماً في تنحيّ الرئيس مبارك، مثلما كان دوره أساسياً في ترجيح الكفة ضد حكم الإخوان لاحقاً، وتبعه التغيير الليبي وإنْ كانت ولادته متعسّرة وفتحت جروحاً لم تندمل حتى الآن، وأعقبه النموذج اليمني الذي كان يترنح بين الحرب الأهلية والتفتيت لولا عوامل إقليمية مؤثّرة حالت دون ذلك حتى الآن .
بعد ذلك جاء "المثال" السوري بكل مأساويته المستمرّة، التي أعادت الكثير من الحسابات السابقة والراهنة بشأن موضوع التغيير والعنف، والتغيير ووحدة البلاد والقدرة على التماسك المجتمعي، لاسيّما بحكم طول المأساة وتشابكاتها، وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية .
وإذا كانت الانتخابات وبعض التوافقات التي سبقتها قد بدت فرصة جديدة للتداول السلمي للسلطة، كطموح من العالم العربي المحروم منها، لكنها في العديد من الحالات كانت مخيّبة للآمال، بسبب الأوضاع غير السليمة التي رافقتها، خصوصاً انفتاح نار الصراع الديني والمذهبي والجهوي على مصراعيه، الذي ترافق مع العنف أحياناً، إضافة إلى التلاعب بنتائجها، ناهيكم عن انسياب المال السياسي على نحو مثير ومؤثر واستمرار عمليات تغييب الوعي أو اختطافه في لحظة تاريخية حاسمة وربما مفصلية، في مجتمعات خرجت لتوّها من الاستبداد المعتّق لتقع في لجّة الفوضى والتشظي .
وحصل الأمر ويحصل في أكثر من بلد عربي، بحيث أن حلم الثورات في دولة مدنية وتداولية سلمية للسلطة وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية خاب أو كاد يصل إلى القنوط، بحكم طبيعة القوى التي قفزت إلى السلطة في الغالب، سواءً كان بالانتخابات أو بغيرها، ناهيكم عن أن شروط التداولية وأحكامها ظلّت بعيدة، وحتى الجوانب الشكلية منها بدت فاقعة، خصوصاً عندما تم التشبث بالمواقع تحت عناوين وذرائع مختلفة .
في الدول المتقدمة يكون موسم الانتخابات فرصة للمراجعة والنقد والمباراة بين البرامج والأهداف ومحاولة لاستعراض الأفكار والآراء والخطط المستقبلية لما يهمّ الناس ورفاههم وصحتهم وتعليمهم وعموم الخدمات الضرورية الواجبة في حين يتخذّ الشحن الديني والتمترس الطائفي والتخندق الإثني والجهوي والمناطقي مكاناً أساسياً في التوجهات الانتخابية للبلدان النامية والعالم الثالث، وخصوصاً في البلدان العربية والإسلامية، وهكذا تضيع مرّة أخرى فرص التداول والتجديد الحقيقيين، لاسيّما بالاستقطابات الجاهزة والانحيازات المسبقة لانتماءات لا ناقة للفرد فيها ولا جمل كما يقال، بل أحياناً تقع مثل هذه الأمور خارج رغباته . ويصبح الحديث عن التداولية والانتخابات مجرد شعارات مفرغة من محتواها أو يتم تسويفها بحيث تصبح عناوين بلا مضامين .
في العام المقبل 2014 ستجري انتخابات في خمسة بلدان عربية هي: لبنان والعراق ومصر وتونس وسوريا، فأين هذه البلدان من مبادئ الديمقراطية التداولية المعروفة؟ ففي لبنان يتشظى المجتمع بعد مسار إضعاف الدولة على حساب قوة المجموعات الطائفية والمذهبية . وفي العراق وبسبب الإرهاب والعنف والتحريض الطائفي تستمر الحالة في تعطيل دور الدولة وعدم تمكّنها من استعادة نفوذها وهيبتها، ويتكرس ما جاء به الاحتلال من تقاسم وظيفي ومذهبي وإثني، خصوصاً بحكم تعويم الدستور المملوء بالألغام أصلاً، والمتناقض في الصلاحيات والاختصاصات والسلطات، ناهيكم عن الصراعات على مناطق النفوذ والثروة والموارد والكيانيات الإدارية .
أما في مصر فهناك تغييرات تتم، كرد فعل لحكومة محمد مرسي وحكم الإخوان الذي حاول تهميش جميع القوى وإبعادها عن مركز القرار والتأثير .
وفي تونس فإن حكم الترويكا "التحالف الثلاثي" قد ينفرط وتستمر حالة تعويم الحكومة التي قد تطول، وقد تدفع الانتخابات القادمة حزب النهضة إلى تحالف جديد مع حزب يقترب بعض رموزه من القوى التقليدية بما فيها بعض شخصيات محسوبة على النظام السابق، وقد يؤدي الأمر إلى تهميش أكبر لحركة التغيير التي كانت الإيذان ببدء المرحلة الجديدة من التغيير على المستوى العالمي التي انطلقت من أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات .
المحنة في سوريا التي ستترك تأثيراتها على عموم دول المنطقة أكبر بكثير مما نتصوّر حتى الآن، ولن تنجح الانتخابات القادمة في وقف نزيف الدم أو إيجاد حلول شافية لأمراضها المستعصية، سواء شارك فيها الرئيس بشار الأسد أو لم يشارك، وسواء انعقد "جنيف- 2" أو لم ينعقد، فالكارثة مركبة، لاسيّما في ظل غياب توافق وطني، والعامل الدولي والإقليمي شديد التأثير طبقاً لمصالحه، والعنف والإرهاب مستمرّان والحرب ضد المدنيين أما في اليمن فهي حتى الآن تقدّم خطوة وتؤخر أخرى، والحديث عن انتخابات ما زال سابقاً لأوانه في ظل عدم التوافق على دستور وخصوصاً في ظل صعود نزعات الانقسام والرغبة في الاستقلالية الجهوية لاسيّما في مسألة الجنوب وغيرها .
ومن دون أن ننسى فلسطين فقد تكرّس الانقسام فعلياً حتى الآن، بحكم انتخابات أوصلت حماس إلى السلطة وأرادت التشبث بالمواقع في محاولة لإقصاء فتح وإضعاف م .ت .ف، الأمر الذي قاد إلى قيام سلطتين، أحدهما في غزة والأخرى في رام الله، ولم تكن الانتخابات لوحدها الفيصل في الشرعية ولن تكون في أي يوم من الأيام إنْ لم تقترن بطائفة من التدابير والإجراءات، لاسيّما بوجود مؤسسات وفضاء عام يسهم فيه الفرد بفاعلية في اختيار من
يمثّله ويستبدله كلّما شعر بأنه لم يعد يعبّر عنه أو يمثّل مصالحه .
الحكم عبء وعلى الفرد المساهمة فيه بالتصويت على الدستور وعلى القوانين الأساسية، ولعلّه يتطلّب فضاءً عاماً ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق والحرّيات، وهو ما يذهب إليه جون رولز الفيلسوف الأمريكي الليبرالي التوجه والداعي للعدالة الاجتماعية في كتابه عن الديمقراطية التداولية Delibrative Democracy حين يؤكد أهمية التعليم وتعميمه والتربية على مبادئ الديمقراطية التي تقوم على التداولية والعقل العام ووجود مؤسسات عامة، وكذلك معرفة عامة ورغبة لدى الفرد للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو الأمر الذي يخلق لديه ما يسميه "حسّ العدالة" ويمنحه القدرة على قبول الاختلاف والتنوّع والتعددية .
إن موسم الانتخابات العربية قريب، فهل سيتقدّم دور الفرد لاختيار من يمثله حقاً؟ وهل سيتم بناء مؤسسات جديدة قادرة على حماية الحقوق والحريات بشفافية؟ وهل سيكون الفضاء العام مساعداً في تجاوز الاصطفافات المسبقة الطائفية والإثنية والانحدارات العشائرية والجهوية أم أن هناك الكثير من القيود لا تزال تشدّ المجتمعات العربية إلى الماضي؟



التغيير: الشرعية ونقيضها/عبد الحسين شعبان


حينما انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاج الشعبي العربي الواسع من سيدي بوزيد في تونس يوم أحرق محمد بو عزيزي نفسه، كان الحلم العربي بالتغيير بعيد المنال، لكنه سرعان ما أطلّ برأسه وسط زحام في مشهد متناقض ومضطرب، فانتقلت الشرارة بين الأحياء والقصبات والمدن، وربما كانت أقرب إلى نهاية مسرحية دام أمدها، فما أن وصل الممثلون الجدد حتى غاب عن المسرح لاعبوه القدامى على نحو خاطف .
هكذا انهارت أنظمة بدت منيعة ومحصّنة من الخارج، لكن هزالها وضعفها، بل خورها كان شديداً من الداخل، فتهاوت سريعاً، وحتى بعد أن أظهر بعضها ممانعة، فلم يكن الأمر سوى توريط البلاد في حرب محسومة النتائج سلفاً، كان ثمنها باهظاً، لاسيّما على التطور السياسي والأمني لاحقاً، ناهيكم عن جوانبها الإنسانية الشديدة الحساسية، وللأسف لو قرأ بعض الحكّام التاريخ لكانت شعوب المنطقة في غنًى عن الذي حصل، لكنهم لم يقرأوا الحاضر أيضاً، فقد انفصلوا عن شعوبهم لعقود من الزمان وعاشوا في عزلة وانعزال، وتسلط ووهم .
وأياً كانت التغييرات وضروراتها فقد تركت نوعاً من الفوضى والاضطراب، الذي يصاحب كل عملية تغيير كبيرة، خصوصاً بانهيار "شرعية" قائمة مدعومة بأجهزة أمنية وبيروقراطية حكومية ومرجعيات قانونية، وجماعات ومصالح لاستبدال شرعية أخرى جديدة بها، لم تكتمل بعد ولم يتم التوافق الوطني بشأنها، لاسيّما بعد انهيار الأنظمة وما تركته من تأثيرات سلبية في الدولة والمجتمع تحتاج إلى زمن ليس بالقصير لتجاوزها، وإلى فترة انتقالية ضرورية لبناء الشرعية الجديدة .
لقد شهد العالم العربي بعد التغييرات التي حصلت في مطلع عام 2011 حراكاً ثورياً وديناميات جديدة لعب فيها الشباب دوراً أساسياً وحاسماً، ولم تكن تلك دون مخاضات قاسية وعسيرة وانفلاتات أمنية وانقسامات مجتمعية وتجاوزات على حكم القانون وهدر للمال العام وأعمال عنف وفساد ورشوة وغيرها، لكن الأمر المؤكد أن الماضي أصبح ماضياً، ولا بدّ من متابعة أهداف حركات التغيير العربية، المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وذلك عبر شرعية جديدة يفترض فيها أن تكون نقيضاً للشرعية القديمة، وذلك باعتمادها على حكم القانون وفصل السلطات والتحوّل الديمقراطي، وإقرار مبادئ المواطنة المتساوية والمجتمع المتعدد والمتنوّع واعتماد آليات لاختيار الشعب لممثليه على نحو دوري .
وإذا كان ذلك يقوم على فرضيات، فإن واقع العالم العربي يواجه اليوم تحديات كبرى، منها ممانعات واعتراضات بقايا الأنظمة القديمة، ويقابلها رغبة وإصرار من جانب القوى الجديدة على التغيير، وإن كانت هذه القوى قد انقسمت وجرت صراعات بينها، لكن المشهد بعموميته يقوم على ماض لم يمضِ، وحاضر لم يتبلور . وإذا كانت القوى الكابحة أكثر تماسكاً وانسجاماً، فإن قوى التغيير بدت أكثر اختلافاً وتنافراً، الأمر الذي وضع الشرعية الجديدة على كف عفريت، خصوصاً في ظل تحالفات قديمة- جديدة .
هكذا واجهت حركة التغيير عقبات وعراقيل بعضها يعود إلى تركة الماضي وبعضها من صنع الحاضر، أهمها الفساد والعنف والبيروقراطية والانقسام الديني والطائفي، وهو ما عرفته تونس ومصر وليبيا واليمن بعد التغيير، وما تشهده سوريا منذ انطلاقة حركتها في 15 مارس/آذار 2011 وحتى اليوم، لدرجة يكاد يطغى على خريطة التغيير برمتها، خصوصاً بفعل شمولية العنف وأدواته وتدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية، وحجم التدخل الخارجي والانقسام المجتمعي، وقد أخذ كثيرون يفاضلون بين تدمير الدولة وانفلات الفوضى، وبين أهون الشرّين، سواء كان الأمر مجازاً أو واقعاً، لكن ثقل الأحداث وتسارعها وضبابية الصورة تجعل ما هو راهن مدعاة للقلق والتأمل .
إذا كانت شرعية الحاضر لم تتأسس بعد حتى وإن بدت خطواتها الأولى بإزاحة القديم، لكن القديم يسعى ومعه حلف جديد لوقف استكمال الشرعية الجديدة، سواء بوضع العقبات أمامها أو بتخريبها، وحتى لو كانت مسألة إعادة القديم إلى قدمه مستحيلة، لكن عمليات العزل والتهميش والمساءلات، خصوصاً إذا كانت واسعة، فإنها تجمع حولها من داخل مؤسسات الدولة من يستطيع أن يؤثر سلباً في مسارها .
من أول الأسئلة التي واجهت حركات التغيير هو علاقة الدولة بالمجتمع، بعد تدمير شبه منهجي للمجتمع طيلة عقود من الزمان، ليس لحساب قوة الدولة، بل لحساب قوة السلطة، ولكن ما بعد التغيير وانهيار السلطات الحاكمة بدأت عمليات تفكيك للدول، بعد أن تفكك المجتمع، لدرجة أن ليبيا أخذت تتحدث عن ثلاث مقاطعات وكأنها دول، وتونس اتسع الكلام عن التمييز بين الساحل والعمق، ومصر بين المسلمين والأقباط، وفي اليمن برزت ظاهرة الحوثيين وأعيدت نزعة الحراك الجنوبي، والرغبة في إعادة القديم وغيره، وفي سوريا استعيدت كل الترسانة الإثنية والدينية والطائفية والمذهبية والمناطقية على نحو شديد .
وإذا كان من الضروري إعادة مؤسسات الدولة أولاً وتعزيز هيبتها بعد انهيار السلطة ومحاولات تفكيك الدولة، فلا بدّ كذلك من إعادة لحمة المجتمع والعمل على بناء مؤسساته مقابل مؤسسات الدولة، خصوصاً بانتهاء الواحدية والإطلاقية وادعاء الأفضليات وزعم امتلاك الحقيقة، وظهور التعددية والتنوّع واختلاف الآيديولوجيات والأديان والبرامج، وكل ذلك يمكن استيعابه في إطار جمعيات ومنظمات ونقابات وإعلام حر لمجتمع مدني منتفح مدعوماً بتقنيات للتحول الديمقراطي، وآليات انتقالية جديدة وغير مألوفة في السابق، وهو ما سيخلق صعوبات جديدة وصراعات لا بدّ منها، ولكن لو توافرت إرادة سياسية توافقية، فإن بإمكانها وضع البرنامج الانتقالي للتوافق الوطني موضع التطبيق وإن كان بمنافسات سياسية مشروعة .
ما هو مطروح أمام حركات التغيير، هو بناء عقد اجتماعي جديد بعد تمزق العقد القديم وصياغة دساتير جديدة، والسعي للمواءمة بين التيارات المختلفة، خصوصاً إزاء فلسفة الدولة والحكم، بين الدين والدولة المدنية وتحديد المرحلة الانتقالية، لاختيار الشعب لممثليه وتأكيد دور المجتمع المدني، وبناء مؤسسات الدولة وتحديد أولوياتها للتنمية، من خلال استعادة الأمن مع الكرامة والحرية مع الأمن، وفي ظل حكم القانون، مع تحديد الحاجات الأولية للمجتمع من خدمات تعليمية وصحية وتوفير فرص عمل لتقليص حجم البطالة على أمل القضاء عليها، والتوجه لمعالجة آثار الماضي، وخصوصاً التعامل مع تركته ومع الانتهاكات السابقة وقضايا الفساد وتبديد المال العام .
ومثلما لمجتمعاتنا خصوصياتها، فإن هناك قوانين عامة لعملية التغيير، ولاسيّما للمرحلة الانتقالية، يمكن الاستفادة منها ودراستها واستيعابها دون تقليدها أو استنساخها مثلما هي دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وبعض دول آسيا وإفريقيا .









عقبات أمام تمدد الروس/ عبد الحسين شعبان

احتلّت دمشق بعد القاهرة الموقع الأول للعلاقات العربية - السوفييتية في مطلع السبعينات، وإن كانت بغداد قد سبقتها إلى ذلك، بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي في 9 إبريل/ نيسان العام ،1972 لكن سياساتها غير المستقرة وفي ما بعد ظروف الحرب العراقية - الإيرانية وما تلاها، جعل دمشق مركز الثقل في علاقات موسكو بالعرب، خصوصاً بعد توقيع معاهدة الصداقة والتعاون السورية - السوفييتية في ديسمبر/ كانون الأول ،1980 وكلتا المعاهدتين لا تزالان قائمتين، وإن زال الاتحاد السوفييتي وإنْ أطيح بالنظام العراقي، لكن المعاهدات التي كانت الدولة السوفييتية، قد التزمت بها انتقلت في أغلبيتها الساحقة إلى الاتحاد الروسي .
كانت مصر مغرية للنفوذ السوفييتي في مواجهة حلف بغداد، ولم تكن موسكو تتخيّل أن تتطور علاقاتها مع القاهرة إلى الحد الذي وصلت إليه، لكنّ مواقف وزير خارجية واشنطن جون فوستر دالاس السلبية إزاء مصر دفعت القاهرة لتصبح حليفاً لموسكو ومركزاً للاهتمام السوفييتي بقضايا العالم الثالث، وذلك منذ صفقة السلاح التشيكي في العام ،1955 وفيما بعد خلال العدوان الثلاثي البريطاني - الفرنسي - "الإسرائيلي" عليها في العام 1956 .
وارتفع رصيد مصر لدى السوفييت بشكل خاص بعد قرار جمال عبد الناصر رفض مساعدة البنك الدولي المشروطة لبناء السد العالي والتوجه إلى موسكو العام ،1960 وتعزّز الأمر بعد العدوان "الإسرائيلي" في 5 يونيو/ حزيران العام ،1967 حيث احتل جمال عبد الناصر موقعاً متقدماً لدى القيادة السوفييتية، واعتبر حينها قطب الرحى في حركة التحرر الوطني العربية والعالمية في مناهضة المشاريع الإمبريالية، وقد أمدّت موسكو القاهرة بالسلاح والدعم السياسي والاقتصادي، الذي ساعدها في حرب الصمود والاستنزاف التي استمرت لنحو ثلاث سنوات، وكانت العلاقات تتطور بصورة مضطردة لولا قرار الرئيس محمد أنور السادات بالاستغناء عن خدمات الخبراء السوفييت والتوجه إلى واشنطن بزعم أن 99% من أوراق الحل بيدها، ولاسيّما في ما يتعلق باستعادة سيناء وقضايا الصراع العربي- "الإسرائيلي"، وذلك عشية حرب أكتوبر/ تشرين الأول العام ،1973 التي أريد لها حرب تحريك وليس حرب تحرير، ولاسيّما بإضعاف العلاقة المصرية- السوفييتية .
وقد حاولت موسكو بعد الضربة التي تعرّضت لها استراتيجياً تعويض خروجها من مصر بالتحوّل نحو سوريا، وكان ميناء طرطوس تعويضاً لها وبديلاً عن الموانئ المصرية، وإن كان هناك فوارق معروفة من الناحية السياسية والعسكرية، على الرغم من موقع طرطوس على الساحل الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ومع ذلك فقد كانت خسارة موسكو كبيرة جيوسياسياً، فقناة السويس تشكل أهمية حيوية بين آسيا وافريقيا، إضافة إلى كونها ممرّاً مهماً باتجاه الدردنيل والبوسفور المنفذ الروسي الذي ظلّت الإمبراطورية الروسية منذ عهد كاترين الثانية تحلم به بشأن المياه الدافئة .
لقد كان التنافس الأمريكي - الروسي على أشدّه في السبعينات، وكانت واشنطن مثلما هي موسكو تريد كسب قلب القاهرة التي هي مركز العرب الأول بشرياً وحضارياً وعلمياً وثقافياً، والطريق نحو عدد من العواصم العربية، واليوم يعود التنافس الروسي - الأمريكي إلى الواجهة، ولاسيّما بعد خسارة روسيا في ليبيا، وقبل ذلك في العراق، فبعد نحو أربعة عقود من انخفاض منسوب التوتر، جاءت ثورة 25 يناير 2011 لتعيد إلى الأذهان محاولات مصر إقامة علاقات متوازنة مع القطبين، وهو ما نظرت إليه واشنطن بارتياب كبير، لأنه يشكّل من وجهة نظرها تهديداً لمصالحها الاقتصادية والسياسية الحيوية، خصوصاً وأنها تقدّم دعماً مالياً لمصر، لولاه لكانت أزمتها أشد وطأة، لكن الإدارة المصرية الجديدة ما بعد الثورة أظهرت نوعاً من الاستقلالية أو الحرص على عدم قبول شروط التبعية السابقة، وذلك من أجل خلق شكل من أشكال التوازن الدولي .
وكان نجاح الفريق عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري بالتدخل لحسم الصراع بين الإخوان والرئيس مرسي من جهة، وبين الملايين المحتشدة والمطالبة بالتنحي من جهة أخرى قد وضع العلاقات الأمريكية - المصرية والمصرية الغربية بشكل عام أمام تحدّيات جديدة، الأمر الذي دفع موسكو سريعاً إلى الساحة لمغازلة القاهرة عن طريق عروض سياسية وعسكرية واقتصادية، ليس بعيداً عنها دورها الحالي في سوريا وموقفها في مجلس الأمن، وهو ما جعلها رقماً غير قابل للتجاوز في إطار حل الأزمة السورية في أية ترتيبات دولية لاحقة . وقد عرضت موسكو على القاهرة خلال زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف صفقة سلاح طائرت حربية متطورة من نوع "ميغ" ومعها برامج تدريبية عسكرية وتقديم قمر صناعي بخصوص ملاحقة الارهابيين في سيناء، ولاسيّما بعد عدد من العمليات الإرهابية والمواجهات المسلّحة، منذ الإطاحة بالرئيس مرسي .
إن القرار الروسي السريع يعني محاولة اختراق جديد للخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط في إطار تمدد استراتيجي إضافي يبدأ من طرطوس ليصل إلى قناة السويس، الأمر الذي سيعني صعود التنافس الروسي - الأمريكي إلى أقصاه، فالولايات المتحدة لن تتخلى عن مصر بسهولة ولن تستسلم لخطة موسكو الاختراقية، لأنها تتعلق بالشرق الأوسط، ولاسيّما ما له من التزامات إزاء حليفتها "إسرائيل" وستعمل على الضغط على موسكو إقليمياً لكبح جماح أي ترتيبات إقليمية في إطار التحالفات في المنطقة تؤثر على القضايا الحيوية الاستراتيجية الأمريكية - "الإسرائيلية"، أو ما تسميه بأمن "إسرائيل" .
بالطبع هناك ثمة عقبات أمام التمدّد الروسي، فروسيا غير الاتحاد السوفييتي عسكرياً واقتصادياً، ومصر السيسي هي غير مصر عبد الناصر، وإذا كان الاتحاد السوفييتي قد سقط في فخ حرب النجوم وسباق التسلح ودفع ثمن الحرب الباردة باهظاً وتخلّى عن امبراطوريته الاشتراكية، فهل ستكون روسيا اليوم جزءًا من حرب باردة جديدة قد تدفع المنطقة إليها بالكامل، خصوصاً والأمر لا يتعلق بطموحات أيديولوجية، بل بمشاريع اقتصادية وحيوية مثل النفط والغاز، وهو ما جعلها ترمي بثقلها في المعترك السوري، لكنها من جهة أخرى لا بدّ لها من تدقيق حساباتها جيداً، علماً بأن واشنطن في العام 2013 هي الأخرى ليست واشنطن المتفرّدة بالقرار الدولي في أواخر الثمانينات وانتهاء عهد الحرب الباردة .
وبقدر ما هناك تنافس حاد، فهناك محاولة للتفاهم أيضاً، وخصوصاً بشأن سوريا، إضافة إلى حلحلة الملف النووي الإيراني، لأن واشنطن وهي تعاني من استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة لا تريد استخدام آلتها العسكرية، ولا سيما قوّاتها البرية للتدخل، لما جلبه من نكسات على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري والأخلاقي، كما أن روسيا وإن تمسكت بمصالحها وحليفتها سوريا، فإنها في الوقت نفسه تبحث عن تفاهمات مع واشنطن تجنّبها السير في طريق سباق التسلح المرهق والحرب الباردة التي سبق وأن أطاحت بالاتحاد السوفييتي . الروس قادمون: نعم، ولكن وجودهم سيكون في إطار تفاهم كوني وإقليمي .





ما بعد "جنيف 2"  
عبدالحسين شعبان


لم يستطع النظام السوري، القضاء على المعارضة التي انطلقت شعبياً منذ 15 مارس/آذار العام 2011 والتي تستمر حتى الآن، بصورة سلمية وسياسية وإعلامية، وإنْ أصبح قسمها الأكبر عسكرياً وعنفياً . كما أنها هي الأخرى لم تتمكّن من إطاحة النظام، على الرغم من تحالفاتها الإقليمية والدولية . ولا شكّ في أن الأزمة مستمرة والمأساة متعاظمة، خصوصاً في جانبها الإنساني، سواء عدد الضحايا الذي زاد على 100 ألف أو عدد اللاجئين والنازحين الذي تجاوز 8 ملايين إنسان، إضافة إلى تهديم البنية التحتية والمرافق الحيوية والاقتصادية .

خلال السنتين ونيّف الماضيتين لم يتمكّن أي من الفريقين من فرض شروطه على الآخر، وقد دخل العامل الإقليمي والدولي باعتباره عاملاً مؤثراً سلباً وإيجاباً، فلولاه لما كانت المعارضة، ولا سيّما المسلحة تستطيع الاستمرارية بالزخم ذاته بما فيها الجماعات الإرهابية المختلفة والمتفرعة من تنظيمات القاعدة سواءً “دولة العراق والشام الإسلامية”، أو “جبهة النصرة”، أو غيرها من مسمّيات أخرى، لبعض الجماعات السلفية التي تصبّ في الإطار ذاته، ولولا العامل الدولي والإقليمي أيضاً لما تمكّن النظام من البقاء والاستمرارية، خصوصاً في قمع المعارضة بما فيها الوطنية المدنية السلمية التي تطالب بالتغيير الديمقراطي .

وظلّت مؤسسات الدولة، ولا سيّما العسكرية والأمنية والحزبية والدبلوماسية متماسكة حتى الآن بفعل الدعم الدولي والإقليمي، وإن تعرّضت إلى انشقاقات أو انسحابات أو شهدت تمرّدات، لكنها ظلّت محدودة وأحياناً غير مؤثرة، ولا يزال الطاقم الحاكم مستمراً، حتى وإن انشق رئيس وزراء أو هرب قائد عسكري، لكن الجسم الأساسي للدولة ومؤسساتها ولا سيّما للجيش وقوى الأمن لا يزال هو الأقوى على الرغم من ضعفه .

وبفضل الدعم الدولي والإقليمي استمرّت المعارضة، خصوصاً المسلحة، ولقيت مساندة متنوّعة، من عدد من العواصم الدولية والعربية بما فيها جامعة الدول العربية التي اعترفت بها “بديلاً” عن الحكومة السورية الرسمية، بل إن بعض الدول قَبِلَ سفراء للمعارضة في سابقة دولية جديدة، كان الكثير من الدبلوماسيات الدولية، ولا سيّما العربية تعارضها، بل يتشبث بعضها بميثاق جامعة الدول العربية، الذي يحرّم التدخل بالشؤون الداخلية ويصرّ على احترام مبادئ السيادة، وقد رفض مجلس الجامعة في أوقات سابقة مناقشة أو إدراج أي بند على جدول أعماله يخصّ انتهاكات حقوق الإنسان .

ولكن النظام باعتباره “أقوى الضعفاء” لم يتمكن من الإجهاز على المعارضة أو إسكات صوتها على الرغم من تفوّقه، كما أن المعارضة بمفردها لم تتمكن من إطاحة النظام وظلّت تتطلع، إلى التدخل الخارجي لإسقاطه، بل إن بعضها يدعو إلى ذلك صراحة ومن دون مواربة، بما فيه تشجيع الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا بحجة قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري في الغوطة قرب دمشق .

ولعلّ الكرّ والفرّ يجعل الوضع السوري أقرب إلى مصارعة على الطريقة الرومانية، تلك التي تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاك الطرفين، بحيث يموت أحد الأطراف ويصل الطرف الآخر حدّ الإعياء الذي قد يؤدي به إلى الموت أيضاً .

إن السجال المستمر والتقدم والتراجع لجبهة المعارضة أو لجبهة النظام هو الذي دفع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للقول “لم يعد الحلّ العسكري في سوريا ممكناً” وهو ما يعكس فشل الفريقين المتصارعين من تحقيق اختراق بحيث يؤدي إلى ترجيح كفة أحدهما، كما أن العنصر الدولي والإقليمي بقدر ما يريد تحقيق مصالحه “المشروعة” وغير المشروعة، فإنه بدأ يفكّر بعد تدهور الوضع الإنساني في سوريا بحل سياسي، عسى أن يضع حدًّا لهذه المأساة من خلال تفاهمات دولية تحرص على “توازن” حقوق الجميع، الدولية والإقليمية، وتطال المعارضة والسلطة في نهاية المطاف .

ولعب الوسيط الدولي ممثل الأمين العام الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي دوراً في إقناع أطراف دولية وإقليمية وسوريّة بضرورة إجراء جولة أخرى من المفاوضات استكمالاً ل”جنيف 1”، التي تقضي تطبيق بنودها تحقيق انتقال سلمي للسلطة ومشاركة جميع الأطراف على أساس التعددية وإجراء انتخابات ديمقراطية، وبالدرجة الأساسية وقف القتال والعنف .

وافقت روسيا حليفة سوريا على عقد مؤتمر “جنيف 2” ووافقت حليفتها الأساسية إيران أيضاً، مثلما وافقت الحكومة السورية مباشرة، وتوافق واشنطن وقوى غربية وأطراف من المعارضة على اللقاء في جنيف، وهذه الأخيرة افترضت طبقاً ل”جنيف 1”، إطلاق سراح المعتقلين ووضع جدول زمني للانتقال السلمي بتشكيل حكومة انتقالية وتهيئة مستلزمات ذلك بإشراف دولي، لا سيّما من جانب الأمم المتحدة .

وكانت لقاءات وزيري خارجية روسيا وأمريكا لافروف- كيري الأساس في التفاهم الدولي الذي بدأ روسيّاً- أمريكياً، بهدف إبعاد رهان الحرب والتوجه نحو التغيير السلمي وفقاً لمسار جنيف، لا سيّما بعد مقايضة النظام السوري، الأسلحة الكيمياوية، بعدم توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا من جانب الولايات المتحدة، التي هدّدت بذلك وأصبحت قاب قوسين أو أدنى، لولا مسارعة الحكومة السورية بقبول تفكيك وتدمير الأسلحة الكيماوية والتعاون مع لجنة التفتيش الدولية، وهو الأمر الذي فعله النظام الليبي الذي كان يقوده معمر القذافي في أواسط التسعينات، مقدّماً تنازلات تتعلق بسلاحه الكيماوي ومشروعه النووي، فانتقل من كونه نظاماً منبوذاً دولياً، حيث كانت ليبيا قد تعرضت لحصار دولي منذ العام ،1993 إلى نظام بدأ يتأهل دولياً ويُستقبل زعيمه في الغرب وفي الولايات المتحدة، إلى أن جاء “الربيع العربي” الذي أطاح به وبنظامه، مثلما أطيح قبل ذلك زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر وفي ما بعد تنحيّ علي عبدالله صالح في اليمن .

وسواء انعقد “جنيف 2” أو لم ينعقد، فإننا سنكون أمام خيارات جديدة ما بعد “جنيف 2”، وهي إما “الرحيل السلس” بتفاهمات دولية وإقليمية، في سيناريو يضم أجزاءً من السلطة والمعارضة وبإشراف دولي، إدراكاً لمخاطر الانفلات الأمني على الجميع، لا سيّما في ظل وجود الانقسام المجتمعي الديني والطائفي والإثني وتأثيراته على دول المنطقة، أو خيار التأهيل الطويل الأمد، وهذا يتطلب أيضاً مشاركة وإصلاحات داخلية، مع ضمانات دولية، وبذلك أيضاً سيتم تجاوز “جنيف  2” .

لعلّ انعقاد أو عدم انعقاد “جنيف 2” سيضع الحكومة والمعارضة أمام هذين الخيارين أو أن المجابهة ستكون أكثر طولاً وأشدّ ضراوة باستمرار الحصار الاقتصادي والعسكري والسياسي وتشظي الوضع المجتمعي وارتفاع منسوب المأساة الإنسانية، خصوصاً أن الحسم لم يعد قراراً داخلياً فحسب، بقدر ما هو قرار إقليمي ودولي، ولعل تأخّر مثل هذا القرار سيجعل سوريا تعيش مصارعة على الطريقة الرومانية بكل معنى الكلمة .



الإرهاب ومعادلة الأمن والكرامة       
عبدالحسين شعبان

حين يشعر جمع حقوقي، أكاديمي ومهني، ومسؤولون حكوميون وأمنيون محترفون أن لا سبيل للقضاء على الإرهاب إلاّ باستراتيجية وطنية شاملة، فإن ذلك يعني مقاربة ما هو سياسي بما هو أمني وعسكري، وما هو اقتصادي وتنموي بما هو تربوي وقانوني . وذلك من خلال تدابير وقائية تشمل دعم ورعاية الأسرة والاهتمام بتنمية الوعي الوطني من خلال إعادة النظر بالمناهج التربوية والتعليمية وتكييفها بما ينسجم مع مبادئ التسامح وحقوق الإنسان، إضافة إلى معالجة ظواهر الفساد المالي والإداري، والسعي إلى القضاء على الفقر ووضع حد للبطالة، وإشراك المجتمع المدني، وفئات المجتمع كافة في بناء أرضية صالحة للمصالحة الوطنية من خلال نشر وتعميم قيم التسامح .

ولعلّ تدابير الحماية تأتي بعد تدابير الوقاية، الأمر الذي يحتاج إلى جهود حثيثة حكومية ومجتمعية لتجفيف منابع الإرهاب واستهداف مصادر تمويله والعمل على منع تسلل الإرهابيين والأسلحة إلى ومن البلد المعني، أي العمل على منع الإرهاب العابر للحدود من التفريخ والتكاثر، وذلك عبر التنسيق مع دول الجوار من جهة، وعلى المستوى العالمي من جهة ثانية .

وإذا كان العمل الأمني والاستخباري يحتاج جهداً مكثفاً ومعرفياً لمكافحة الإرهاب، فإن معالجة العوامل والأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، تحتاج إلى جهود أكبر بكثير، خصوصاً، للنجاح في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب، من خلال تنسيق وتعاون حكومي وغير حكومي للقضاء على هذه الظاهرة الخطرة، التي هي ظاهرة عالمية وليست محليّة .

وحتى الآن أثبتت الكثير من التجارب الكونية أن الحلول الأمنية والعسكرية لوحدها ستكون غير مجزية إنْ لم تتم معالجة الأسباب الجوهرية لتفشي ظاهرة الإرهاب التي تجد لها أرضية صالحة للانتشار وتفقيس بيضها في ظل أجواء الفقر والجهل والأمية والبطالة والشعور بالاستلاب، مع شيء كبير من التضليل وغسل الأدمغة التي تقوم به آلة إعلامية وإيديولوجية ضخمة ولديها إمكانات هائلة، وفقاً لدعاوى دينية أو مذهبية أو غير ذلك، تلك التي تجعل الإنسان البسيط “إرهابياً”، يندفع لتفجير نفسه أو للقيام بعمل من شأنه يلحق الأذى بالآخرين ويؤدي إلى ترويع السكان المدنيين .

قد تكون الحلول الأمنية والعسكرية مطلوبة أحياناً، لكنها ينبغي أن تكون خطوط الدفاع الأخيرة للقضاء على الإرهاب، بعد تطويقه فكرياً وسياسياً وفضحه إعلامياً وكشف دوافعه ومبرراته باعتباره جريمة ضد المجتمع والإنسانية، ومعالجة أسبابه الاجتماعية والاقتصادية، ووضع خطط تنموية طويلة الأمد لإعادة تربية المجتمع على قيم التسامح والحرية واحترام الرأي والرأي الآخر، وإقرار مبادئ التعددية والتنوّع والشراكة وتأكيد الوحدة الوطنية واللحمة المجتمعية .

إن الحرب على الإرهاب هي ليست حرباً ضد دبابة أو مفخخة أو جهاز تفجير أو مواجهة انتحاري، بل هي حرب تتعلق بالأفكار والعقول بالدرجة الأساسية، وكان دستور “اليونسكو” على حق حين أكد أن السلام يصنع في العقول، مثلما تولد الحرب في العقول أيضاً، ولهذا فإن إقرار السلام والقضاء على الإرهاب، إنما هما في الأساس كسب العقول لمصلحة مبادئ التسامح والسلام والمواطنة والمساواة والحرية والعدل والشراكة .

وسيظلّ الإرهاب مقيماً في مجتمعاتنا إنْ لم يتم اقتلاع جذوره الفكرية وتهيئة مستلزمات تغيير المجتمع باتجاه العدل الاجتماعي، وهو الأساس الذي لا غنى عنه، خصوصاً بتوفير فرص متكافئة اقتصادياً وسياسياُ واجتماعياً للمواطنين المتساوين المتطلعين إلى تحقيق مبادئ العدالة بكل مقتضياتها ومتطلباتها، سواءً على المستويات القانونية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وذلك من خلال بيئة ثقافية وتربوية وقانونية سليمة أساسها التعايش والحوار وقبول حق الاختلاف قومياً ودينياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً، باعتبار الإنسان مساوياً لأخيه الإنسان وله الحقوق والواجبات ذاتها، وهو الذي كرّمه الله من دون تمييز الاّ بالتقوى، وكان الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس هو الذي قال: الإنسان مقياس كل شيء .

لعلّ مناسبة الحديث هذا هو مؤتمر دولي مهم انعقد في بغداد التي ضربتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية موجة عاتية من الإرهاب والعنف، أدت إلى وقوع آلاف الضحايا، ناقش ظاهرة الإرهاب وشارك فيه شخصيات دولية مهمة مثل البارونة إيما نيكلسون عضو مجلس اللوردات البريطاني وجون باتشي مسؤول حقوق الإنسان في بعثة المساعدة الخاصة بالأمم المتحدة في العراق سابقاً والأستاذ في مركز التدريب الدبلوماسي في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني (أستراليا) حالياً، وجورجي بوستزن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وشخصيات فكرية وحقوقية، وقامت بتنظيمه وزارة حقوق الإنسان في العراق، وكان المؤتمر برعاية رئيس الوزراء، وحضره وساهم فيه خبراء أمنيون ومسؤولون حكوميون ونوّاب وأساتذة جامعة متخصصون في علم السياسة والقانون والاجتماع والتربية والقضايا الاستراتيجية وبعض شخصيات المجتمع المدني .

ولا بدّ من التأكيد أن الإرهاب لا دين له ولا قومية أو لغة أو شعب أو منطقة جغرافية، وأن أية محاولات لإلصاقه بشعب أو مجموعة بشرية أو دين أو قومية، فإنما تُلحق ضرراً باستراتيجيات مكافحة الإرهاب، بل توفّر غطاء أحياناً لدعم قوى التطرف والتعصّب والغلو من جميع الجهات، لأن الإرهاب في جوهره يمثل خطراً على الإنسانية، بتهديده حياة الإنسان وترويع عيشه وأمنه واستقراره وحقه في الحياة والإبداع والتنمية والحقوق الديمقراطية .

لعلّ طرح الأمم المتحدة لاستراتيجيتها العام 2006 (قرارها رقم 288/60) لمكافحة الإرهاب إنما يعبّر عن قلق المجتمع الدولي ومساعيه لوضع حد لهذه الظاهرة المشينة التي لا تنتمي إلى قيم الحضارة الإنسانية، وذلك من خلال تدابير مشتركة لمعالجة ظروف انتشار الإرهاب، إضافة إلى التدابير الواجب اتخاذها، ثم التدابير الرامية إلى بناء قدرات الدول وأخيراً التدابير الهادفة إلى ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع وسيادة القانون بوصفه الركيزة الأساسية لمكافحة الإرهاب . وينبغي ألا تكون ذرائع مكافحة الإرهاب وسيلة لتقليص الحريات والحدّ من حرّية التعبير، فالأمن ينبغي أن يكون مع الكرامة، والأمن مع الحرية، ولا أمن حقيقياً من دون الكرامة والحرية .


العرب وبعض تجارب الحقيقة والمصالحة        
عبدالحسين شعبان

يكثر القلق وتتعاظم الهواجس بعد التغييرات التي حصلت في عدد من الدول العربية بخصوص الحقيقة والمصالحة، ولا سيّما بعدما حصل في مصر بعد ثورة 25 يناير العام ،2011 وأيضاً وعلى نحو أشد، بعدما حصل في 3 يوليو/تموز العام 2013 حيث تمت إطاحة بحكم “الإخوان”، وهو الأمر الذي قد يواجه حكم النهضة في تونس، خصوصاً مع ارتفاع وتيرة الجدل حول مبادرة “الرباعية” التي بلورها الاتحاد العام التونسي للشغل والتي تقضي بتقديم الحكومة استقالتها، وقد استمر النقاش  بين الجذب والشدّ حول قانون العدالة الانتقالية، منذ ثورة الياسمين والكرامة كما أطلق عليها، ولكنه لم يحسم حتى الآن، وهو الأمر المطروح في مصر وليبيا واليمن وكذلك في سوريا، على الرغم من أن الصراع لم يحسم فيها بعد .

صحيح أن لكل دولة ديناميكيتها الخاصة، وهذا يعني أننا أمام صورٍ متنوّعة وفسيفسائية على درجة كبيرة من الاختلاف، وإنْ كانت بعض مدخلاتها ومخرجاتها مشتركة أو متشابهة . ولعلّ سؤالاً في غاية من الأهمية يتردّد صداه في جميع الدول التي حصلت فيها تغييرات، سواءً بالانتقال من حكم تسلطي استبدادي صوب الديمقراطية، أو من حالة الحرب الأهلية إلى السلم، أو بعد انهيار نظام قانوني أو انتهاء احتلال أو غير ذلك، وجوهر السؤال يتلخّص ب: كيف السبيل للتعامل مع الماضي، ولا سيّما مع ظواهر العنف والانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان؟ ولا بدّ من التنبّه عند الحديث عن العموميات، إلى الخصوصيات الضرورية لكل تجربة، سواءً ما يتعلّق الأمر بحجم ونوع الصراع الذي كان دائراً، هل هو صراع إيديولوجي، كما حدث في أمريكا اللاتينية أم صراع ديني أو إثني أو مذهبي أو اتسّم بشيء من ذلك، فالأمر مختلف وما يترتب عليه من احتمالات للحلّ مختلفة أيضاً، لا سيّما ما يتركه في الذاكرة من آثار أليمة، إضافة إلى خصوصية المسعى لتحقيق الذات والحفاظ على الهوّية الخاصة الفرعية أو الكيانية .

وبعد ذلك فإن مسلسل الانتقال نحو الديمقراطية هو الآخر يمتلك خصوصية، ففي بعض البلدان التي شهدت هزيمة عسكرية مثل اليونان والأرجنتين والعراق وليبيا، فإن المسار كان مختلفاً عن بلدان ظلّ جيشها متماسكاً، كما هي حالات تونس ومصر، وقبل ذلك البيرو والتشيلي، حيث لم يتعرّض الجيش إلى هزيمة أو إهانة، وحتى الهزيمة التي تعرّض لها كانت سياسية وليست عسكرية مذلّة .

ولا بدّ من التأكيد على أن الحلّ المثالي غير متوفر، وأن تحقيق العدالة بالمطلق غير ممكن، وكلّ شيء نسبي وليست هناك حلول كاملة، ولكن يمكن القول إن هناك حلولاً جيّدة وأخرى سيئة، ولا بدّ من إرادة سياسية، وجهد بشري مثابر لتحقيق أكبر قدر من العدالة وكشف الحقيقة وإنجاز المصالحة الوطنية وتأمين السلم الاجتماعي .

وبالنسبة للحقوقيين، لا بدّ من التمسّك بالجانب الأخلاقي والإبقاء على الوعد بإمكانية الوصول إلى العدالة، وعدم المساومة على أية عملية غير مشروعة بالانجرار أحياناً وراء السياسيين، وأخيراً لا بدّ من الركون إلى تقديم معلومات دقيقة وتحقيق جلسات استماع للضحايا للتخفيف عن معاناتهم، وفي الوقت نفسه تهيئة المستلزمات للمرتكبين للتطهّر من خطاياهم بالاعتراف والاعتذار، وهو ما حصل في جنوب إفريقيا والبيرو والمغرب، في حين لم يحصل مثل هذا الأمر في الأرجنتين والتشيلي، لاعتقاد خاطئ أن الحاجة النفسية إلى الإنكار هي الطاغية، وهو ما أثبتت الكثير من التجارب عكسه، حيث كانت جلسات الاستماع مفيدة ومؤثرة في الإبقاء على الذاكرة حيّة وتجنّب تكرار ما حصل، تمهيداً للتحوّل الديمقراطي .

لقد عرفت الأرجنتين مصطلح التحول الديمقراطي الذي تم نحته وتطويره من جانب محامين وحقوقيين وأساتذة جامعة وعلماء سياسة وقانون، وهؤلاء اشتغلوا على أمريكا اللاتينية، وقصدوا منه الانتقال من الحكم البيروقراطي السلطوي إلى الديمقراطية . وبعد سبع سنوات من الدكتاتورية سلّم العسكر السلطة إلى المدنيين إثر حرب العام 1983 وهزيمة الأرجنتين على يد بريطانيا في جزيرة الملوين، وقد أجريت أولى الانتخابات الديمقراطية، وتحققت تجربة انتقالية بعد انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان . وقد شعر الجيش بعمق الهزيمة الاستراتيجية، وجرت مراجعات فيها شيء من النقد الذاتي، في حين أن بعض القوى ظلّت متشبثة بالماضي .

لكن مثل هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً، فعلى الرغم من هزيمة الجيش الاّ أنه ظلّ يحتفظ باحتكار السلاح في أنحاء البلاد، وهو الأمر القريب من التجربة اليونانية (أواسط السبعينات)، فبعد هزيمة الجيش اليوناني في قبرص على يد الأتراك، إنهار النظام العسكري في العام 1974 . وفي اليونان أيضاً احتفظ الجيش باحتكار السلاح . صحيح أنه كان محبطاً، لكنه بقي مدجّجاً بالسلاح، وهو الشيء نفسه الذي حصل في الأرجنتين، وهناك تشابه في الحالتين . وقد حصل مثل هذا الأمر في العراق بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت العام ،1991 لكنه ظلّ مُمسكاً بمقاليد الأمور، واستطاع القضاء على الهبّة الشعبية التي شملت 14 محافظة .

في الأرجنتين، مثلما في اليونان، كانت مبرّرات النظام مواجهة “الخطر الشيوعي”، وكلا النظامين سقط بسبب الهزيمة العسكرية في حرب مع عدو  خارجي، وقد قرر الرئيس الأرجنتيني ألفونسي أن يفتح الباب للمحاكمات، لكّن الأمر كان في غاية الصعوبة بسبب الانتهاكات الواسعة، وكان قد صادف أن الجيش استعاد انسجامه الداخلي بعد عامين من انتهاء الحرب، وظهرت بعض أعمال العنف والأعمال المسلّحة، وكان الانطباع السائد أن الذي يقف وراءها هو الجيش، ولهذا شعر الرئيس بصعوبة الواقع بالتدريج، وهو الأمر الذي لم يظهر بعد سقوط النظام العسكري مباشرة .

في حالة ألمانيا النازية فقد كان الأمر مختلفاً، فالجيش الألماني بعد دخول الحلفاء، برلين، استسلم من دون قيد أو شرط، وكذا الحال بالنسبة إلى الجيش الياباني . أما في حالة الأرجنتين فقد انهزم الجيش، ولكنه احتفظ بأسلحته وكيانيته، وكذلك في اليونان والعراق وإنْ تعرّض الأخير إلى حظر عسكري واقتصادي وعقوبات شاملة وقضم تدريجي . في تجربة الأرجنتين اتخذ الرئيس قراراً جريئاً ومستقبلياً حين وقّع على القانون المشهور “نقطة النهاية” (بوينتو فينال)، محدداً الفترة التي لا يمكن بعدها أن تقدّم أية شكوى للمحكمة، وقانون آخر سمّي “بقانون الامتثال للواجب” الذي يلغي مسؤوليات أي عسكري في رتبة تقل عن رتبة عقيد، على اعتبار أن الواجب يفرض الامتثال لأوامر الرؤساء .

لم تستجب هذه الوضعية لمتطلّبات العدالة كاملة، لكنه لم يكن من الممكن تجنّبها، وكان لا بدّ من التصرّف بمستقبلية إزاء الانتهاكات، وليس بماضوية . ولا يمكن تأمين العدالة وكشف الحقيقة كاملة من خلال المحاكمات وحدها، مثلما ليس العفو وحده طريقاً أكيداً لتأمين السلام الاجتماعي، والأمر يحتاج إلى سياقات تاريخية وخطط للمصالحة من خلال السعي لكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني .

في العام 1984 عرفت الأوروغواي الانتقال الديمقراطي، حيث تسرّبت العدوى الإيجابية إلى هذه الدولة الصغيرة المجاورة للأرجنتين، وتم الاتفاق على دستور جديد مع الجيش الذي خسر الاستفتاء، وقد تفاوض العسكريون على كيفية خروجهم من السلطة وفقاً لضمانات بعدم ملاحقتهم، حكومة الأوروغواي لم تحقق الشيء الكثير على عكس حكومة ألفونسي في الأرجنتين الذي سعى إلى أكثر مما كان بمقدوره أن يتحقق . ولعل مثال الأرجنتين والأوروغواي هما مثالان مختلفان من حيث الإداء .

أما في التشيلي فقد انهزم بيونشيه “سلمياً” في العام 1988 وبعد كفاح طويل من جانب المعارضة، عندما دعا لاستفتاء حول تجديد ولايته لثماني سنوات أخرى، ففشل في ذلك، وفي العام 1989 أجريت انتخابات تنافسية حيث فازت أحزاب المعارضة، ولا سيّما أحزاب الوسط ويسار الوسط، وهو التحالف الذي استمر نحو ثلاث عقود من الزمان، تعاقبت فيها حكومات إئتلافية .

وبخصوص تجربة البرازيل فقد مرّت بمراحل مختلفة، حيث شهدت انقلاباً عسكرياً شعبوياً في العام ،1964 وسارت البلاد وحكومتها العسكرية نحو المسار السلطوي منذ العام ،1968 وهو نظام شبيه بالأرجنتين والأوروغواي والتشيلي . واستمرت الطغمة العسكرية البرازيلية فترة تاريخية أطول، وبعدها عاشت فترة “انفتاح” سميّت باللغة البرتغالية “أوبرتوار” . ولهذا عندما حدث التحوّل التدريجي فيها من خلال الانتخابات العام ،1985 كانت أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان قد وقعت (خلال الفترة الماضية)، الأمر الذي أسهم في تهدئة الأجواء، على عكس ما وقع في الأرجنتين التي عرفت تحوّلاً مفاجئاً، وقد حدثت الانتهاكات خلال فترة الانتقال التي ما زالت حديثة العهد .

وتزعّم الكاردينال أرنس، وهو أسقف ساو باولو، محاولات الكشف عن انتهاكات الماضي، فاجتمع مع عدد من الطوائف البروتستانتينية وأصدوا تقريراً بعنوان “البرازيل كما لن تتكرّر” . وهو تقرير مؤثّر ولقي انتشاراً واسعاً . فهل يمكن مقاربة الأمر عربياً في تونس وليبيا والعراق واليمن وسوريا وغيرها، وكل على طريقته مع ضمان الوصول إلى الحقيقة والمصالحة في إطار العدالة المنشودة




الحقوقي والسياسي وما بينهما/عبدالحسين شعبان

لم تتبلور الحركة الحقوقية دفعة واحدة، فقد مرّت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى ما هي عليه . ولم يكن ذلك من دون معاناة وجهد وصراع، لا سيّما وأن الأغلبية الساحقة من “الحقوقيين” انخرطت في البداية تعبيراً عن تضامنهم مع رفاقهم من هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن بالتدريج بدأ الكثير منهم ينظرون إلى فكرة حقوق الإنسان باعتبارها ذات قيمة مستقلة بحدّ ذاتها، وأنها ليست مرتبطة بالضرورة بإيديولوجيات سياسية، إذ يمكنك أن تعتنق إيديولوجية ما، ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، فإنها تحتفظ باستقلاليتها وهوّيتها الخاصة، وكان ينبغي على الحقوقيين الدفاع عن حقوق الإنسان ضد أي انتهاك أو خرق أو تجاوز، سواء تعلّق الأمر باليسار أو اليمين .

كثير من السياسيين لم يكونوا مؤمنين، ولا يزال بعضهم إلى الآن، “بالحركة الحقوقية” ودورها، إما لأنهم يعتبرونها منافساً قوياً لحركاتهم السياسية أو لتياراتهم الفكرية الاشتراكية أو القومية أو الدينية، أو أنهم كانوا يقلّلون من شأنها باعتبارها حركة إصلاحية غير جذرية، ولا تستهدف التغيير الثوري، وإنما تسعى للعب دور وسيط بين الحكومات والمعارضات، في حين إنهم يستهدفون تغييراً راديكالياً سريعاً لقلب المجتمع وليس تدريجياً، وآخرون يعتبرون الحركة الحقوقية صنيعة للغرب، الذي يريد اختراق العالم العربي والإسلامي، وأن لها “أجندات” خاصة، بل إن بعضهم اعتبرها حركة سياسية جديدة، لكنها تتخفّى وراء الواجهة الحقوقية، وأنها اختراع “مشبوه” ليس إلاّ، وقد رضع من هذا الثدي الحكومات والمعارضات في الآن ذاته .

لكن هؤلاء جميعاً، أو قسمهم الأعظم، عادوا واعترفوا بالحركة الحقوقية، سواء كانوا حركات سياسية أو دينية أو حكومات أو أنظمة بغض النظر عن قناعاتهم بها، لأنها أصبحت تمثل تياراً قوياً على المستوى الدولي وفكرة قابلة للتحقق، لا سيّما بإنشاء منظمات دولية متخصصة وبرامج جامعية ومناهج تربوية، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى لأنها بدأت تستقطب أوساطاً واسعة خارج نطاق الحركة السياسية التقليدية، التي وصل معظم تياراتها إلى طريق مسدود، تلك التي بدأت تلتجئ إليها للتدخل لدى الحكومات للإفراج عن سجين رأي أو إطلاق سراح محتجزين أو التحقيق بشأن فضّ اعتصام أو إضراب بالقوة أو قمع تظاهرة أو إخفاء مناضل سياسي قسرياً .

ونشطت منظمات حقوقية عربية، ولاسيّما في الخارج، ولندن بالتحديد، لمخاطبة جهات رسمية لدعم طلبات اللجوء السياسي أو إعطاء “رأي خبرة” أو الدفاع عن حقوق المجموعات القومية والثقافية والدينية، وعن حقوق المرأة ومبادئ المساواة والمواطنة وحرّية التعبير وضد التعذيب، إضافة إلى حقوق العمل والصحة والعيش الكريم وغيرها . وهكذا أصبحت الحركة الحقوقية، ذا وزن، بحكم فعلها وتأثيرها وإنْ كان غير مباشر أحياناً، وربما غير ملموس، لكن الحكومات أخذت تخشاها أو تحسب لها حساباً، خصوصاً عبر خطابها المعتدل، ولاسيّما في تقدير المجتمع الدولي .

والتبس الأمر على كثيرين كيف يمكن للمناضل الحقوقي وهو يدافع عن الضحايا أن يلتقي مع الحكومات أو ممثليها، ذلك أن الفكرة السائدة تقوم على الإلغاء والإقصاء والمجابهة وليس الحوار والجدل وقبول الاختلاف، ولعلّ الخطوة الأولى التي ستكون لمصلحة الحقوقي هي قبول صاحب القرار بالحركة الحقوقية باعتراف صريح أو ضمني أو فعلي، لا سيّما وهو يضطر للقاء مع الحركة الحقوقية وممثليها، سواء أعلن ذلك أو لم يعلن، ولا يعني ذلك عدم محاولته استثمار ذلك لمصلحته، ولكن الأمر مع الوقت، ومع الاعتياد والتكرار يصبح الحاكم يحاذر كثيراً من خطاب الحقوقي الذي لا يريد أن يحل محلّه أو يلغيه أو يقف مع خصمه السياسي، الاّ بقدر احترام حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يطمئن له ويحاول كسب ودّه لكي “يخفف” الحقوقي من خطابه أو لا يصب في مصلحة عدوّه الذي يريد إطاحته، لا سيّما من المعارضة الراديكالية .

وكذلك يحاول خصوم الحكّام في المعارضات التأثير في الخطاب الحقوقي ليأتي مطابقاً ومؤيداً لخطابهم، في حين ينأى الحقوقي بنفسه عن الانخراط في الصراع والانحياز إلى طرف، الاّ بقدر اقترابه أو ابتعاده عن مبادئ حقوق الإنسان، وتلك الميزة إذا استخدمها بحنكة وعقلانية هي التي تمنحه هذه الصفة الموضوعية، باعتباره مدافعاً عن حقوق الإنسان، في حين يريد السياسي الوصول إلى السلطة مستخدماً وسائل شتى علنية وسرّية، سلمية أو عنفية، شرعية أو غير شرعية، قانونية أو غير قانونية، بينما يظلّ الحقوقي متشبثاً بعلنية حركته وسلميتها وقانونيتها وشرعيتها، والأهم من كل ذلك أنه يريد تأمين احترام حقوق الإنسان وليس الوصول إلى السلطة، فذلك ليس في وارد برنامجه أو أهدافه، ولهذا فإنه عندما يتوجه إلى الحكومات ويخاطبها، إنما يريد منها ومن المعارضات احترام حقوق الإنسان وعدم انتهاكها .

لعلّ من واجب الحركة الحقوقية وضع مسافة بين الضحايا وأفكارهم ومعتقداتهم من جهة والحاكم وصاحب القرار من جهة ثانية، وحتى في دفاعها عن الضحايا فإنها تنحاز لهم كبشر ولا علاقة لها بأفكارهم التي قد تكون ضدّها، مثلما تطلب من الحاكم أو صاحب القرار الاستجابة إلى معايير حقوق الإنسان واللوائح الدولية المعتمدة، وهي بهذا المعنى ليست مع معارض ضد حاكم، وليست ضد حاكم لأنه حاكم، إلاّ بمقدار قربه أو بعده من المعايير الدولية لشرعة حقوق الإنسان .

وقد أسهم المناخ الدولي في بلورة الأفكار الحقوقية، ولا سيّما أكاديمياً من خلال أطروحات اعتدالية من دون التخلّي عن المبادئ، وخصوصاً الموقف من العدالة الاجتماعية، أي أن الحركة الحقوقية وعدد من المناضلين في صفوفها ليس لديهم أي وهم من أن الأمور أكثر صعوبة مما كانوا يتصورون، وأن حلّ المشكلات يتطلّب وقتاً طويلاً، وأن هناك مسارات يجب تجنّبها، وأن بعض القضايا أكثر أهمية من غيرها، مثل الحرية والديمقراطية .

لقد اكتسبت الحركة الحقوقية بُعداً جديداً بعد انتهاء الحرب الباردة وتحوّل الصراع الإيديولوجي إلى شكل جديد، وساهم عدد من الذين اغتربوا في (أوروباً الشرقية والغربية) في نقد التجربتين الاشتراكية البيروقراطية والرأسمالية الاستغلالية، وتولّد شعور قوي بأهمية ظهور حركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي وخطابها ذي المشروعية الحقوقية والقانونية، فضلاً عن مشروعية القيم الأخلاقية التي تسعى للوصول إليها بالغايات والوسائل المشروعة أيضاً .

وإذا كان الاتجاه الغالب آنذاك ماركسياً وقومياً يميل إلى الشعارات التقليدية الثورية، فإنه بدا في الثمانينات وأواخرها، سلمياً تدرجياً وتطورياً، لا سيّما بعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية التي سقطت مضرجة بأخطائها الكبرى وفشل التجربة الاشتراكية العالمية، وهنا اكتسب التفكير عن وسائل جديدة بُعداً قيمياً أكثر أهمية، ولم يعد إلقاء اللوم كلّه على الرأسمالية المتوحشة وحدها، فقد أصبح من باب القناعة أن الاشتراكية بما عرفه العالم من نظامها تتحمل المسؤولية أيضاً، بما صاحبها من أعمال قسوة وهدر سافر وصارخ لحقوق الإنسان .

وكان لا بدّ من البحث عن الأسباب الداخلية التي غدت صارخة، خصوصاً عشية الانهيار، فالحركة المطلبية التي اتخذت بُعداً حقوقياً، كانت شعاراتها: الحرية والتعددية والحوار، وهي الشعارات التي ارتفعت في أوروبا الشرقية قبيل انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني ،1989 وهي ما تقابلها شعارات الحركة الاحتجاجية في العالم العربي العام 2011 وما بعدها: الحرية ، الكرامة، العدالة الاجتماعية، وهي الغائبة عن مجتمعاتنا .

هكذا كان التغيير التدريجي العالمي وكذلك على المستوى الفكري الشخصي، لنخب كثيرة، وكان لتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان دور كبير في ذلك، ولا سيّما في نشر الفكرة الحقوقية، من خلال تقارير تصدرها سنوياً منذ العام 1985 حيث أسهمت في نشر الوعي الحقوقي، ولأنها تصرفت بمهنية عالية من دون أن يعني تبرئتها من بعض الأخطاء والنواقص، إلا أنها استطاعت حماية نفسها من لجّة الغرق وهي تمخر عباب بحر هائج، فمن جهة واجهت حكومات عاتية بخطاب ملطّف وحقوقي ولا يستهدفها بقدر ما يريد احترام حقوق الإنسان، ومن جهة ثانية واجهت معارضات راديكالية، تريد من الحركة الحقوقية الوقوف معها ضد الحكومات وتأييد أطروحاتها، وفي حين وقفت الحركة الحقوقية مع الضحايا ودافعت عنهم وتحمّلت بسبب مواقفها الكثير من الأذى، الاّ أنها نأت بنفسها عن الوقوع في حبائل الصراع الإيديولوجي والسياسي، بين الحكومات والمعارضات، فتلك مهمة ليست لها، وللأسف يقع كثيرون “ضحايا” فهمهم الملتبس أو الخاطئ في مسألة علاقة الحركة الحقوقية بالسلطات، وهم يريدون استبدال مواقعها بمواقع حركات سياسية وإيديولوجية يؤيدونها أو يتسترون عليها، وتلك  ليست مهماتها، كما أنها ليست وظيفتها .

قد يكون وصف الحركة الحقوقية أقرب إلى وصف كينيدي الذي قال عن الحقوقيين إنهم: “مثاليون ولكن من دون وهم”!




حيرة المثقف في الواقع العربي الراهن/ عبدالحسين شعبان

ينقسم المثقفون في العالم العربي إلى فريقين أحدهما يؤيد التغيير مهما كان الثمن، فقد وصل إلى حافة اليأس من أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية في غاية القسوة وكاد الكثير من أحلامه أن يتبدّد في ظلّ ضياع فرص التغيير حتى بدت الأنظمة المستبدة وكأنها قلاع حصينة لا يمكن اقتحامها أو تحطيمها، أما الفريق الثاني فقد نظر إلى التغيير بحذر، ولا سيّما أن قسماً منه أُخذ على حين غرّة، وبشكل مفاجئ اكتشف أن بعض قوى التغيير، بعيدة عنه في الكثير من أطروحاتها الراهنة والمستقبلية، ففي حين كان يريد التغيير جذرياً عميقاً، فقد رآه فوقياً شكلياً، وهو ليس ما انتظره لعشرات السنين في حلم بدولة مدنية وحرّيات واسعة وعدالة اجتماعية .

وإزاء هذه الحيرة الداخلية والاستقطاب والتباعد في المواقف، ارتفع منسوب التدخل الخارجي بصورة مباشرة أو غير مباشرة وكاد الكثير من المثقفين وفي زحمة المشهد الجديد أن ينسوا الطغيان الداخلي، مثلما ينسى كثيرون أيضاً العدوان الخارجي، وتلك كانت محنة العديد من المثقفين العرب الذين وقعوا بين نارين، نار الطغيان ونار العدوان . وتكرّر الأمر في ثلاث محطات أساسية: الأولى عند غزو القوات العراقية للكويت والثانية عند الغزو الأمريكي للعراق، وتظهر الصورة أكثر قتامة واستقطاباً بعد موجة الربيع العربي، لا سيّما بصدد المسألة السورية .

ربّما قلّة قليلة تلك التي كانت متوازنة، بحيث لا تنسى الطغيان وهي تتحدث عن العدوان، ولا تنسى العدوان وهي تتحدث عن الطغيان، ولعلّ مثل هذا الموقف اليوم يعتبر معياراً لإخلاص المثقف لثقافته، حتى وإن لقي نقداً من الفريقين اللذين يستسهلان اتخاذ المواقف بين الأسود والأبيض، انطلاقاً من معايير إيديولوجية وتصوّرات مسبقة، في حين أن هاجس المثقف الأساسي هو الحرية أولاً وقبل كلّ شيء، وهذه حاضنة إبداعه وتفكيره الحر ومن دونها لا يمكن له حتى الدفاع عن حق الحياة وعن القيم الإنسانية الأخرى .

فالحرية تمثل القيمة الأساسية للوجود الإنساني منذ الأزل، خصوصاً صراع الإنسان ضد الإنسان وصراعه ضد الطبيعة، ومهما اختلفت الحضارات والأديان، وانقسمت الفلسفات والمجتمعات، فإن الحرية ظلّت تمثّل الحافز الأساسي للصراع بين الخير والشر وبين الظلم والعدل . ولعلّ معيار الحرية يحظر بقوة ويزداد تأثيره، مع تقدم المجتمعات وتطوّرها، وقد اتخذ المسار إلى الحرية طريقاً طويلاً ومعقّداً، على مرّ العصور، وبالتراكم والتدرّج أضافت مختلف الحضارات والثقافات تنوّعاً إليه لتعميقه حتى ظهر بشكله المعاصر، وخصوصاً في الثورة الفرنسية، عبر مفاهيم جديدة وحقوق تبلورت لاحقاً في قوانين ومن ثم في مؤسسات ومساءلات، بحيث لا يمكن الحديث عن القيم الإنسانية الرائدة من دون شرط توفّرها كمدخل لا غنى عنه للفضاء الإنساني .

وإذا كان المثقف بشكل عام والمثقف العربي بشكل خاص في فترة الحرب الباردة عانى من ضغوط كثيرة، خصوصاً في ظلّ احتدام الصراع الآيديولوجي بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، فإن معاناته تعاظمت في فترة ما عُرف بحقبة النفط أو البترو دولار، وصولاً إلى الانهيارات الدراماتيكية التي عصفت بالنظام الدولي الثنائي القطبية الذي أقيم في أعقاب الحرب العالمية الثانية . وتعمّقت حيرة المثقف لدرجة المعاناة أحياناً ليس على صعيد الصراع الداخلي فحسب، بل على صعيد الصراع الدولي أيضاً، وإذا كان القرن التاسع عشر قرن الصراع القومي، والقرن العشرين، قرن الصراع الإيديولوجي، فإن القرن الحادي والعشرين وهو قرن العولمة بامتياز، ويعتبر قرن المصالح ولا سيّما الاقتصادية .

وإذا كان مثقف اليوم يتطلّع إلى الحرّية ويأمل في توسيع دائرتها ما بعد التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية مثل تونس ومصر وليبيا واليمن، وظل يترقب ما يحصل في سوريا باهتمام بالغ، فإن الكثير من آماله خابت وأحلامه تبدّدت بسبب الفوضى العارمة التي ضربت المنطقة، وحجم التدخل الخارجي، وحالة الانفلات الأمني والخراب والدمار والعنف الذي أعقب حركات التغيير، التي كان من أولى شعاراتها الحرية والكرامة . وتحوّلت معاناة المثقف من شحّ الحرية سابقاً، إلى انفلات شظاياها من الجهة الأخرى، بسبب وجود قوى التطرف والغلو وارتفاع موجات التكفير والتحريم .

لعلّ هذه التطوّرات، بإيجابياتها (التخلص من الأنظمة القديمة) وسلبياتها (انفجار العنف والفوضى) أثّرت على نحو بليغ في المثقف، وكان لصعود التيار الإسلامي أو الإسلاموي وتصدّره المشهد السياسي، أحد العوامل الجديدة في إحباط الكثير من المثقفين، لا سيّما بعد فشل المشاريع اليسارية والعروبية السابقة من جهة، ومن جهة أخرى فإن الرسائل الأولى للمشروع الإسلامي، وخصوصاً بعد أن وصل إلى السلطة لم تكن مشجعة سواءً في مصر أو تونس، حيث كانت أطراف مؤثرة منه تحمل معها قرارات التحريم والتأثيم، ما زاد في تشاؤم المثقف وأسهم في حالة الإحباط والقنوط التي عانى منها لسنوات طويلة . خصوصاً باندلاع الصراعات الثانوية وتفريعاتها الطائفية والمذهبية والإثنية العشائرية وغيرها من تلك القضايا التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل .

المثقف إضافة إلى همومه العامة التي هي هموم المجتمع، ظلّ هاجسه المفقود، هو حرّية التعبير، فتراه إمّا التحق تابعاً للسلطات ينمّق لها أطباق الآيديولوجيا على طريقة صاحبنا هلال الصابئ، الذي كتب إلى عضد الدولة البويهي، كتاباً عن “بني بويه” فلمّا سأله أحدهم أحقاً فعلت ذلك؟  أجابه بلى، إنها “أباطيل ننمّقها وأكاذيب نلفّقها” أو على طريقة أبو حيان التوحيدي، الذي كتب وناقش وحاور وجادل وساجل طيلة سبعة عقود قضاها في أتون المعركة الفكرية والثقافية في عصره، فلما بلغ شأوه، وهو على مشارف التسعين، أطعم كل ما كتبه إلى النيران قائلاً: إنه أحرقها لقلّة جدواها وظّناً بها على من لا يعرف قدرها بعد موته .

أو أنه سلك سبيل غاليلو، فقد تجرّع كأس السمّ على أيدي كهّان القرون الوسطى “المظلمة” ومحاكم التفتيش باسم الدين، لكن الأرض ظلت تدور . وفي حالات أخرى فضلّ المثقف الانكفاء أو الهرب إلى الأمام، فخسر نفسه أو خسرنا إبداعه لحين أو لكل الوقت . وذلك على طريقة معالجة جمال حمدان الذي اختار العزلة وسيلة للاحتجاج، أو نموذج هادي العلوي الذي تحدّث عن المثقف الكوني باستعادة التاريخ الصوفي وربطه بالفلسفة التاوية الصينية مشترطاً عمق المعرفية والروحانية والترفع عن الخساسات الثلاث: المال والسلطة واللذائذ، تلك الصورة التي يمثلها هادي العلوي نفسه .

وفي عالمنا العربي والإسلامي نماذج كثيرة على تحريم الفكر وتجريم التفكير ومنع حرية التعبير والرأي ورفض الحوار ومصادرة حق الاختلاف والتنكّر للتعددية والتعايش مع الآخر . وسادت تلك المفاهيم تحت يافطات مختلفة لكنها في الحقيقة مثّلت فكرة الرأي الواحد الإطلاقي، الشمولي، الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، حيث توجب الطاعة على المحكومين حتى وإنْ كانت سلطة الحكام لا تستمد أساسها من العدل والشرعية والقانون .

إن السلطة أياً كانت أنظمتها ملكية أم جمهورية، حزبية أم غير حزبية، عسكرية أم مدنية يمكن أن تصبح مُلكاً عضوضاً كما قالت العرب إذا ترافقت مع محاولات التسلّط وفرض الرأي بالقوة وغياب الرقابة وضعف المساءلة وتعطيل مبدأ سيادة القانون، أما إذا صاحبتها وسائل تكنولوجية حديثة وأساليب تضليل جديدة ودعاية سوداء، غدت أكثر قسوة ووحشية ولا إنسانية، وذلك حين تستهدف انتزاع عقيدة أو التبرؤ منها بالتعذيب والإكراه أو بالديماغوجيا والتزييف .

لقد لعب المثقفون في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين دوراً متميزاً مقتحمين ميادين مهمة، فشبلي شميل ومن بعده سلامة موسى دعيا لتحقيق العدالة الاجتماعية في إطار الاشتراكية، وقاسم أمين نادى بتحرير المرأة ومحمد عبده اهتم بتطوير الفكر الديني . أما عبدالرحمن الكواكبي فقد شدّد على تغيير نظم الحكم وتحدّث عن طبائع الاستبداد، وفعل الشيخ حسين النائيني بعده بهذا التوجه ودعا الأفغاني إلى الجامعة الإسلامية . ولعمري إن تلك الحركة الإصلاحية تركت تأثيراتها اللاحقة في عموم التطور الفكري في المنطقة وفي مستوى الصراع العربي التحرري ضد الهيمنة الأجنبية . وكانت حركة المشروطة عام 1906 في إيران والحركة الدستورية (عام 1908) فيما بعد في تركيا دعوة لتحديث نظم الحكم والتمسك بالدستور . ومع كل مراحل التطور اللاحقة، سواءً بتحقيق الاستقلال أو بعدها، فإن الحرية وخصوصاً حرية الفكر والتفكير واستقلالية المثقف ظلت مفقودة، بل عوملت باعتبارها منطقة محرّمة ومختومة بالشمع الأحمر وإنْ جرى التخفيف عنها قليلاً فقد تم زرعها بالألغام .

إن حفظ المثقف لكرامته وكرامة الثقافة التي يحملها يقوم على مبلغ إخلاصه لهذه الثقافة على حد تعبير قسطنطين زريق . وقد اختلّت كثيراً معادلة الثقافي بالسياسي سواءً في ظل سيادة الأفكار النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا أو من خلال هيمنة الستالينينية ورائدها في الثقافة “جدانوف” في الاتحاد السوفييتي السابق، والتي شهدت حملة قمع وتصفيات لا نظير لها، أو خلال فترة المكارثية في الولايات المتحدة التي شهدت حملة إرهاب وبخاصة ضد المثقفين أو خلال محاولات تطويع المثقف في العالمين العربي والإسلامي تحت يافطات مكافحة الإرهاب الدولي بهدف فرض الهيمنة وتسويق الخطاب السائد، أو إعادة إنتاجه اليوم على نحو جديد بحيث أوقعت المثقف في حيرة التغيير وهو الذي يُفترض أن يحمل لواء التنوير .



ما بعد الكيماوي/ عبدالحسين شعبان

على خلفية اتهام الولايات المتحدة لدمشق باستخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين الشمالية والشرقية في 21 أغسطس/ آب الماضي، اتّخذ الرئيس الأمريكي باراك أوباما قراره وحسم أمره بعد تردّد بخصوص “معاقبة” سوريا . وحبس العالم كلّه أنفاسه بانتظار الوقت المعلوم لبدء العمليات العسكرية ضدها . وعلى الرغم من انتظار أوباما موافقة الكونغرس ليضفي على قراره شرعية أكبر، جاءت المبادرة الروسية بوضع السلاح الكيماوي السوري تحت تصرّف المجتمع الدولي كتطور جديد، بهدف نزع الفتيل والحيلولة دون الضربة العسكرية، وأعلنت سوريا على الفور قبولها بالمبادرة الروسية، وأبدى الرئيس السوري بشار الأسد استعداده لتسليم جميع أسلحته الكيماوية للمجتمع الدولي خلال أسبوع .

وتبلورت المبادرة الروسية بعد سلسلة من التطورات السريعة: منها القرار الذي اتخذه مجلس العموم البريطاني بعدم الترخيص لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون دخول الحرب ضد سوريا وإعلان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند انتظار نتائج بعثة التحقيق الدولية بخصوص استخدام السلاح الكيماوي بعد أن كان متحمساً للحرب، أما أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية، فقد علّقت المشاركة بالحرب، على نتائج البعثة الدولية بخصوص استخدام الأسلحة الكيماوية، وشهد الكونغرس الأمريكي انقسامات ونقاشات من شأنها إضعاف قرار الرئيس توجيه ضربة عسكرية محدودة ومحدّدة .

وإذا ما عرفنا أن أوباما هو الذي قرّر انسحاب القوات الأمريكية من العراق، سندرك صعوبة قراره بالحرب ضد سوريا، حتى بضربات عسكرية، وتعهّدٍ بعدم إرسال قوات برية، ولعلّ ذلك هو الذي دعاه للتصريح أن الإطاحة بنظام الأسد سيضع على عاتق الولايات المتحدة مسؤوليات بخصوص النظام الذي يليه، ولأنه يقدّر أن الفوضى ستكون عارمة والعنف سيكون شاملاً، خصوصاً بصعود النزعات الاستئصالية والانتقامية، لهذا لم يرغب الخوض في المستنقع السوري، حتى وإن تم قصف المنشآت والمرافق الحيوية، ولا سيّما القدرات العسكرية من البحر والجو بصواريخ توماهوك وكروز  .

هكذا تبدو المشكلة في السلاح الكيماوي من دون إكتراث بالواقع المأساوي الذي يعيشه السوريون، سواء في الداخل حيث هناك أكثر من 4 ملايين نازح، أو في الخارج حين زاد عدد اللاجئين المسجّلين على مليونين، وما ستتركه الضربة العسكرية من مضاعفات جديدة، حتى وإن استمرّ الوضع السوري المتفجّر إلى ما هو عليه لأشهر وربّما لسنوات، مثلما حصل في التجربة العراقية، فبعد قضم تدريجي، طويل الأمد، وحصار دولي استمر ما يزيد على 12 عاماً، اتخذت واشنطن قرارها للاطاحة بالنظام وحلّ الجيش، بعد انهاك طويل وحرب ناعمة مضنية استمرت لسنوات .

قد تكون آلة القضم تفعل فعلها في سوريا، لكن الأمر يحتاج إلى فترة أطول لإضعاف وتفكيك الجيش السوري، سواء بتوريطه بأعمال عنف أو إنهاكه بمواجهات أقرب إلى معارك الشوارع، بعد حرب أهلية ناعمة طويلة الأمد، وفي ظل أوضاع اقتصادية غاية في السوء والقسوة، خصوصاً بهشاشة الوضع الأمني، ووقوع مناطق ومدن في الأطراف مثل حلب وإدلب ودرعا، بيد المعارضة وتدمير حمص في الوسط، وتمزيق النسيج الاجتماعي، لا سيّما ما تعرّضت له المجاميع الثقافية، الدينية والإثنية والسلالية وغيرها، وخاصة بارتفاع منسوب العنف الداخلي وردود الأفعال الموازية له طردياً، حتى أن الكثير من المنظمات الدولية دانت الانتهاكات السافرة والصارخة من جانب الحكومة، من دون أن تنسى انتهاكات الجماعات المسلّحة، وخصوصاً القوى التكفيرية، المتطرفة والمتعصّبة .

ولكن ماذا لو سلّم النظام السوري أسلحته الكيماوية بالكامل؟ أي سيناريو يمكن أن يتحقق؟ هل ستتوقف احتمالات الضربة العسكرية؟ وماذا عن الضحايا الذين زاد عددهم عن ألف ضحية في الغوطتين من جرّاء استخدام السلاح الكيماوي؟ وماذا عن سقوط أكثر من 100 ألف ضحية بسبب سلاح آخر غير الكيماوي، وما الفرق بين القتل بالكيماوي أو بغيره، وكما قال الشاعر ابن نباتة السعدي: “من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد” . وما هو السبيل لوضع حدّ للمأساة السورية المستمرة؟ ولماذا تخشى واشنطن من وجود سلاح كيمياوي لدى سوريا؟

وإذا كانت الأسلحة الكيماوية التي تفتك بآلاف البشر ممنوعة من الاستخدام ومحظورة دولياً، فلماذا يتم امتلاكها أولاً، ولماذا يتم تسليمها ثانياً؟

لقد تم تحريم الأسلحة الكيماوية بعد الحرب العالمية الأولى وذلك في بروتوكول جنيف العام 1925 الذي اعتبر تطوّراً مهماً للقانون الدولي الإنساني وقد تبعته إعلانات واتفاقيات جديدة في العام 1972 والعام 1993 بتقرير منع تطوير الأسلحة الكيماوية وانتاجها وتخزينها ونقلها، وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد وصفت الأسلحة التي استخدمت في الحرب العالمية الأولى “بالأسلحة الهمجية” و”الإجرامية” .

وقد انضمت إلى الاتفاقيات الدولية التي تمنع استخدام الغازات السامة أو ما شابهها من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية الأغلبية الساحقة من دول العالم، وصدّق عليها 162 دولة حيث وافقت على حظر تحديث وانتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيماوية أو نقلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة . وأكدت الاتفاقية ضرورة سن تشريعات وطنية من أجل إنفاذ الحظر المنصوص عليها فيها .

وتعتبر اتفاقية العام 1993 الخاصة بالأسلحة الكيماوية تطوّراً قانونياً جديداً لتوسيع الحظر، وتتولّى منظمة حظر الأسلحة النووية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، تنفيذ إجراءات التحقق من تنفيذ الاتفاقية، وهي التي شاركت بقرار من مجلس الأمن في دراسة الحالة السورية، لا سيّما ما حصل في الغوطتين .

ثماني دول لم تنضم إلى اتفاقية العام ،1993 هي: أنغولا وكوريا الشمالية والصومال ومصر وسوريا (أعلنت استعدادها الانضمام بعد المبادرة الروسية) ومينامار وجنوب السودان والأخيرتان تأسستا حديثاً و”إسرائيل” التي تحتفظ بترسانة سلاح كيمياوي وبيولوجي وبما يزيد على 100 قنبلة نووية منذ إنشاء مفاعلها الأول في ديمونا بمساعدة الفرنسيين العام 1955 .

والسؤال ماذا بعد الكيماوي: هل سيتم نزع صاعق التفجير أم أن خطة الحرب الناعمة ستستمر لفترة طويلة؟ وهل بالإمكان الحصول على ضمان دولي بعد توافق أمريكي - روسي بانتقال سلمي للسلطة وفقاً ل”جنيف - 2”؟ أي ترجيح الخيار السلمي، لكن ذلك لا يعني غلق الباب أمام الخيار العنفي، وهو ما عبّر عنه أوباما بأنه خيار قائم إذا فشل الخيار الدبلوماسي، وأكّده جون كيري بإعطاء مهلة شهر لتسليم كل ما يتعلق بالسلاح الكيماوي .




ساعة الصفر السورية في واشنطن     
عبدالحسين شعبان


ظلّت سياسة الحرب الناعمة مستمرة طيلة العامين ونصف العام الماضيين، لا سّيما باحتدام الصراع بين السلطة والمعارضة في سوريا وارتفاع منسوب العنف إلى درجة خطيرة في ظلّ نشاط بعض الجماعات الارهابية والتكفيرية بما فيها ما يسمى “الدولة الإسلامية للعراق وسوريا” . ولعلّ هدف تلك السياسة هو زعزعة الكيان السوري وشن حملة إعلامية ضده باعتباره خارجاً على الشرعية الدولية، لا سيّما باستخدامه الأسلحة المحرّمة دولياً، وهو ما حصل في الغوطتين الشمالية والشرقية في 21 أغسطس/آب  ،2013 حيث سقط أكثر من ألف إنسان ضحايا أبرياء.

وجاءت تلك اللحظة التي انتظرتها واشنطن، ولا سيّما الادارة الأمريكية لتطوي تردّدها ولتقدِمْ على عمل عسكري محدّد، وهو عبارة عن رسالة شديدة اللهجة إلى سوريا بقصف منشآت حيوية ومخازن أسلحة ومقار قيادة وغيرها، علماً بأن تيار الحزب الجمهوري داخل الكونغرس يريد أكثر من ذلك، وهو من المتحمسين لتسليح المعارضة وتوجيه ضربات عسكرية للنظام، ومعه جزء من الحزب الديمقراطي، مقابل رأي الرئيس أوباما ومعظم أركان إدارته بما فيه البنتاغون (وزارة الدفاع) والمخابرات المركزية الأمريكية CIA ووزارة الخارجية ومستشار الأمن القومي، فإنهم سعوا لتجنّب العمل العسكري قدر الإمكان والاكتفاء بممارسة ضغوط إقليمية ودولية على المستوى السياسي وأقل منه على المستوى العسكري، وذلك لغاية اتهامهم الحكومة السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية المحرّمة دولياً، الأمر الذي دفع الرئيس أوباما إلى اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا، وسعى للحصول على موافقة الكونغرس عليها بهدف إعطائها شرعية أكبر!

وخلال الفترة الماضية استخدمت واشنطن سياسة العصا والجزرة، فحاولت سياسياً الضغط على الحكومة السورية لقبول الشروط الأمريكية، ولا سيّما التخلّي عن الأسلحة الكيماوية التي يسميها البعض “سلاح الفقراء” مقابل الاعتراف بالأمر الواقع، يضاف إلى ذلك مطلب فك الارتباط مع إيران وحزب الله .

وبلا أدنى شك فقد أنهكت الحرب الناعمة سوريا، وعمّقت من التناقضات الداخلية لدرجة يكاد فيها الكيان السوري أن يتصدّع، لولا بعض عناصر التماسك التي لا تزال مستمرة، وخصوصاً في الجيش، تلك التي تعتبر قوية حتى الآن لاعتبارات مناطقية وفئوية، لتبدأ بعدها واشنطن بمرحلة جديدة، وهي مرحلة القضم التدريجي وهذا الخيار توصلت إليه واشنطن بعد اتهامها للقيادة السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية، وذلك بالتفكير بتوجيه ضربات عسكرية محدودة ومحدّدة للقضاء على القدرة الصاروخية والجوية والتكنولوجية وضرب البنية التحتية العسكرية، سواء مراكز القيادة أو السيطرة أو المطارات أو الرادارات أو شبكة الاتصالات أو غيرها وهو ما وضعته في مرحلتها الثانية من الحرب المحدودة بعد الحرب النفسية الناعمة .

وحسب تقدير الاستراتيجية الأمريكية فإن نجاح هذه الضربات في فترة زمنية معقولة سيمكّنها من إعادة التوازن بين أطراف النزاع (الحكومة والمعارضة) والسيطرة على مخازن السلاح الكيماوي والاستراتيجي السوري، وقد تدفع بعض فرق الكوماندوز للتسللّ على الرغم من أن الإدارة الأمريكية أعلنت أكثر من مرّة عدم إرسال قوات برّية أمريكية إلى سوريا .

وقد تذهب واشنطن إلى استخدام طائرات الشبح من قواعدها الجوية في المنطقة، وذلك ترافقاً مع صواريخ كروز وتوماهوك التي ستنطلق ضد المواقع السورية، وقد لا تدوم الحرب هذه طويلاً وقد تكون على شكل متقطع ولكن متواصل، باختيار أهداف محددة، كما حصل في السيناريو العراقي، الذي استمر لسنوات طويلة، خصوصاً في مرحلة الرئيس كلينتون وسياسة الاحتواء والاحتواء المزدوج “العراق- إيران” .

وحتى الآن فإن الأطراف ذات العلاقة ستكون أقرب إلى المتفرج، ف”إسرائيل” سوف لا تدخل الحرب، وروسيا “لن تدخل الحرب ضد أحد” حسب تصريح وزير خارجيتها سيرغي لافرورف، وإيران لن تغامر بمستقبلها في دخول الحرب وإن كانت تقف إلى جانب حليفتها سوريا، وتزوّدها بالسلاح والخبرة وتشجع حزب الله على التعاون إلى أبعد الحدود، خصوصاً وأن هذه الحرب لا تسعى إلى إسقاط النظام في هذه المرحلة حتى الآن .

أما المرحلة الثالثة من الحرب فتتمثل في نشر الفوضى الخلاقة وتفريعاتها الدينية والطائفية والإثنية، بهدف استنزاف المجتمع السوري، حتى ينهار النظام .

ولهذا فإن الإدارة الأمريكية وهي تدرس سيناريوهات الحرب فإنها ترجّح خيار الضربات العسكرية الجراحية، محتفظة بعدم تدخل أحد، لأن الهجوم الواسع الذي يهدف إلى إطاحة النظام سيلقى حالياً رد فعل كبير، ولهذا فإن الخيار العسكري المحدود سيخدم الاستراتيجية الأمريكية البعيدة المدى، وقد تذهب واشنطن بعدها إلى إعلان بعض المناطق كملاذ آمن Save Haven وبعضها كمنطقة حظر جوي NO Fly Zone ، وذلك بهدف توسيع دائرة القضم .

وقد حذّر الجنرال دمبسي قائد الأركان الأمريكي الادارة الأمريكية من الخيار العسكري الشامل ضد سوريا، معتبراً ذلك لا يخدم المصلحة القومية الأمريكية وأنه يعارضه بشدّة .

وسعت واشنطن إلى إيجاد غطاء قانوني لهجومها ضد سوريا حتى وإن كان من خارج الأمم المتحدة، سواء محاولات الثلاثي الأمريكي والبريطاني والفرنسي إقناع شعوبهم بأن النظام السوري استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة، وأنه يمتلك أكبر مخزون في العالم، وأن ذلك يشكل خطراً على سلم وأمن العالم والمنطقة، بما فيها أمن “إسرائيل” حليفتهم، وكذلك فإنه يشكّل خطراً على الأمن القومي الأمريكي، لأن هذا الأخير يشمل العالم كله، ناهيكم عن ذلك فإن صورة الأسد كدكتاتور ترسخت في الإعلام الأمريكي والغربي مثلما هي صورة صدام حسين، حتى وإن لم يتمكن رئيس الوزراء البريطاني كاميرون من الحصول على تأييد مجلس العموم البريطاني للمشاركة في الضربة العسكرية، وذلك لجهة التجربة العراقية المريرة، وارتفعت نبرة الحديث في باريس وبرلين باتجاه انتظار نتائج البعثة الدولية بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية .

لا تزال ساعة الصفر السورية في واشنطن وفي حين يترقب الملايين من البشر الضربة العسكرية، فإن معاناة السوريين تزداد تفاقماً سواءً كانوا لاجئين أو نازحين أو ينتظرون صواريخ لا قدرة لديهم على ردّها!



عنصرا اليقظة: الحرّية والقانون/ عبدالحسين شعبان

طرحت التغييرات التي حصلت في العديد من أقطار الوطن العربي موضوع الحرية مجدداً على بساط البحث، ليس في سجالاتها السابقة ووجهتها الاجتماعية، مثلما هي قضية المسؤولية والالتزام وحدود الحرية وأين تبدأ وأين تنتهي؟ ولكن علاقتها بالقانون وبحكم القانون، حيث تصبح هذه العلاقة مدماكاً أساسياً وجوهرياً للتغيير والانتقال الديمقراطي المنشود، إذ لا يمكن الحديث عن تحوّل ديمقراطي حقيقي دون حكم القانون والشرعية الدستورية واستقلال القضاء .

للحرية موقع مهم في منظومة الحقوق الأساسية للإنسان، وخصوصاً الحقوق المدنية والسياسية، فبعد حق الحياة والعيش بسلام ، الذي هو حق مقدس لا يمكن الحديث عن أي من الحقوق دون توفره .

هناك أربعة حقوق وحرّيات أخذت بها المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تنظم حقوق الانسان، وهو ما نطلق عليه اسم “الشرعة الدولية” ونعني بها: “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الصادر عام 1948 وما بعده “العهدين الدوليين” الأول عن الحقوق المدنية والسياسية والثاني عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” الصادران عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 واللذان دخلا حيّز التنفيذ في عام ،1976 وغيرها من المواثيق والمعاهدات الدولية .

ويعد ميثاق الأمم المتحدة وما أعقبه من تقنينات وإضافات تطويراً معاصراً لما بدأته الثورة الفرنسية منذ ما يزيد على قرنين من الزمان عام ،1789 وقبلها ما تضمنه الدستور الأمريكي عام 1776 بخصوص حقوق الإنسان وبشكل خاص الحقوق والحريات الأساسية، والذي أعقبه الدستور الليتواني الذي صدر قبل الدستور الفرنسي بنحو أربعة أشهر، يوم كانت ليتوانيا تضم بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا وأجزاء مهمة من بولونيا وتعد من الدول الأوروبية الكبرى .

وعندما نقول الحرّيات الأساسية ، فإننا نعني:

1- حق الرأي والتعبير

2- حق الاعتقاد

3- حق التنظيم الحزبي والنقابي والمهني

4- حق المشاركة السياسية في ادارة الشؤون العامة

وقد ورد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي: ولمّا كانت الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق . . . إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية، وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قُدماً وأن ترفع مستوى الحياة في جو أفسح من الحرية  . . . فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” .

ونصّت المادة الأولى على ما يلي “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق . وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء” .

وذهبت المادة الثانية إلى التأكيد أن “لكلّ إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، بدون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو الاصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد، أو أي وضع آخر بدون أي تفرقة بين الرجال والنساء” . وأكدت المادة 18 أن “لكل شخص الحق في حرّية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق، حرية تغيير دينه أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتهما سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة” .

أما المادة ،19 فقد التزمت قضية الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، باعتبارها حقاً أساسياً للانسان لا يمكن تقييده أو التضييق عليه، فما بالكم بإلغائه وقد نصّت على أن “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير . ويشمل هذا الحق حرّية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت، دون التقيّد بالحدود الجغرافية” .

ولهذا الغرض تشكّلت منظمة خاصة لحقوق الإنسان وفقاً للمادة 19 تُدعى  Article 19” المركز الدولي ضد الرقابة”، التي تؤكد حرّية التعبير وتناقل المعلومات، التي هي حقوق أساسية لا يمكن بدونها الدفاع عن أي من الحقوق الأخرى، بما فيها حق الحياة .

ومن المفارقات أن يكون بعض ضحايا حرّية التعبير عن الرأي أنفسهم الوجه الآخر للاستبداد ومنع الرأي الآخر، حين تقوم بعض منظمات التطرّف بارتكاب وممارسات عنيفة تحت زعم “إقامة الحد” باسم مخالفة بعض تعاليم الدين، في محاولة لتنصيب نفسها فوق القانون، مشيعةً نوعاً من الإرهاب الاجتماعي، مبرّرة للسلطات (التي تعد أعمالها غير مبررة أصلاً في منع الصوت الآخر وحرية التعبير) الإيغال في عمليات التشدّد والتضييق على الحريات وممارسة الارهاب، بحجة مقاومة جماعات التطرف وأعمال الارهاب الفردية، في حين تمارس هي إرهاباً حكومياً سافراً .

وباعتقادي، أن الفكر لا يقابل بالعنف أو الاغتيال أو إخفاء الصوت الآخر، كما لا يحسم بالقضاء . الفكر يُرد بالفكر، وسماحة الحوار تتسع لصراع الأفكار . أما جعجعة السلاح فلا تنتج طحيناً، بل تجعله خليطاً برائحة البارود . والحوار يجب أن يتّجه أولاً وقبل كل شيء إلى إقرار حق الغير “الآخر” في التعبير وفي التعايش وفي المنافسة السلمية، ثم لاستخلاص ما هو ضروري لإدامة السلام الأهلي واحترام حقوق الجميع .

وبتقديري أن مكان حرّية الفكر والبحث العلمي والأكاديمي، هو قاعات الجامعات وأروقة الكليات والمعاهد وحلقات الدرس والبحث والمنابر الفكرية والثقافية، وفي إطارها يتم النقاش والجدل، فهي المكان الطبيعي والرحب لتبادل الأفكار واستمزاج وجهات النظر وقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل والشك بالشك والبرهان بالبرهان .

وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات تبدأ الأسئلة والشكوك وتثور الانتقادات ويتم البحث والاجتهاد في محاولة الوصول إلى أجوبة مقنعة وبراهين .

أما محاكمة الفكر أو محاصرته اجتماعياً لدعاوى سياسية أو اعتبارات لا علاقة لها بالدين . فهي ليست سوى إصدار حكم بالموت المدني دون محاكمة، وهو مناقض لروح الإسلام وجوهره الذي يقرّ بمبدأ التسامح . فعدم التسامح يعني منع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حرّ وجديد، بحجة المروق .

وتزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد حين يتم التمترس الطائفي والمذهبي وحين يُنظر إلى الآخر على أنه خصم وعدو، بل أشد عداوة من العدو الحقيقي أحياناً، وتجري محاولات لإلغاء الفِرَق والمذاهب والاجتهادات وتعميم نظرة أحادية الجانب وفقاً للأفكار الشمولية التي لا تعترف بالآخر .

ولا أظن أن مجتمعاً من دون اختلافات أو اجتهادات متعارضة مختلفة أو انقسام في الرأي أو معارضة، موجود أو أنه، وِجدَ في الكون منذ الخليقة، بل أستطيع القول إن مجتمعاً بلا اختلاف أو تمايز أو خصوصيات، هو من صنع الخيال، ولا وجود له على أرض الواقع، بل إنه مجتمع ميت إنْ وجد، فالتماثل ضربٌ من المحال .

التعددية والتنوّع وحق الاختلاف والاجتهاد هي بعض عناصر يقظة الوعي ومن أركان تنشيطه بما يساعد على التطوّر والتجدّد ولا تستقيم هوية “الأنا” من دون هوية “الآخر” .

وجاء في القران الكريم “ . . . واختلاف ألسنتكم وألوانكم لآيات للعالمين”، سورة الروم -آية 22  . والاختلاف لا يلغي الائتلاف بالطبع “ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” سورة يونس - الآية 99  ، وجاء في سورة البقرة -الآية 256 ، “لا إكراه في الدين قد تبّين الرشد من الغيّ  . . .” وجاء في سورة الكهف - الآية  ،29 “وقل الحقّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  . . .” .

وسمح الإسلام بحرية الخطأ إذا لم يكن مقصوداً، خصوصاً إذا استهدف الاجتهاد الفكري واستنباط الحلول والأحكام، حين أكدّ الفقه الإسلامي أن “المجتهد إنْ أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد” بمعنى أن الخطأ مع الاجتهاد يتحوّل إلى حسنة، لأنه محاولة لاستخدام العقل . وكانت بعض الفرق الإسلامية قد أكدت دور العقل، بموازاة النقل خصوصاً فيما يتعلق بكل ما له علاقة بشؤون الحياة كالمعتزلة والصوفية وغيرهما .

وذهب الإمام الشافعي للقول “رأيي على صواب ولكنه يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ، ولكنه يحتمل الصواب” . وهو ردٌ بليغ على أفكار التعصب والانغلاق والعنف وعقلية التحريم والتجريم وفرض الرأي، التي قادت من الناحية السياسية إلى احتكار الحكم وتبرير مصادرة حقوق الآخرين  تارة باسم القومية أو بحجة الصراع العربي - “الإسرائيلي”، وأخرى باسم الطبقة العاملة ومصالح الكادحين، وثالثة باسم الدين، لإسكات أي صوت ولتسويغ فكرة الاستئثار وادعاء امتلاك الحقيقة

مثقف اليوم / عبدالحسين شعبان

يكثر الحديث اليوم، ولا سيّما بعد التغييرات التي شهدتها بعض البلدان العربية، عن المثقف ودوره، خصوصاً في موضوع المثقف والسلطة والمثقف والسياسة، والعلاقة بين الثقافة والسياسة، والمثقف والأيديولوجيا، والمثقف والدين، أو العلاقة بين الثقافي والديني . فمن هو المثقف؟

ما نقصده بكلمة “مثقف” أو ما يندرج في إطارها، إنما هو مصطلح مستحدث في اللغة العربية من أصل كلمة  Intellectual  وهذه تعود إلى اللاتينية، حيث كان العرب لوقت قريب يستخدمون مصطلح “الأديب” أو تطلق لفظة “الكاتب” على ما نقصده بالمثقف اليوم أو ما يقع في دائرته . وكان الكاتب يمثّل سلطة الفقيه الديني أو رجل الدين أو “الأيديولوجي” بالمعنى العصري، لا سيّما في الترويج لخطاب الحاكم مع “الرعية” أو “المواطنين” بلغة الدولة الحديثة، أو أحياناً المعارض الذي يعبّر عن تطلّعات العامة في مواجهة الحاكم، ولهذا فقد كان موقف المثقف كما هو في كل العصور حرجاً ودقيقاً وأحياناً ملتبساً، فإذا ما غضب عليه الحاكم، فقد ينتقل إلى خصم له، وهكذا يتحوّل سلاحه من الدفاع عن الحكم وأهله وتزويغ الخطاب الرسمي، إلى معارضة وتمرّد وتحريض . وقد يدفع الثمن باهظاً في الحالتين .

أما اليوم فقد اختلف الأمر كلّياً، فلم تعد سلطة “الكاتب” القديم (المثقف) “الجديد” تستمد قوتها من الدين (وإنْ كان له قوامه الخاص وتأثيره الكبير، لا سيّما في دول العالم الثالث)، حيث أخذ المثقف بالمصطلح الحديث تدريجياً يؤثر في الرأي العام، ويساهم في تنمية العقل والوجدان وفي تجسيد الأخلاق ونشر الأفكار، مع أن هذه المكانة تصطدم في أحيان كثيرة بدور السياسي وموقعه في سلطة القرار، على خلاف العالم المتقدم والدول الديمقراطية، حيث يتعاظم دور الثقافة في الحياة العامة، فإن مثل هذا الدور والتأثير لا يزال محدوداً جداً في “الدول النامية” أو بلدان “العالم الثالث”، خصوصاً، ويُراد للمثقف في الكثير من الأحيان أن يكون ملحقاً للسياسي، لا سيّما من هو في السلطة، وأحياناً ألحقت المعارضات السياسية، المثقف بها ليس كشريك في صنع القرار، بقدر كونه مكمّلاً لتزيين خطابها السياسي أو الأيديولوجي .

صحيح أن للسلطة السياسية أدواتها ووسائلها لبسط نفوذها وفرض هيبتها، إلاّ أن معرفة المثقف تعد “سلطة”، فالمعرفة على تعبير المفكر والفيلسوف البريطاني بيكون “سلطة”، أي أن سلطة المثقف، هي معرفته ووسيلته الإبداعية لنشر ثقافته وبسط سلطانه، وكما يقال، المعرفة: قوة أو سلطةKnowledge is power ، إلاّ أن سلطة المعرفة تختلف عن السلطة السياسية والعسكرية من حيث التأثير والسلطان والجبروت، إذْ إن الأخيرة تمتلك أدوات القمع وبإمكانها أيضاً استخدام أدوات المعرفة والثقافة لفرض سلطتها القمعية .

وقد استخدمت الكثير من الأنظمة على نحو مترابط القمع السياسي البوليسي مرافقاً للقمع الأيديولوجي والثقافي، الأمر الذي أوقع الكثير من المثقفين في حرج والتباس، خصوصاً عند تأدية وظيفتهم الإبداعية، وهو ما يتطلّب من المثقف أن يحترم وسيلته الإبداعية وينأى بنفسه عن الاستخدام التوظيفي لثقافته، من جانب السلطات لإضفاء مشروعية على القمع السياسي . والمثقف الذي لا يخدم معرفته وثقافته، فإنه لا يحترم سلطتها، أو إنه يتنازل عنها، لحساب غيره، وبالتالي فإنه سيكون مهدداً بفقدان حريته .

فمن هو المثقف اذاً بعد هذه التوصيفات وما حدود حريته الفكرية؟

أذكر نموذجين من المثقفين، الأول حسب توصيف غرامشي فهو “كل إنسان في النهاية، يمارس خارج مهنته، فعالية ثقافية ما، فهو فيلسوف، فنان، صاحب رأي، إنه يشارك في تقديم تصوّر عن العالم، له سلوك أخلاقي واع إنه إذن يساهم في دعم تصوّر ما عن العالم أو تعديله، أي أنه يساهم في ميلاد أنماط جديدة للتفكير” .

أما النموذج الثاني، فهو الذي أخذ به سارتر، الذي لا يميل إلى إضفاء صفة المثقف على العالِم” . لن يُسمّى بالمثقف، العلماء الذين يشتغلون على تشطير الذرة لتحسين أسلحة الحرب الذرية، فهؤلاء علماء . . ولكن إذا اجتمع العلماء أنفسهم ووقّعوا بياناً يحذّر الرأي العام من استعمال القنبلة الذرية، فعندئذ يتحوّلون إلى مثقفين” .

وحسب المفكر الأنثروبولوجي البريطاني تايلور (أواخر القرن التاسع عشر ) فإن المثقف هو “ذلك الكلّ المعقد الذي يتضّمن المعرفة والقصيدة والأخلاق والقانون والتقاليد، وكل ما يكتسبه الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع إنساني” .

لقد تحدّث ابن خلدون عن العمران بطوريه الحضري والبدوي، أي الحياة الاجتماعية بمختلف ألوانها وأشكالها، بما تعني الحضارة . وهو ما دعا إليه المفكر العربي المعاصر قسطنطين زريق حين اعتبرها “نمطاً من الحياة يتميّز بخطوط وألوان من التقدم والرقي” والمثقف مثلما ذهب إليه زريق بحاجة إلى معرفة وعقلانية والتصاق بقضايا المجتمع .

وقديماً قالت العرب: إن المتأدّب هو “من يعرف شيئاً عن كل شيء، ويعرف كل شيء عن شيء” . والأدب بمعناه الواسع الثقافة وهو “الأخذ من كل علم بطرف” . وباستعارة عنوان كتاب الدكتور أحمد صدقي الدجاني هو “عمران لا طغيان” .

وعندي إن المعنى الاجتماعي اليوم لكلمة “المثقف” يتسع ليشمل، كلّ من اشتغل بالثقافة إبداعاً ونشاطاً بما يتضمن العاملين في حقل العلوم الطبيعية والدين والفن والفلسفة والكتابة والصحافة والتأليف وغيرها .

ويواجه مثقف اليوم وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أربع سلطات:

السلطة الأولى هي من يمارس الحكم بصورة رسمية، وهذه السلطة تحاول أن تطوّع المثقف وتدجّنه بالإقناع أو بالاقتلاع . . بمحاربته بلقمة الخبز أو بمقص الرقيب أو بالعزل بعد التأثيم والتحريم والتجريم، وأحياناً بالتكفير أو السجن أوالنفي أو بكاتم الصوت، أي ب “القمع الفكري والأيديولوجي أو بالقمع البوليسي” . وقد استعارت بعض المعارضات وربما بالعدوى أخلاق الجلاد أحيانا .

 السلطة الثانية هي السلطة الاقتصادية، خصوصاً لمن يملك المال، وهي سلطة مؤثرة في القطاع الخاص وتشمل مؤسسات الثقافة والإعلام، والبيوت الثقافية والمسارح والسينما وقاعات العروض ودور نشر الكتب وإصدار المجلات والصحف، إضافة إلى التلفزيونات والفضائيات وغيرها، وأصبح دور هذه المؤسسات أكبر من السابق في البلدان العربية والإسلامية، خلال السنوات العشرين الأخيرة، بحكم توجّه كوني فرضته العولمة .

أما السلطة الثالثة فهي السلطة التقليدية أو ما نطلق عليه الثيوقراطية الدينية، وهي وإنْ لعبت أدواراً إيجابية في تخريج النخب، الاّ أنها وقفت في بعض الأحيان ضد عمليات التطوّر والتحديث تحت عناوين مختلفة، فتراها تتدخل أحياناً في حرق الكتب وإباحة دم المثقف وتحريم الأفكار لدرجة أن الحداثة والشعر الحرّ يصبحان “بدعة وضلالاً”، فما بالك بالمسرح والموسيقى والنحت والرقص وغيرها .

وأصبحت بعض فتاوى التكفير “جاهزة” لتشمل مئات الأعمال الإبداعية والفنية والأنشطة الثقافية في إطار تفسيرات محدودة وقصيرة النظر ولا علاقة لها بخيال المبدع، وقد كان نصيب البلدان التي شهدت تغييرات في العالم العربي من هذه الموجة كبيراً، حيث تم استهداف أبناء الديانات الأخرى والتجاوز على حقوقهم المدنية، في إطار حملة تجريف لكل ما هو مختلف عن تفسيرات وتأويلات بعض الاتجاهات الإسلاموية . وتشهد اليوم بلدان عربية عدة مثل هذه التوجهات مثل مصر وتونس وسوريا والعراق وليبيا واليمن، وغيرها تحت عناوين الحفاظ على الدين أو تطهير المجتمع مما أصابه من تلوّث وقيم معادية له وللمذهب أحياناً .

أما السلطة الرابعة فهي قوة العادات والتقاليد وسكونية المجتمع الذي يستجيب للصوت الأعلى، ويضع الكثير من المعوّقات والعراقيل بوجه تأمّل الفكر وحريته، فضلاً عن استعارات المبدع ورمزياته التي لا يمكن قولبتها أو تقنينها ! . إن العادات والتقاليد تشكل أحياناً عائقاً أمام تقدم المجتمع، خصوصاً إذا وقفت حجر عثرة باعتبارها “سلطة” ضد أي تغيير، سواءً كان “الموروث” دينياً أو طائفياً أو عشائرياً أو اجتماعياً أو غير ذلك .

ومنذ أن طرح ادوارد سعيد في كتابه “صور المثقف” إشكالية الثقافة والسياسة، فإن الجدل تجدد واتّسع بالأساس حول دور “المثقف” ووظيفته بشكل عام، والمثقف العربي بشكل خاص، خصوصاً في ظلّ التغييرات الأخيرة، فضلاً عن التطورات العاصفة التي شهدتها العقود الثلاثة الماضية من العولمة في مرحلتها الجديدة والثورة العلمية -التقنية والتقدم الهائل في نظام المعلوماتية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية وإذا كان المثقف كثير الهموم وكبير التطلّعات وشديد الحسّاسية، فإن إحساسه بضرورة الحرية والفراغ الذي يتركه غيابها أو تقليص مساحتها يلقي عليه أعباء جديدة وضغوطاً ثقيلة، قياساً لما يتعرّض له غيره، وبالتالي فللحرية أو غيابها أثره وانعكاساته في فعله الثقافي ونشاطه الإبداعي، المعرفي والاجتماعي، وهو ما يعبّر عنه الشاعر الإسباني لوركا:

ما الإنسان دون حرية يا ماريانا؟

قولي لي كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حرّاً؟

كيف أهبك قلبي إذا لم يكن مُلكي؟



 

لاهاي وهاجس العدالة         
عبدالحسين شعبان

تعتبر لاهاي (هولندا) عاصمة القضاء الدولي بامتياز، ففيها تنتصب محكمة العدل الدولية، الذراع القضائية لهيئة الأمم المتحدة من بين الأجهزة الستة التي تتألف منها، والتي يقع مقرّها جميعها في نيويورك باستثناء محكمة العدل الدولية . وتنظر المحكمة التي تم تأسيسها ترافقاً مع إبرام ميثاق الأمم المتحدة في 26 يونيو/حزيران في العام 1945 في القضايا التي تضعها الدول أمامها، كما تقدّم الاستشارات القانونية للهيئات الدولية التي تطلب منها ذلك، وتقوم بتفسير الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي . وعند تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في روما يوليو/تموز في العام ،1998 التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2002 وبلغ عدد الدول الأعضاء الذين انضموا إليها حتى الأول من يوليو/تموز 2012 نحو 121 دولة، كانت لاهاي مقراً لها . ونظرت المحكمة في أربع قضايا مهمة هي: انتهاكات حقوق الإنسان في أوغندا الشمالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجمهورية الإفريقية الوسطى ودارفور في السودان، وأصدرت مذكرات اعتقال  شملت الرئيس السوداني عمر حسن البشير، في حين استبعدت مساءلة أي شخص من دولة كبرى .

كما احتضنت لاهاي المحكمة الجنائية الخاصة في الجرائم التي ارتكبت في يوغسلافيا في العام ،1993 وقامت بمحاكمة عدد من المتهمين بينهم، سلوبودان ميلوسفيتش وكاراديتش وراتكو ميلاديتش والاثنان من زعماء صرب البوسنة، إضافة إلى الرئيس الصربي ميلان ميلاتونوفيش وغيره، ومنذ العام  2006 كانت لاهاي مقرّاً للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان في العام 2005 .

ولهذه الأسباب تعتبر لاهاي بحق باحة قضاء دولي، لا سيّما باحتشاد العدد الهائل في المنظمات القضائية العالمية فيها، مثلما تعد نيويورك عاصمة سياسية للأمم المتحدة، حيث مقر الجمعية العامة، التي تشكل منبراً مفتوحاً لجميع الأعضاء، في حين يتمتع خمسة من أعضاء  مجلس الأمن البالغ عددهم 15 عضواً بصفة العضوية الدائمة ولهم حق النقض (الفيتو)، أما جنيف فإنها تعد عاصمة ثانية (أوروبية) للأمم المتحدة، لا سيّما للحقوق الإنسانية، ففيها المجلس الدولي لحقوق الإنسان ومفوضية اللاجئين الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها .

وقد شهدت لاهاي كما تنطق (بالفرنسية)، وهيغ (بالإنجليزية) ودنهاخ (بالهولندية) مؤخراً مؤتمراً عالمياً للعدالة، وهو عبارة عن فضاء قانوني وقضائي ومعرفي ومدني مفتوح، شارك فيه أكثر من 500 شخصية، فيهم الكثيرون من المعتبرين في بلدانهم كشخصيات لها تميّز، لا سيّما كبار القضاة والمحامين والحقوقيين وعدد من المفكرين، إضافة الى عدد من النشطاء، بعضهم شغل مناصب وظيفية ومهنية محلية ودولية متقدمة، بما فيها عدد من العسكريين وجهات إنفاذ القانون .

اللافت أن هناك حضوراً أمريكياً شمالياً، لاسيّما من الولايات المتحدة، وأمريكياً جنوبياً، إضافة إلى حضور إفريقي، في حين كان الحضور الصيني والهندي محدوداً، أما الحضور العربي فكان ضعيفاً جداً، باستثناء تونس، وقد تم تكريم شخصيتين بارزتين، هما شخصيتان نسويتان مسلمتان آسيويتان، الأولى من إيران وهي المحامية شيرين عبادي، التي حازت جائزة نوبل في العام 2003 والثانية من بنغلادش، وهي ناشطة حقوقية ونسوية، وهو أمر إيجابي .

ويبقى السؤال: لماذ العدالة؟ وفي هذا الوقت بالذات، لا سيّما التركيز على موضوع استقلال القضاء ومهنيته ونزاهته، وكذلك موضوع الفساد المالي والإداري وسبل مكافحة هذه الظاهرة المستفحلة دولياً، ارتباطاً بحكم القانون ودور الفن والأدب والتربية والتعليم والإعلام والبيئة، وذلك في إطار خريطة شاملة ومسطرة قانونية متنوّعة، على الصعيد العالمي . وهنا لا بدّ من قراءة مدققة لسير توجه الرأي الأغلب، لا سيّما في مثل هذه المؤسسات الدولية الكبرى، وماذا يعني ذلك، خصوصاً خلفيّاته الفكرية والتعبوية، ونشاط المجتمع المدني، وبالتالي التوجّه الدولي والحكومي، لوضع حد لبعض هذه الظواهر الخطرة، على المستوى الكوني، لدرجة أن منتدى للعدالة الدولي World Justice Forum (WJF)، وهو مؤسسة كبرى مرموقة، تكرّسَ مؤتمرها الدوري (كل سنتين) لبحثه وبلورة توصيات بشأنه .

لقد ظلّت العدالة كفكرة هاجساً إنسانياً يسعى إليه الإنسان، ومهما حاول مقاربته، فإنه سيجد أن هناك بوناً شاسعاً بينه وبين تحقيق قيم العدالة كاملة . ولهذا فإن الأديان والفلسفات والأيديولوجيات كانت ولا تزال تسعى لتحقيق شكل من أشكال العدالة مستشرفة طموحاً لا ينتهي لتحقيقها كاملة، سواءً على الصعيد القانوني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنوع الاجتماعي (الجندر)، والقومي والديني، بكل أشكاله، لتلبية الحاجات الأساسية والمتطوّرة للإنسان، تلك التي لا تتوقف عند حدود، لأنها تتعلق بحقوقه  المتوالدة  المتراكبة، المتخالقة، والمستمرة .

     وشكّلت العدالة ركناً أساسياً من أركان كفاح الإنسان عبر التاريخ، بين الحق والباطل، وبين الغنى والفقر، ومن يملك ولا يملك، وبين الجهل والعلم، وبين الخير والشر، وذلك على امتداد الحضارات والثقافات والدول والأمم والشعوب، وكانت مسألة عدالة النظام الدولي محل تساؤل كبير منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فهل هي عدالة المنتصر؟ وما السبيل لقواعد ناظمة لسلوك الدول بحيث يتحقق التوازن  بين الحق والواجب من دون إهمال موازين القوى وإمكانات الدول وأحجامها وطاقاتها، وهي مسألة تؤخذ بنظر الاعتبار من الناحية الواقعية، حتى وإن كانت الدعوة للمساواة بين الدول تأخذ طريقها إلى الدول الصغيرة والكبيرة .

وقد كان القانون الدولي التقليدي مثلاً يجيز حق الفتح والغزو، من خلال الحق في الحرب واستخدام القوة لتحقيق أهداف الدولة “القومية”، بما فيها شن الحرب تحت عناوين الخطر الوشيك الوقوع، والحرب الاستباقية، ولكنه بالتدريج أخذت تلك المفاهيم تنحسر، ولا سيّما بعد أن تأسست عصبة الأمم في العام 1919 وقبل ذلك إعلان الرئيس الأمريكي ويلسون مبادئه الأربعة عشر في العام ،1918 والتي دعت إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما كانت ثورة أكتوبر الاشتراكية قد دعت إليه منذ العام 1917 .

وقد جاء ميثاق باريس أو ما يعرف باسم “ميثاق بريان كيلوك” في العام ،1928 ليحدّد استخدام القوة في العلاقات الدولية ويقننه، وصولاً إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945 والذي حرّم استخدام القوة أو التهديد بها، باستثناء حالات الدفاع عن النفس وفقاً للمادة 51 من الميثاق أو في إطار النضال من أجل حق تقرير المصير والانعتاق من الاستعمار والتبعية، ودعا إلى الحل السلمي للمنازعات الدولية، وخصوصاً بتأكيده احترام حق السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة بين الدول وحقها في تقرير مصيرها، مثلما دعا إلى التعاون الدولي لإنماء علاقاتها الاقتصادية والثقافية والإنسانية، وهي مبادئ جديدة انتشرت بفضل شيوع الأفكار الديمقراطية، بعد سقوط النازية والفاشية .

ولعل تلك القواعد الأساسية اعتمدها القانون الدولي، وسعى إلى تطويرها خلال العقود السبعة الماضية تقريباً، حتى وإن تم التجاوز عليها وانتهاك بعضها أو كلّها، كما هو بالنسبة لفلسطين، إلاّ أن وجود هذه القواعد يعد تطويراً للقانون الدولي يستحق العمل من أجل وضعها موضع التطبيق، جهوداً كبيرة حكومية وغير حكومية باتجاه مقاربة للعدالة ومفاهيمها .

وعشية الحرب العالمية الثانية وبُعيدها، تأسست الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية الخاصة بالعدالة، ومن بينها منظمة أمريكية عُرفت باسم “عالم السلام من خلال القانون” والتي بدأت عملها بعقد عدد من المؤتمرات المهمة دعت إليها أعداداً من المحامين والقضاة والعاملين في الحقل العام من نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وكان من أبرز هذه المؤتمرات، مؤتمر أثينا الذي انعقد في العام 1963 تحت عنوان “السلام من خلال القانون” ومؤتمر واشنطن الذي ضم 110 دول وحضره نحو 3200 محام وقاض بما فيهم قضاة المحكمة العليا و3 من أعضاء محكمة العدل الدولية وحقوقيون وأكاديميون ونشطاء مدنيون، كما انعقد مؤتمر نيودلهي في العام ،1967  وكانت تلك محطات مهمة على صعيد متابعة فكرة العدالة، لا سيّما خلال فترة الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب والذي دام كل فترة الحرب الباردة (1947-1989) .

وبحكم العولمة وتأثيراتها في المجتمع الدولي فقد تعاونت شخصيات وهيئات لتأسيس منتدى العدالة الدولي في العام 2007 الذي نظم أربعة مؤتمرات، الأول في فيينا (النمسا) والثاني في إفران (المغرب) والثالث في برشلونة (إسبانيا) والرابع في لاهاي (هولندا)، وكان الأخير بحكم تنوّع الحضور والموضوعات التي ناقشها تتويجاً للمؤتمرات الثلاث، لا سيّما أن فكرة العدالة سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي لا تزال تشكل أملاً موعوداً وإن كان غائباً من عالم اليوم، وما بين العدالة المنشودة والعدالة القائمة فارق كبير .



مكبّ النفايات الأمريكية/ عبدالحسين شعبان

تركت قوات الاحتلال الأمريكي بعد انسحابها من العراق (أواخر العام 2011) كمّيات ضخمة من النفايات السامة والمواد الخطرة التي خلّفتها في قواعدها العسكرية التي زادت على 500 قاعدة، وقبل انسحابها قامت بدفن الكثير منها في العراق بدلاً من إعادتها إلى الولايات المتحدة، حسبما تقتضي القوانين والاتفاقيات الدولية، لاسيّما اتفاقية بازل الدولية (سويسرا) لعام 1989 الخاصة بالتحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلّص منها، إضافة إلى قوانين وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” ذاتها . وحسب صحيفة ال”تايمز” فإن المواد السامة تشمل نحو 130 ألف طن من النفايات، علماً أنه تم التخلّص من 14 ألفاً و500 طن من الزيت النفطي والتراب الملوّث معه الذي تراكم خلال سنوات الاحتلال .

وقد أصيب الكثير من العراقيين الذين اقتربوا من هذه المواد بطفح جلدي وتقرّحات على الأيدي والأرجل واشتكوا من التعرّض إلى القيء والسعال، وشمل الأمر حتى الحيوانات، حيث تم الكشف عن الكثير من الفئران النافقة في المناطق التي تم دفن النفايات فيها . وكانت بعض الشركات الخاصة المتعاقدة مع القوات الأمريكية قد تكفّلت بالمهمة وقامت بخلط المواد السامة مع النفايات العادية، وسلمتها إلى عمّال محليين بتعاقدات داخل العراق على أنها مواد غير سامة .

أصبح ملف النفايات السامة موضوع تساؤل منذ الانسحاب الأمريكي من العراق، خصوصاً أن المواطنين العراقيين اكتشفوا بعض المواقع لمقابر النفايات السامة موجودة بالقرب من الطرق الرئيسة (بغداد - الموصل) و(بغداد -  الأنبار)، لأن أغلبية القواعد العسكرية تمركزت في هذه المناطق، حيث يوجد الكثير من الحاويات والسوائل غير المعروفة وأسطوانات الغاز المضغوط . وغيرها من المواد الشحمية والزيتية، فضلاً عن استخدامات اليورانيوم المنضّب والفوسفور الأبيض في الحرب على العراق العام 1991 والعام ،2003 حيث حدّد برنامج الأمم المتحدة للبيئة 311 موقعاً ملوّثاً يحتاج تطهيرها إلى عدّة عقود . وقد كشفت نرمين عثمان وزيرة البيئة العراقية (في 30/6/2010)، أن الجيش الأمريكي طمر في 30 موقعاً كميّات ضخمة من النفايات والمخلفات السامة .

وكانت قضية النفايات قد واجهت العراق بشكل حاد بعد الاحتلال، إثر انتهاء مفعول الاتفاقية العراقية - الأمريكية (نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2011)، حيث خلّفت القوات الأمريكية وراءها مواد سامّة ونفايات ضارة، وهي مخلّفات نحو 170 ألف جندي أمريكي، فقد تم تفكيك القواعد العسكرية على عجل وبطرق غير نظامية أحياناً، وتركت الكثير من المواد في المواقع التي غادرتها القوات الأمريكية أو بالقرب منها .

وقد اعترف الجنرال كينرال كوكس قبل عام من مغادرة القوات الأمريكية العراق (2010) قائلاً: لقد تراكمت (خلال وجودنا) ملايين من أرطال النفايات الخطرة، لكنه حاول التملّص من مسؤوليته حسب الدستور الأمريكي ومسؤولية رئيسه الحالي (أوباما) والرئيس الذي قرر الحرب على العراق (بوش)، وكان ذلك قبل الانسحاب الأمريكي من العراق . أما بعد الانسحاب فقد كانت النفايات أكثر خطراً وسموماً، لاسيّما مواد التشحيم والأحماض والبطاريات والمواد الكيماوية وغيرها من بقايا النفايات، والخردة . ولكن بحكم ضغط الرأي العام وارتفاع أصوات بعض المنظمات الإنسانية اضطرّ الجيش الأمريكي إلى فتح تحقيقات وملاحقة بعض المتورطين، ولاسيّما من المقاولين والمتعاقدين، لانتهاك المعايير الخاصة بالبيئة والصحة، فضلاً عن حقوق الإنسان .

إن استخدام الأراضي العراقية سلّة للمهملات بطريقة غير مشروعة، أو ترك مواد بعض المنشآت الخطرة على أرضه دون مراعاة قواعد السلامة والصحة، ألحق أفدح الأضرار بموارد العراق وبيئته وتلويث أرضه، ولعلّ ذلك وحده جريمة ضد الإنسانية، بعد جريمة الاحتلال وانتهاك حقوق الشعب العراقي ككل، وهي من صنف الجرائم الدولية التي ينبغي إلزام الولايات المتحدة والشركات والأفراد المتعاقدين معها، بالمسؤولية القانونية الدولية، ومطالبة جميع هذه الجهات بدفع تعويضات لكل ما أصاب العراق من خسائر مادية ومعنوية بسبب تلك الممارسات غير الإنسانية والمنافية للاعتبارات القانونية والأخلاقية .

ولو لم توقّع بغداد على الاتفاقية العراقية - الأمريكية في أواخر العام 2008 لكان بإمكان العراق مطالبة واشنطن كدولة بالتعويض عن كل ما أصاب الشعب العراقي من غبن وأضرار بموجب القرار 1483 الصادر في 22 مايو/ أيار 2003 الذي شرعن للاحتلال، وبموجبه أصبحت القوات الأمريكية والبريطانية قوات محتلة ينطبق عليها اتفاقيات جنيف للعام 1949 وملحقيها للعام ،1977 أي البروتوكول الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، طبقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني .

ولعلّ الأمر يحتاج حالياً إلى جهد جماعي ودبلوماسي دولي، حكومي وغير حكومي، لمطالبة واشنطن بالتعويض ليس عن تبعات احتلالها فحسب، ولا سيما المستمرة، بل بسبب ما خلّفه انسحابها أيضاً من أضرار، وخاصة تلك التي تتعلق بترك مخلّفات ودفن نفايات ومواد سامة كانت استخدمتها في القواعد العسكرية الأمريكية، ولا تزال وستبقى تأثيراتها لعشرات السنين .

إن قضية دفن النفايات والمواد السامة لم تعد قضية داخلية بحتة في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام، وهو أمر يقتضي تحويله إلى قضية دولية، لا سيّما المطالبة بتطبيق اتفاقية بازل التي تقضي بإعادة المواد السامّة والمشعّة إلى أراضي الدولة التي استخدمتها .

وبهذه المناسبة نشير إلى أنه لدى مراجعتنا لاتفاقية بازل والدول الموقعة والمصدّقة عليها، اكتشفنا أن الولايات المتحدة لم تصادق عليها، علماً بأن القوانين الأمريكية ذاتها تقضي بعدم نقل هذه المواد السامة إلى بلد آخر، ولا سيّما من البلدان النامية أو ما يسمّى بالعالم الثالث، أو ما يطلق عليه “دول الجنوب” أو “الدول الفقيرة” أو “الريف العالمي”، فالعالم كلّه غدا متداخلاً ومتفاعلاً ويؤثر بعضه في بعضه الآخر سلباً أو إيجاباً، وكلّما ازداد العالم انقساماً تعاظمت مشكلاته، خصوصاً في ظل التفاوت الطبقي والاجتماعي والاختلال في توزيع الثروة ومحاولات فرض الهيمنة ونهب خيرات الشعوب، فضلاً عن المستوى الثقافي والتعليمي والاستفادة من منجزات العلم والتكنولوجيا .


دبلوماسية حقوق الإنسان/ عبدالحسين شعبان

ظلّ النظام العربي لحقوق الإنسان يواجه تحدّيات كبيرة منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر/كانون الأول العام 1948 مروراً بإبرام العهدين الدوليين، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام ،1966 واللذان دخلا حيّز التنفيذ في العام 1976 .

وإذا كان الحديث عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فالقصد منه هو منظومة الحقوق التي جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإن كانت لا تتمتع بصفة الإلزام، تلك التي جرى تقنينها على نحو محدّد ومُلزم في العهدين الدوليين المشار إليهما كاتفاقيتين دوليتين ملزمتين، أي مُنْشِئتين لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها، وكما يقال باللاتينية Jus Cogens، وهنالك من يضيف إلى الاعلان العالمي والعهدين الدوليين، البروتوكولين الاختياريين للشرعة الدولية، علماً أنه صدر منذ نحو ستة عقود ونصف العقد من الزمان نحو 100 اتفاقية ومعاهدة دولية، ملزمة للدول التي وقّعت وصادقت عليها، ويمكن أن تندرج كخلفية للمرجعية الدولية لحقوق الإنسان .

لعلّ العمل الحقوقي العربي وعلى مستوى جامعة الدول العربية، يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد للمواءمة مع منظومة الحقوق الدولية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تلك التي تضمنتها الشرعة الدولية . وكان مجلس حقوق الإنسان الدولي قد طلب من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تنظيم حلقات عمل بشأن الترتيبات الإقليمية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان بهدف تقييم التطورات التي طرأت على هذا الموضوع نفسه، سواء في حلقة العمل التي نظمتها الأمم المتحدة في  سبتمبر/أيلول 2010 أو بشكل عام، وبدوره طلب المجلس مناقشة التجارب الملموسة والعملية للآليات الإقليمية بهدف استخلاص الدروس الضرورية وتحديد أشكال التعاون الجديدة الممكنة .

واستناداً إلى اجتماع مجلس جامعة الدول العربية (على مستوى القمة) في دورته العامة من 24-26 آذار/مارس 2013 فقد تقرّر عقد مؤتمر لمنظمات المجتمع المدني في الدول الأعضاء بشأن تطوير منظومة حقوق الإنسان، وهكذا انعقد في الدوحة 3-4 حزيران/يونيو 2013 مؤتمر ضمّ العديد من المنظمات، إضافة إلى خبراء بهدف تطوير المنظومة العربية لحقوق الإنسان عن طريق تطوير واستحداث مواثيق وآليات لحقوق الإنسان في جامعة الدول العربية، ترقى إلى مستوى تطلّعات الشعوب العربية، خصوصاً أن ميثاقها لايزال قاصراً  في هذا الميدان من حيث الأهداف والوسائل، إضافة إلى الآليات الضرورية، وبقدر تناول التحدّيات وهي لاتزال كبيرة في الدساتير والتشريعات والقضاء والتربية والتعليم والمجتمع المدني والإعلام، فقد تم عرض الفرص والإصلاحات المتحققة والمنشودة والنواقص والثغرات على هذا الصعيد، مثلما توقّف المؤتمر عند تطوير المنظومة الحقوقية، في ما يتعلق بتطوير الآليات وتفعيل الشراكة بين المنظومات الدولية والإقليمية .

وتوقّف المؤتمر عند موضوع تعزيز العلاقات العربية في هذا المجال التي تشكّل ضرورة لا غنى عنها، وكذلك بينها وبين النظام الأوروبي والأمريكي والإفريقي لحقوق الإنسان، وتعدّ هذه الأنظمة الإقليمية متطورة إلى حدود كبيرة قياساً بالنظام الإقليمي العربي في ما يتعلق بآليات حقوق الإنسان وسماع الشكاوى الفردية، ومثل هذا النشاط والتوجّه على المستوى الدولي والإقليمي، وخصوصاً فكرة التواؤم مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وتشجيع الانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتصديق عليها، هو ما يمكن أن نطلق عليه “دبلوماسية حقوق الإنسان”، لأنها تتعلق بمدى مشاركة العرب في الميدان الدولي بتفعيل حقوق الإنسان، من خلال تطوير أدائهم الداخلي أو عبر تحسين علاقتهم مع العالم، بخصوص التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان، وذلك بملاقحة الخصوصية بالعالمية، والمحلية بالكونية والجزئية بالكلية، من خلال المشترك الإنساني والروافد البشرية التي تشكّل تفاعلاً حضارياً وثقافياً بين بني البشر، أساسه الحرية والمساواة والمشاركة والعدالة والاعتراف بالآخر وحقوقه دون تمييز .

ولعلّ جامعة الدول العربية تحتاج إلى منظومة كاملة من الآليات لتطويرها أولها تبدأ بإعادة النظر في ميثاقها وتعديله باتجاه التواؤم مع احترام حقوق الإنسان، وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة قد جاء على ذكر حقوق الإنسان 7 مرّات وأصبح قاعدة آمرة ملزمة Jus Cogens  وذلك بعد مؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي العام 1975 حيث اعتبرت، قاعدة مستقلة ضمن 10 قواعد للقانون الدولي المعاصر، وإن كان لها علوية خاصة، فإن ميثاق جامعة الدول العربية لم يرد فيه أي ذكر لحقوق الإنسان أو للمجتمع المدني، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة نظر جذرية بجوهره ومضامينه على نحو شامل، فضلاً عن تطبيقاته .

وتتعلق هذه الآليات بالعنف ضد المرأة والعنف الأسري والوقاية من التعذيب وحماية حرية التعبير، لا سيّما الحرص على ضمان حماية الإعلاميين وحماية استقلال القضاء وحياديته ونزاهته وتطوير الآليات التعاقدية وغير التعاقدية لحماية حقوق الإنسان، الأولى الخاصة، بالدعوة إلى تشكيل محكمة عربية لحقوق الإنسان، وتطوير الميثاق العربي الذي أبرم في العام 1994 ودخل حيّز التنفيذ في 15 آذار/مارس 2008 بمصادقة سبع دول وانضمام عشر من الدول الأعضاء وهي البحرين والأردن وقطر والجزائر وفلسطين وليبيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسوريا واليمن، وانضمت جمهورية العراق مؤخراً، وجعله يرتقي إلى مصاف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وتطوير عمل لجان تقصي الحقائق .

أما الثانية منها فتتعلق بتطوير عمل اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان في إطار جامعة الدول العربية التي تأسست في العام 1968 قبيل مؤتمر طهران الدولي، واستجابة لنداء الجمعية العامة للأمم المتحدة لتشكيل لجان وطنية لمواصلة تطوير منظومة حقوق الإنسان بعد مرور عشرين عاماً على صدور الميثاق وعامين على صدور العهدين الدوليين، وتشمل منظومة الإجراءات غير التعاقدية استحداث مقررين خاصين وفرق عمل وغيرها .

لعلّ اجتماع العديد من منظمات المجتمع المدني إضافة إلى خبراء عرب، كان فرصة مهمة لتبادل الرأي ولبلورة طائفة من المقترحات تم تسليمها إلى الأمين العام المساعد أحمد بن حلّي لتطوير منظومة حقوق الإنسان، بهدف إنفاذها في إطار خطة عربية شاملة، مع مراعاة خصوصية كل بلد عربي وتطوّره، وذلك ترافقاً مع خطة دولية وإقليمية لجلب التأييد المنشود لهذه المنظومة لوضعها موضع التنفيذ، فلم يعد “مبرراً” لا سيّما بعد التغييرات الحاصلة في العالم العربي، في إطار “الربيع العربي” التقاعس أو التهاون أو التلكؤ إزاء السير مع المجتمع الدولي لتأمين احترام حقوق الإنسان وحرياته ضمن آليات معتمدة دولياً ومعترف بها على مستوى حكم القانون ومبادئ المساواة والمواطنة التامة في إطار منظومة حقوق الإنسان .

إن ذلك يستجيب لأطروحة دبلوماسية حقوق الإنسان، التي يمكن للمجتمع المدني العربي أن يكون فيها راصداً ورقيباً من جهة وقوة اقتراح وشراكة مع الحكومات في اتخاذ القرار من جهة ثانية، وتلك المهمة التي ينبغي على جميع منظمات حقوق الإنسان وضعها نصب عينها لتطوير أدائها بما يعزز ويشارك في تنفيذ خطط التنمية ويضع أولويات لاستراتيجياتها في هذا المجال، وهو ما كانت تسعى إليه منذ العام 1971 حين جرت أول مناقشة لفكرة ميثاق عربي لحقوق الإنسان، والتي اكتملت خطوتها الأولى في العام 1994 بصدور الميثاق .

وعلى الرغم من بعض النواقص والثغرات التي احتواها الميثاق العربي لحقوق الإنسان، إلاّ أنه كان خطوة تمهيدية مهمة على هذا الصعيد، ويتطلّب الأمر من العمل الحقوقي المدني تقديم المقترحات الضرورية لتطويره ومعالجة بعض عيوبه ومثالبه من جهة، ومن جهة أخرى وضعه موضع التطبيق، ليصبح منسجماً مع التطوّر الدولي على هذا الصعيد، وهذا يفترض مشاركة عربية فاعلة وحيوية للمجتمع المدني على مستوى اجتماعات القمة ومجلس الجامعة، بهدف التواصل والتفاعل وصولاً إلى نظام عربي لحقوق الإنسان يستجيب للتطور الكوني ويشارك فيه بحيوية، يأخذ بنظر الاعتبار الرافد العربي لحقوق الإنسان استناداً إلى خصوصيته التاريخية وتميّزه في إطار الحقوق الإنسانية ذات الطبيعة الشاملة والعالمية، باعتبارها تتعلق ببني البشر بغض النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولونهم وأصلهم الاجتماعي واتجاههم الفكري أو السياسي .









النهضة والمشروع النقدي    

عبدالحسين شعبان

لا يمكن الحديث عن مشروع نهضوي عربي جديد دون الاستناد إلى ثلاثة عوامل أساسية، أولها إعلاء شأن الحرية، استناداً إلى حرية الفرد والمجتمع، وثانيها إعادة النظر في مفهوم الهوّية، لا سيّما العلاقة بين الهوّية الجامعة العامة الموحّدة، وبين الهوّيات الفرعية، بالاعتراف بقيم التنوّع والتعددية والتمايز والاختلاف، وثالثها الإقرار بالحقوق الإنسانية بما تتطلبه من مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة وعدم التمييز .

ولعل الحديث عن مشروع النهضة لا ينفصل عن القراءة النقدية الأبستمولوجية، ابتداءً بالتراث ووصولاً إلى شروط التغيير، وذلك من خلال النقد العقلاني التاريخي بما فيه الديني والتأويلي التي تشمل نقد المسلّمات والفكر اليومي والسائد .

أما القراءة الثانية فتقوم على نقد الأيديولوجيا السائدة سواءً كانت دينية أو قومية أو يسارية في منطلقاتها ومرجعياتها، خصوصاً لما عفا عليه الزمن ولم يعد صالحاً .

أما القراءة الثالثة فهي قراءة تستند إلى الثقافة خصوصاً من زاوية القيم الإنسانية التي تقوم عليها، في إطار عملية التنمية الثقافية السوسيواقتصادية، بما فيها وسائل الاتصال والمعرفة الحديثة وعلاقتها بقضية العدالة الاجتماعية .

ومثل هذه القراءات تحتاج إلى مراجعة نقدية واضحة وصريحة لمشروع التغيير لمرحلة ما بعد الاستقلال، لا سيّما لنكوص العديد من أركانه، خصوصاً مع عودة العلاقات القديمة والولاءات ما قبل الدولة: الدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية وغيرها، تلك التي أسهمت في تبديد المشروع وتشتيت القوى القائمة عليه، بل ودفعتها باتجاه تناحري إلغائي وإقصائي .

والمسألة الثانية التي تحتاج هي الأخرى إلى إقرار، هي تراجع القوى والجماعات التي حملت لواء الحداثة والتقدم، بل وارتدادها أحياناً إلى جماعات محافظة، وتحوّلها من قوى راديكالية إلى قوى محافظة، بل إلى قوى رجعية في الكثير من الأحيان، لا سيّما عندما تسلّمت مقاليد السلطة، وتحت مبررات الدفاع عن وجودها والحفاظ على مواقعها، قمعت كل رأي معارض بما فيه حلفاؤها .

والاعتراف الثالث الذي ينبغي إعمال النقد فيه هو فشل المشروعات الثورية الخمسينية والستينية، بل وارتدادها بحيث انقلبت الثورات إلى نقيضها، إلى درجة أن البعض كفر فيها، في حين كان يمكن للتطوّر التدريجي والتراكم التاريخي والإصلاح المؤسسي الطويل الأمد، أن يؤدي إلى إنضاج عوامل التغيير من دون الحاجة إلى عمليات قيصرية وانقلابات عسكرية وأخرى مضادة وهكذا .

وإذا كانت هذه المراجعة ضرورية، لأن العديد من القوى والشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية بدأت تقتنع بها وتميل إليها، فإنها بحاجة إلى تأصيل وحوار مجتمعي يحرّم العنف ويضع التغيير السلمي لعقد اجتماعي جديد، وهو ما فعلته بعض قوى دول أمريكا اللاتينية، التي استبدلت بشعار الثورة عبر الكفاح المسلح، شعار “الثورة من خلال صندوق الاقتراع”، خصوصاً بعد أن أصبح الارتداد على الماضي، بل وتقهقر خطط التنمية والتغيير، سمة مميّزة للثورات السابقة، والأمر لا يقتصر على المشروعات التغييرية العربية فحسب، بل إن له أبعاداً عامة، لا سيّما انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وانحلال الكتلة الاشتراكية، بعد نهج شمولي استبدادي بالضد من الشعارات التي روّجت لها وحملتها لسنوات تبشّر فيها بالثورة والتغيير، بحيث عادت مسألة الهوّية إلى الانبعاث على نحو عكسي لما هو قائم من وحدات ظهرت قسريتها وسلطويتها على نحو واضح .

وهنا يمكن لفت الانتباه إلى أن بعض المراجعات ذهبت أبعد من ذلك حين “أثّمت” جميع محاولات التغيير، على الرغم من ضرورتها واضطرارها أحياناً، دون نسيان أخطائها وارتكاباتها وهدرها حقوق الإنسان، كما “مجّدت” الماضي بكل عيوبه ومثالبه .

المسألة الرابعة التي ينبغي الإقرار بها هي أن مشروعات الإصلاح التي رفع لواءها عدد من الروّاد مثل: رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وحسين النائيني وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وغيرهم، لاتزال تحتاج إلى مراجعة وتجديد انسجاماً مع التطور الدولي، لا سيّما في مفاهيم حقوق الإنسان، وذلك استناداً إلى بناء الدولة، أو إعادة بنائها باعتمادها على الديمقراطية والتنمية والعدالة ومبادئ المساواة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون التنمية، وهذه تحتاج إلى تربية وتعليم، كما تحتاج إلى الديمقراطية، التي هي الأخرى تستوجب إقراراً من جانب الناس، وتأييداً من قوى المجتمع وتياراته المختلفة ونقاباته واتحاداته المهنية الحرّة، أي بتوفّر الإرادة السياسية للتغيير، كي يكون قاعدياً ومن خلال قناعة الناس .

لقد انتهى أو انحسر مفهوم الانقلاب المفاجئ العسكري، الثوري، الذي تقوم به نخبة فوقية بهدف تغيير المجتمع وإحقاق الحق وإقامة العدل، فالتغيير بحاجة إلى دور أساسي من جانب المجتمع وقواه وهيئاته، وإلى إشراك أوسع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً للقوى التي تستهدفها عملية التنمية الشاملة بجميع أبعادها الإنسانية .

وقد أظهرت حركة التغيير في العالم العربي على الرغم من تأخّرها لنحو عقدين من الزمان عن الموجة العالمية التي بدأت مرحلتها الثانية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية في نهاية الثمانينات، أن العالم العربي غير معزول عمّا يجري في العالم وأنه جزء من أرخبيل مفتوح وليس بركة مغلقة، وأن القيم الإنسانية واحدة في ما يتعلق بكرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وهناك مشتركات إنسانية عامة تخص بني البشر بغض النظر عن قوميتهم ودينهم ولغتهم وجنسهم وأصلهم الاجتماعي وأفكارهم السياسية وغير ذلك .

فالحق في الحياة واجب، والحق في التعبير والتنظيم والاعتقاد والمشاركة السياسية هي حقوق أساسية تخص الإنسان أينما كان، ومثل هذه الحقوق تتعلق بالحق في العمل والسكن والتطبيب والضمان الاجتماعي والراحة والتمتع بأوقات الفراغ وكذلك بمنجزات الثقافة، مثلما هو الحق في عدم التعرّض للتعذيب وأي عمل يحطّ  من كرامة الإنسان أو ينتقص منها، كما هو الحق في شخصية معنوية قانونية، بما فيها المساواة أمام القانون والحق في الجنسية والحق في التنقل والإقامة وغير ذلك من الحقوق .

وتلك أمور لها علاقة بالحداثة وما أفرزته من تطوّر، لا سيّما في ظل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والثورة الرقمية “الديجيتل”، خصوصاً بإقرار تنوّع واختلاف البشر وتعدد أعراقهم وأديانهم وجنسياتهم وأجناسهم وألوانهم ومستوياتهم الاجتماعية وأفكارهم السياسية .

إن التغيير الذي حصل في العديد من البلدان العربية هو جزء من تغيير عام سيصل إلى بلدان أخرى بطرق مختلفة حتى وإن انثلم أو تصدّع أو تعرّض لمحاولات الهيمنة عليه، فالماضي أصبح ماضياً، ولا يمكن إعادته بأي شكل من الأشكال، وليس بوسع الناس الذين خرجوا إلى الميادين وفرضوا التغيير إعادتهم إلى القمقم من جديد، كما لا يمكن لأحد عزل نفسه عن حركة التغيير والتحديث، خصوصاً أن أفق الحرية المجتمعية واسع، لا سيّما في ظل ارتفاع شأن الحرية الفردية، وصعود الهوّية، سواء على المستوى العام، الجماعي، أو الفردي، وذلك جزء من الحقيقة الاجتماعية الجديدة، فلم تعد الشعارات ذات الطبيعة الأيديولوجية هي التي تحرّك النخب، بل وتقودها، إنْ لم تُقد من قبلها، خارج نطاق الحرية، الضرورة، الحاجة التي لا يمكن إحداث النهضة المنشودة، والتنمية المنشودة، والعدالة المنشودة من دونها .

وإذا كان الحديث عن استراتيجيات وثوابت وطنية، فلعلّ الاستراتيجي المستمر والثابت المتواصل، هو الحرية وليس غيرها، والحرية هي غاية الإنسان، التي ينبغي أن يخضع لها كل شيء، لأنها تمثل القيمة العليا، وتلك هي التي تمثل الديناميكية الحركية، الاجتماعية والفردية التي تجسّد الهوّية ذات الأبعاد الإنسانية بمضمونها الجماعي أو الفردي، والتي مثلت الفاعلية التاريخية لحركة التغيير العربية اليوم، من دون نسيان محاولات المعاكسة والتراجع والتحدّيات التي تواجهها، والمنزلقات التي يمكن أن تُدفع إليها .



عن الكرد والنجف والثقافة/ عبدالحسين شعبان

أن ينعقد ملتقى للثقافة العربية - الكردية، فهو أمر جدير بالتأمل، لا سيّما وهو يأتي في ظل أوضاع ملتبسة وتوترات محسوسة . وإذا كان مثل هذا الملتقى قد اتخذ من الثقافة عنواناً فهو أمر يستحق التوقف عنده للدلالة والمعنى، بعدما طغت السياسة على كل شيء .

وبعد كل هذا فإن اختيار النجف، المعلم الحضاري، الديني والمدني العلمي والثقافي في الآن لانعقاد الملتقى، سيكون له مغزى كبير، فللمكان ذكرى وذاكرة ووقع خاص، فالنجف السعيد أو ما تكنّى ب “خدّ العذراء”، أو الغري أو المشهد، التي تحتضن الملتقى تستمر كأنها سفرٌ مستديم، بل أقرب إلى ملحمة درامية يجتمع فيها الأبطال والضحايا، المرئي واللامرئي، المنظور والمتخيّل . وهذه النجف الحاضنة للفقه وعلوم اللغة والقرآن والأدب عرفت قصائد الحب ورسائل الغزل، وعلّمت أبجديات الحرف الثوري الأول، مازجة الفلسفة بالشعر والسياسة بالثقافة والتمرّد بحب الناس .

كانت الثقافة عنوان الملتقى، وهي شأن راق في عقول النجفيين ونخبهم، فالمدينة العربية تحتضن الثقافة الكردية، وذلك لعمري تعبير عن رحابة صدر النجف وإيمانها بالتعددية والتنوّع . والنجف حين تنظّم مثل هذا الملتقى، إنما تريد تأكيد دورها الحضاري والثقافي، كحاضرة مستمرة للثقافة، بكل ألوانها وتجلّياتها .

والنجف حين تنفتح على الآخر، تريد أن تقول إنها مدينة “مدنية” بكل معنى الكلمة، عربية اللسان، مفتوحة لاستقبال الوافدين، وهي جامعة كونية وسوق تجاري عالمي . وهي مدينة تتجاور فيها المدارس الدينية والحوزة العلمية لدرجة التماهي أحياناً، مع الفكر المدني الحر في هارموني عجيب، حتى إن كان من باب جوار الأضداد، وتاريخياً وعلى الرغم من طابعها المحافظ، فقد كان الفكر المنفتح يجد طريقه مبكّراً إليها، وهو ما لفت إليه السيد مصطفى جمال الدين في كتابه “الديوان” .

ولأن النجف حاضرة لا يمكنها أن تعيش من دون الآخر، فهي تجد تكاملها معه، هي أقرب إلى ملتقى أممي لا يعرف التعصّب، تتعايش فيها الأقوام واللغات والسلالات من أصقاع شتى، يدرسون في جامعتها التي مضى عليها أكثر من ألف عام، منذ أن جاءها الإمام الطوسي سنة 448 هجرية، لهذا فإن انعقاد ملتقى الثقافة العربية - الكردية في النجف حدث غير اعتيادي .

ولعلّ انعقاد ملتقى الثقافة العربية- الكردية، كان مناسبة للحديث عن حكاية الحوار العربي- الكردي، لما له من علاقة بثقافة التواصل والتفاعل والمشترك الإنساني، انطلاقاً من موقف متميّز لليسار العراقي الذي كان قد بلور فكرة حق تقرير المصير للكرد منذ العام 1935 واتّخذ قراراً في الكونفرنس الثاني العام 1956 بالانطلاق من الفكرة الأولى إلى بلورة “الاستقلال الذاتي”، في إطار بحث مشروع عن الهوّية والوحدة القومية، وصولاً إلى الحكم الذاتي منذ مطلع الستينات، فالفيدرالية منذ مطلع التسعينات، وقد استند في ذلك إلى قراءة فكرية للتنوّع الثقافي وللأبعاد والقيم الإنسانية المتعلقة بالحقوق السياسية بالدرجة الأولى وتساوقاً مع التطور الدولي . ولعلّ ذلك ما تشرّب به أكثر من جيل، وشكّل أحد الهواجس المستمرة، وإنْ كانت زاوية النظر إليه مختلفة أحياناً، بين من يكون في السلطة ومن يكون خارجها، وبين التيارات المتشدّدة والاتجاهات المنفتحة .

وكانت قضية الكرد قد اختفت من الأروقة الدولية، منذ الالتفاف على معاهدة سيفر الصادرة في العام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الشعب الكردي، بإبرام اتفاقية لوزان للعام ،1923 لكنها عادت مجدداً، كما يؤرخ لها كانت بصدور القرار 688 عن مجلس الأمن الدولي في 5 إبريل/ نيسان  1991 بعد غزو القوات العراقية للكويت، وهو القرار الخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين . وقد حدث ذلك إثر مشاهد الهجرة الجماعية للكرد بعد فشل الانتفاضة في جنوب وشمال العراق (كردستان) في حينها .

وحكاية الحوار العربي- الكردي طريفة، فقد التأم (خارج العراق) في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن في العام ،1992 وشارك فيه عدد من الشخصيات العراقية العربية وفي مقدمتها السيد محمد بحر العلوم، عامر عبدالله، الدكتور حسن الجلبي، هاني الفكيكي، محمد عبد الجبار وآخرون، إضافة إلى نحو 20 مثقفاً عربياً من السودان وسوريا ومصر ولبنان والسعودية وفلسطين وليبيا وتونس والبحرين . أما من الكرد، فقد شارك محسن دزئي وابراهيم أحمد ولطيف رشيد ومحمود عثمان وهوشيار زيباري وعمر شيخ موس ومحمد هماوندي ومحمد قرداغي وسامي شورش وآخرين . وكُتب عنه الكثير .

وكانت المبادرة، ثقافية، فكرية، إنسانية، لا سيما الشعور بالحاجة للإجابة عن أسئلة تاريخية، إضافة إلى مشكلات “راهنة” آنذاك، أفرزتها ما تعرّض له الشعب الكردي من اضطهاد وعسف، إضافة إلى الشعب العراقي بشكل عام . وكان الفريقان الكرديان قد رحّبا بالمبادرة وتبنّيا فكرة عقد دورة ثانية للحوار العربي- الكردي، لكن الأمر لم يحصل بسبب القتال الكردي- الكردي الذي استمرّ نحو 4 سنوات (1994-1998) وراح ضحيته مئات من الأبرياء، إضافة، إلى خسائر مادية ومعنوية كبيرة .

في أواخر العام 1998 نضجت فكرة حوار عربي- كردي، وتم الحصول على موافقة القاهرة لانعقادها، وتوّلى الحزبان التحضير لها، وحضر جلال الطالباني ومحسن دزئي وهوشيار زيباري ومحمود عثمان وعدنان المفتي وعادل مراد وعمر بوتاني وعزيز محمد وبهاء الدين نوري وعبد الخالق زنكنة ولطيف رشيد وسامي عبد الرحمن وآخرون، كما حضرت شخصيات مصرية مرموقة مثل أحمد حمروش ومحمد فايق وسعد الدين ابراهيم وحلمي شعراوي ومحمد السيد سعيد وآخرين، لكن الحضور العربي العراقي كان ضعيفاً ولم يحضر سوى عدد محدود، وهو أقرب إلى الحضور البروتوكولي وقد أبديت مثل هذه الملاحظة عند حضوري لمؤتمر القاهرة للجهات المنظّمة . ولم يشارك في المؤتمر كرد تركيا وكرد إيران وكرد سوريا، كما لم تكن هناك مشاركة عربية “أخرى” .

وكان من المفترض انعقاد دورة ثالثة للحوار العربي- الكردي في العام 2001 بحضور نحو 80 شخصية عربية ويوازيها نحو 80 شخصية كردية تمثّل فاعليات وأنشطة فكرية وثقافية وحقوقية وسياسية مختلفة، بما فيها من المنفى، وجرت الاستعدادات اللازمة لذلك وبُذلت جهود مضنية ربما ستسنح الفرصة للحديث عنها، لا سيما وكان صلاح بدر الدين (قيادي كردي من سوريا) قد اشتغل على تأسيس جمعيات للصداقات العربية- الكردية وحضر عدداً من المؤتمرات دعا فيها إلى ذلك، كما كان عدد من المنظمات الدولية والحقوقية بشكل خاص قد اتّخذ قرارات بتأييد حقوق الشعب الكردي بما فيها حقه في تقرير المصير، لكن الخلافات بين الحزبين حالت دون ذلك، وانحلّت اللجنة التحضيرية التي كان لي شرف عضويتها كمبادر للفكرة .

وبعد الاطاحة بالنظام السابق وعلى الرغم من ظروف الاحتلال، جرت محاولات في كل من أربيل والسليمانية لعقد عدد من المنتديات والملتقيات السياسية تحت عناوين الحوار العربي - الكردي بعضها لم يخلُ من طموحات شخصية ومهرجانات عامة، وكنتُ قد اقترحت تأسيس كيانية ثقافية جديدة للحوار، خصوصاً في الوسط الثقافي للتواصل الإنساني بين المثقفين العرب والمثقفين الكرد، لتنظيم ملتقى للحوار بين مثقفي الأمم الأربعة الترك والفرس والعرب والكرد، بما يساعد على التفاعل والتلاقح الثقافي، وسيكون مفيداً إيجاد مرجعيات للحوار ومأسسته .

ولعلّ تأسيس معهد عربي- كردي سيكون في غاية الأهمية ويمكن توسعه إلى معهد للثقافات الشرقية، لا سيما للشعوب المتجاورة، بهدف تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، إضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة للعرب والكرد والهوّية الخاصة لكل منهما على انفراد ومنها:

* محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي، وإضعاف ما هو مشترك وإيجابي في العلاقات وتقديم ما هو خلافي وإشكالي .

* اعتبار العرب والعروبة مسؤولين عمّا حدث للكرد من اضطهاد وعسف شوفيني، وتحميل العرب والعروبة ارتكابات النظام السابق وآثامه .

* اتهام الكرد بالانفصالية والعداء للعرب لمطالبتهم بحق تقرير المصير وإقامة كيانية خاصة مستقلة، وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث بعد الاحتلال . ومثلما ينبغي التمييز بين عروبة الحكّام المستبدين وعروبة العرب، فإن ضيق أفق بعض النخب الكردية الانعزالية لا ينبغي أن يتحمّله المثقفون الكرد، تمثيلاً لإرادة العيش المشترك من الطرفين .

* تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني من قضايا شائكة ومعقدة، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى .

* عدم اكتراث بعض عرب العراق بمسألة كرد إيران وكرد تركيا وكرد سوريا وحقوقهم المشروعة، مثلما يتم اظهار عدم اكتراث بعض كرد العراق أو غيرهم من الكرد بالعلاقات مع “إسرائيل” وبحقوق الشعب العربي الفلسطيني .

وكصورة لعقد سياسي واجتماعي جديد للعيش المشترك، يمكن للمثقفين العرب تبديد مخاوف الكرد، من خلال الاعتراف بحقوقهم، لا باعتبارها منّة أو هبة أو هديّة، بقدر كونها إقراراً بواقع أليم، فضلاً عن مبادئ المساواة والشراكة والمواطنة، مثلما يمكن للمثقفين الكرد تبديد مخاوف العرب بتأكيد اعتبارهم جزءاً من العراق في إطار حق تقرير المصير الذي اختاروه عبر النظام الفيدرالي .

         




التفكير الديني وفقه المعرفة / عبدالحسين شعبان

يمكن القول إن التفكير الإسلامي المعاصر إزاء علاقة الدين بالدولة مرّ بمراحل أربع أساسية، ضمّنها د . رضوان السيد في بحثه المقدّم إلى ندوة مركز دراسات الوحدة العربية المنعقدة في تونس في 10 - 14/10/2012 وقد وجدت نفسي أقف على الأرضية ذاتها متواصلاً ومتفاعلاً معها بقراءة تلك العلاقة من منظور نهضوي أقرب إلى الفقه الاجتهادي، مقارناً ذلك بواقع الحال الذي تفصله هوّة سحيقة بين الفكر والواقع وبين النظرية والممارسة، وهو ما تناولته في كتابي “فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي: الثقافة والدولة” .

ولكنّ ركوداً وانكماشاً لدرجة السبات أعقبا حركة النهضة العربية وفكر التنوير الإسلامي، الأمر الذي جعل الفجوة تتسع بين فقه التفكير وفقه الواقع، بما فيه من تعارض وخصومة شديدة أحياناً، لا سيّما في التطبيق والممارسة، بفعل سيادة الأفكار التقليدية والمحافظة، التي شكّلت كابحاً كبيراً لتطوير نمط التفكير الإسلامي وتوجهاته وأساليبه .

وخلال القرن العشرين كلّه، وباستثناءات محدودة، كان التفكير الإسلامي ينطلق من علوم ومسلّمات فترة الجمود تلك التي عفا عليها الزمن، وقد صحّت تسميتها بالفترة المظلمة، بل إن مستوى التفكير عاد القهقرى إلى أبعد من ذلك لدرجة لا يمكن مقارنته بما وصل إليه الفقه الإسلامي من تطور في القرن الثالث الهجري، على الرغم من القرون الأحد عشر التي تفصلنا عنه، إلى أن جاءت الثورات العربية، فأحدثت نوعاً من الرجّة الجديدة في مستوى التفكير الإسلامي وفي الحركية الإسلامية في الوقت نفسه، حيث اندفع الجميع إلى اللعب على المكشوف، بمن فيهم بعض الجماعات التي حاولت الجلوس على كرسيين، فتارة مع المحافظين والمتشددين، وأخرى مع فكرة الدولة المدنية وقبول آليات الديمقراطية، لكن المناقشة بدأت تخترق الحواجز وتنتقل من الأوكار السرية والغرف المغلقة والجوامع، إلى الساحات والجامعات وقبب البرلمان والإعلام، لتناقش علاقة الدين بالدولة، في ظل العولمة .

المراحل الأربع للتفكير الإسلامي قبل الثورات العربية يمكن تلخيصها كما ورد ذكرها هي:

أ- المرحلة الأولى- مرحلة رفاعه الطهطاوي، وكتابه الشهير “تلخيص الأبريز في تلخيص باريز”، وخير الدين التونسي وكتابه الشهير “أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك” . وإذا كان الأول قد ركّز على المصالح العمومية، فإن الثاني ركّز على المؤسسات .

ب - أما المرحلة الثانية فهي تمتد من جمال الدين الأفغاني “وفكرة الجامعة الإسلامية” ومحمد عبده (مفتي مصر) الذي تحدّث عن الإصلاح وفكرة السّنن البانية أو الهادمة، ومجابهة التقليد بفتح باب الاجتهاد، استناداً إلى القرآن الكريم، وتصل هذه المرحلة في ذروتها إلى علي عبد الرازق وكتابه الذي ذاع صيته وجرت محاولات لتكفيره بسببه وهو “الإسلام وأصول الحكم” الصادر في فترة قريبة من تأسيس حركة الإخوان المسلمين في العام 1928 في مقاربة مع فكرة الدولة الحديثة ومؤسساتها .

ج- وكانت المرحلة الثالثة مرحلة محمد رشيد رضا صاحب “مجلة المنار”، ولعلّ من المفيد هنا التوقف عند الشيخ محمد حسين النائيني وكتابه “تنبيه الأمة وتنزيه الملّة”، وصدر في فترة لصيقة بما حصل من تأثّر بالفكر الغربي تحت باب الصراع بين “المشروطة” و”المستبدّة”، العام 1906 أي بين الحركة الدستورية، وبين الملكية المطلقة، وهي الحركة التي انقسم فيها رجال الدين في إيران والعراق بين مؤيد للفريق الأول ومندّد بالفريق الثاني والعكس صحيح . وكان الجدل قد ازداد احتداماً بعد الحركة الدستورية في الدولة العثمانية العام ،1908 وصدور الدستور العثماني المتأثر بعدد من القواعد الدستورية التي وجدت طريقها إلى الفضاء العام في الغرب، لا سيما بعض مبادئ الثرة الفرنسية .

د- والمرحلة الرابعة هي التي تبدأ من مطلع الخمسينات، وتستمر إلى قيام الثورات العربية ووصول الإسلام السياسي إلى مقاليد السلطة عبر صندوق الاقتراع .

اتّسمت هذه المرحلة بملامح أطلق عليها د . رضوان السيد “الصحوة الإسلامية”، حيث كان حسن البنا هو من قال: الإسلام دين ودنيا ومصحف وسيف، وعلى خطاه قال سيد قطب: “الدين في الدولة هو حكم في الأرض” وذلك في كتابه “معالم في الطريق” . وإذا صحّ هذا القول على مصر، فأظنّه لا ينطبق على بلدان أخرى، الاّ إذا اعتبرنا الثمانينات تأسيساً جديداً لانبعاث تيار إسلامي واسع بعد الثورة الإيرانية، العام ،1979 لا سيّما في العراق ولبنان وفلسطين والخليج، وكذلك في المغرب العربي، وهو انبعاث عالمي وليس محلياً، كما أنه لا يتعلق بالإسلام السياسي فحسب، بل بمجمل الأديان والحركات الدينية، المسيحية واليهودية وغيرها، حيث انتعش لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وكان للكنيسة دور بارز في ذلك، وكذلك تعاظم نفوذ حركات مسيحية في أوروبا، فضلاً عن حركات دينية ومذهبية في إفريقيا وآسيا، بعضها شهد حروباً ونزاعات وأعمال عنف .

يحاول التيار الإسلامي اليوم بعد أن وضع الشريعة محل الأمة، تكييف أفكاره لتقبّل الديمقراطية ويعتبرها آليات أو ميكانيزمات، وبعضه تكتيكات يمكن الوصول بواسطتها إلى السلطة، وذلك بحكم المستجدّات والمتغيّرات على المستوى العالمي، ولكن الديمقراطية تستوجب وجود قوانين ومؤسسات ومساءلات، وتقوم على الإيمان، بفكرة التداولية والانتقال السلمي للسلطة، إضافة إلى مبادئ المساواة واحترام حقوق الانسان .

إن الفقه الديني الإسلامي بشقيه السني والشيعي بمقاربته مع علم سسيولوجيا المعرفة سيكون حاضراً خارج موضوع الوصول إلى السلطة، أما بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة، فالأمر شيء آخر، حيث سيكون خارج التنظير تحت عناوين الضرورات وادعاء امتلاك الحقيقة والأفضلية، وهي التجربة ذاتها التي عرفتها الأحزاب الشمولية سواءً الماركسية أو القومية، مهما ادّعت أنها تريد التساوق مع الديمقراطية والدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم، لكنّها كلها جميعاً اتّجهت إلى الاستبدادية والديكتاتورية والفردية، سواء الأنظمة الاشتراكية السابقة أو طبعتها لما سمي “بلدان التحرر الوطني” .

وحتى لو حقّقت تلك التجارب بعض النجاحات وشيئاً من التنمية، لكنها بعد حين وصلت إلى طريق مسدود بغياب الديمقراطية، سواء بلدان الأصل أو بلدان الفرع (مثلها مثل التجربة الناصرية والبومدينية واليمن الجنوبية والقذافية والبعثية العراقية والسورية) وغيرها، وهو المآل الذي ستصل إليه أية تجارب شمولية كلية أو جزئية .

هناك فواصل كبيرة وحواجز عالية بين التطور في مستوى تفكير بعض المفكّرين الإسلاميين، مثل محمد مهدي شمس الدين الذي تحدث عن “ولاية الأمة” وسليم العوا وطارق البشري ومحمد حسين فضل الله وراشد الغنوشي، الذين أعلنوا بدرجات متفاوتة عن قبول حكم الشعب والامتثال إلى الديمقراطية، وبين الحزبية الحركية المؤثرة في السواد الأعظم من الإسلاميين التي لا تزال تنظر إلى بعض ما جرى مجرد جسر للوصول للسلطة ليس الاّ، حتى وإن اضطرّ إلى تقديم تنازلات وتعامل بشكل براغماتي مع الواقع، بل وخفّض بعض مطالبه .

وإذا كان القانون وضعياً ومصادره متنوّعة دينية وفلسفية وسياسية، فهذه كلّها مصادر قيمية، في حين أن له جانباً إجرائياً، أي قواعد ناظمة ومحددة للسلوك وضعها برلمان عبر انتخابات حرّة ونزيهة وبموجب قضاء مستقل كضمانات للقانون الوضعي . أما الدين فإنه يمرّ عبر فضاءات الإيمان وهي علاقة خاصة بين الإنسان والسماء، في حين أن الحياة العامة والدولة أو السلطة والسياسة، تختلف كثيراً عن ذلك، خصوصاً بالموقف من الحقوق والحريات، وهي المنظومة الدستورية التي تعرفها الدولة العصرية .

إن سسيولوجيا المعرفة للتفكير الديني تحتاج اليوم، وبعد الثورات العربية، إلى اختبار حقيقي جديد وتدقيق لمدى التزام الإسلاميين بها مثل غيرهم، وأظن أن المرحلة المقبلة ستشهد صراعاً ليس بين الإسلاميين والعلمانيين فحسب، بل بين إسلاميين معتدلين وإسلاميين متطرفين ومتعصبين، وقد يتطور فريق منهم ليقبل بالدولة المدنية حتى إن كان مكرهاً، مثلما هو في تركيا، وفريق آخر يواصل مشواره الماضوي، بل يرتّد على الحاضر، بحجة الأصول، وسيكون ثمن هذا الصدام باهظاً، وإذا كان الأمر يتفاعل على نحو سريع وفي ظل كيمياء خاصة في كل بلد، فإن انتظار ما ستؤول إليه تجربة مصر بحكم ثقلها ودورها التاريخي، سيكون عاملاً مؤثراً في عموم دول المنطقة، بل وفي آسيا وإفريقيا أيضاً .



المثقف ونقد الثورة
عبدالحسين شعبان

حين تنضج عوامل التغيير موضوعياً، لا سيّما عبر التراكم الطويل، وتتوفر الشروط الذاتية تكون اللحظة الثورية قد اكتملت، بمعنى أصبح التعبير عنها “لحظة حرّة” لا يمكن تقنينها أو احتواؤها، وبهذا المعنى ستكون فعلاً تاريخياً بامتياز، خصوصاً حينما تندفع كتلاً بشرية ومجموعات سكانية متجرّدة من كل شيء، غير هيّابة بحياتها، واضعة كرامتها فوق كل اعتبار .

إن التضحية بالنفس من أجل طلب التغيير الذي لم يعد يحتمل التأجيل، هي فاصل تاريخي انتقالي جسره الموصول هو اللحظة الحرّة للانتقال من حال إلى حال، ومن وضعية إلى أخرى، وتلك هي في الوقت نفسه لحظة استجماع غير مسبوقة ولا يمكن أن تتكرر كل يوم لتحرّك جماعي لا يكتمل أو يتبلور بسهولة، بل إن ظروفه تنضج بعد معاناة طويلة، لكن اكتماله سيؤدي إلى انقلاب الأوضاع وإطاحة الشرعية القائمة لإحلال شرعية جديدة مكانها .

ولعلّ حدثاً بهذا الوزن والحجم سيوقع الكثير من الناس، بمن فيهم بعض المثقفين، في حيرة وذهول، وربما أكثر من غيرهم بفعل حساسياتهم، لأنهم لم يكونوا يتوقعون حدوث ما حدث، لهذا ينظر بعضهم إلى الثورة لا باعتبارها عملاً تغييرياً ورفضاً للواقع وانقلاباً عليه، وإنما فعل عشوائي أو عمل اعتباطي، لزمرٍ خارجة عن القانون أو لرعاع لا همّ لهم سوى التدمير، أو لمجاميع دينية أو مذهبية تريد استنطاق التاريخ والاستقواء به مدفوعة بشهوة الحكم بزعم العودة إلى الأصول .

وللتدليل على مثل هذه التنظيرات أو الذرائع تستحضر أعمال العنف والانفلات الأمني، وما يصاحبهما من مظاهر نهب وسرقة وتجاوز على المال العام، وغير ذلك من أعمال “البلطجة”، التي تخلّلت الثورات أو أعقبتها .

ويذهب أصحاب مثل هذه التوجهات إلى التشكيك بقيم الثورة ذاتها أحياناً، خصوصاً إن أية ثورة حقيقية لن تكون ثورة من دون قيم، بل هي بحد ذاتها عمل قيمي، وما من إنسان سوي ويؤمن بالعدالة، ينكر مثل هذه الفضيلة، لهذا فإن نقد الثورة، ولا سيما ما صاحبها من أعمال شغب أو فوضى، إنما هو الآخر عمل قيمي، خصوصاً أن مهمة المثقف هي نقد الواقع، والاّ كيف يجوز لمثقف معاداة التغيير أو السكوت عن الظلم أو الاستكانة له أو تبريره؟ وإن فعل ذلك فقد تنازل عن ثقافته وهويته النقدية، لكن المثقف لكي يكون مثقفاً تنويرياً وتغييرياً لا بدّ له من تسخير وسيلته الإبداعية وأدواته المعرفية من أجل التغيير، إذ لا يكفي وقوفه إلى جانبه، بل لا بدّ من المساهمة فيه ونقده، ومن يريد الحفاظ على ما هو قائم من قيم تتعارض مع الحرية ومبادئ المساواة واحترام الحقوق والحريات، يمكن أن يكون مثقفاً، لكنه سيكون مثقفاً تقليدياً بمعنى يؤمن ويدافع عن التقاليد والعادات السائدة لأنها تخدم مصالحه، أو يستكين لها لأنه غير قادر على مقاومتها .

بعض المثقفين نظر إلى حركة الثورة والتغيير في العالم العربي باعتبارها مؤامرة مشبوهة أو عملاً مريباً مصنوعاً في الخارج، ولعلّ بعض هؤلاء استسلم لاعتقاده أن ما هو قائم سيبقى زمناً طويلاً، أو أن بعضهم بحجة الحياد وكونه مثقفاً تكنوقراطياً أو بزعم العقلانية أو الخوف من الاختراق الخارجي وغيرها من الذرائع الآيديولوجية، أو بحجة عدم معرفة خطط الثورة، وقف موقفاً حائراً وربما خائراً، إزاء الثورة، وتحت مثل هذه الافتراضات بدأ هذا “البعض” يكيل للثورة أبشع أنواع التهم، وهكذا أصبح الربيع “خريفاً” والتغيير “تدميراً” والثورة، “ثورة مضادة”، وهكذا .

ربما أراد بعض المثقفين من الثورة أن تستشيره أو حتى تستأذنه أو تأخذ رأيه قبل أن تندلع، وما كان لها أن تبدأ شرارتها من دون علمه، فهي مفاجأة كبيرة لدرجة الصدمة، خصوصاً إذا كانت لا تنطبق مع معطياته وتصوراته، فضلاً عن توثيقاته، وحسب وجهة نظر هؤلاء، هناك تغيير محمود وآخر مذموم، وهناك تغيير أخيار وآخر للأشرار، وتغيير سلمي وآخر عنفي، وتغيير فوقي وآخر جذري وتغيير ثوري وآخر إصلاحي، وتغيير عميق وآخر سطحي وهو مع التغيير الذي على مقاسه، وهو التغيير غير الموجود في الواقع .

لم يعد التغنّي بالجماهير كافياً، بعد أن تصبح تلك الكتل البشرية، واقعاً حسيّاً ملموساً، له خواصه، وحسب التجربة التاريخية، فإن الثورة تخرج من جوفها الأنبل والأجمل والأروع، مثلما تخرج نقيضها الأسوأ والأقبح والأبشع . التغيير فعل حرّية، ضد الشرّ والظلم، وهو صراع من أجل العدل والمساواة، ولكن عملية التغيير ذاتها بحاجة هي الأخرى إلى نقد، خصوصاً لما قد يصاحبها من عنف وتخريب وانفلات، وهذا النقد ضروري، لا سيما وهي في منعرجاتها ومساراتها واحتمالات انحرافاتها، وربما هيمنة قوى عليها استغلت لحظة تاريخية في منعطفها فركبت الثورة، لذلك فإن علمية التغيير تحتاج إلى تقويم ونقد مستمرين، لكي لا تستكين الأمور .

لا بدّ من الجرأة في نقد التغيير، خصوصاً أن هناك من يريد حشره في ثنوية لافكاك منها بين الخير والشر والعدل والظلم والحرية والاستبداد، وإن كان في العموم الأمر على هذه الشاكلة، لكن التغيير حفر في العمق وليس نقراً في السطح، حسب المفكر ياسين الحافظ، إنه بحاجة إلى بناء وتدرّج وتراكم ومساءلة والتزام بحكم القانون وإعادة النظر في الكثير من الأمور، فلكي تنجح الثورة فلا بدّ من الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية .

التغيير الحقيقي لا يقوم على استبدال أفراد بآخرين، زعيم وبضعة مسؤولين بزعيم جديد مع شلّته، إذ لا بدّ من تفكيك النظام السابق واستبداله بنظام جديد يقوم على قيم جديدة، أفضل مما قام عليه النظام السابق، ولا يعني ذلك بالضرورة، حلّ الأجهزة السابقة جميعها، باعتبارها جزءاً من نظام ظالم، بل على قدرة النظام الجديد على احتواء وتكييف الكفاءات السابقة للاستفادة منها، وهو ما فعلته جميع الثورات الناجحة، أما الذين ارتكبوا الجرائم أو الذين يريدون إعادة القديم إلى قدمه، فلا بدّ من اتخاذ إجراءات حازمة بحقهم، لا سيما إذا لجأوا إلى وسائل عنفية، علماً بأن التغيير فعل مسالم إزاء الأفراد، بمن فيهم الذين خدموا أنظمة ظالمة، أما النظام الظالم، فلا بدّ من تغييره واستبداله، بضربة أولى بعد اكتمال اللحظة الحرّة، ومن ثم بالتدريج والتراكم، يتم تفكيكه واستبداله عبر معايير العدالة الانتقالية وتطبيقاتها .

ولعلّ لحظة الإرادة الجماعية الحرّة تتخطى البرامج والصياغات والآيديولوجيات والشعارات، لأنها تنطلق من الواقع ومن موازين القوى، خصوصاً عندما ينتقل الخوف من المحكومين إلى الحكام وهو ما حصل لجميع الثورات الكبرى، سواء الثورة الفرنسية العام 1789 أو الثورة الروسية العام 1917 أو الثورة الإيرانية العام ،1979 لكن الثورة تأكل الجميع، القيادات القديمة والجديدة، ومثلما يتم خلع رموز النظام السابق في المرحلة الانتقالية، فإن الصراع قد يؤدي إلى إلغاء رموز النظام الجديد وصنّاع الثورات، وهو ما يحصل أمام أعيننا بخصوص الثورات العربية، التي انطلقت تعددية غير آيديولوجية، وذات توجه ديمقراطي، ودعت إلى دساتير ديمقراطية وانتخابات حرّة ونزيهة ورفعت شعارات ضد الاستبداد ومن أجل الحرية والكرامة ومحاربة الفساد، وإذا بالفسحة تضيق أمامها حتى إن كان الأمر عبر صندوق الاقتراع، والمطلوب ليس الاحتكام إليه فحسب، بل الاتفاق على معايير للانتقال أو التحوّل الديمقراطي أولاً، ثم فيما بعد اللجوء إلى خيار الانتخابات الدورية الحرّة .

القواعد الما فوق دستورية، هي التي كانت وراء دستور (إسبانيا) التي حكمها الديكتاتور فرانكو 38 عاماً، ودستور البرتغال العام 1974 التي حكمها الديكتاتور سالازار، ودستور شيلي العام 1988 التي حكمها الديكتاتور الجنرال بينوشيه، ودساتير بلدان أوروبا الشرقية ذات الأنظمة الشمولية، ولهذا فإن الدستور لا بدّ أن يضمن التوافق أولاً والشراكة ثانياً، ومن ثم ضمان المنافسة في إطار شرعي ثالثاً، وهو بحاجة إلى أن تتوافق عليه القوى والمكوّنات المختلفة، لا سيما على شكل الدولة في إطار مواطنة متساوية ومساواة تامة واحترام حقوق الإنسان والتوازن بين الهوّيات الفرعية والهوّية العامة، ولعلّ تلك ما كانت تريده اللحظة العربية الحرّة، وهو ما ينبغي للمثقف التأمل فيه ونقده .







بول وولفويتز ورسائله المثيرة - عبدالحسين شعبان

يعد الأكاديمي والسياسي بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد، من أشدّ دعاة الحرب على العراق، كما يعدّ من أبرز الشخصيات التي تمثل تيار المحافظين الجدد، وقد لمع اسمه في فترة التحضير للغزو، لا سيما أنه كان للبنتاغون دور مهم في الإعداد للحرب ورسم خطط الاحتلال . ويكاد يجمع الرأي على تمتع وولفويتز بالذكاء الحاد، فضلاً عن براعته الدبلوماسية وكفاءاته الإدارية والسياسية .

وكان وولفويتز يصرّ على أن التخلص من النظام العراقي السابق في مصلحة الشرق الأوسط، إضافة إلى الشعب العراقي بمكوّناته المختلفة، وهو يردّ على من يقول بحدوث فراغ كبير، يمكن لإيران أن تستغله لتوسّع نفوذها وتبسط هيمنتها .

وعلى الرغم من مرور عشر سنوات على الاحتلال الأمريكي وما خلفه من دمار شامل، فضلاً عن انعكاساته السلبية على عموم دول المنطقة، فإن وولفويتز لايزال مستمراً بل متحمساً لأطروحاته إزاء تطور الأحداث، لكنه في الوقت نفسه أخذ يزيح النقاب عن بعض الخفايا والأسرار، وهو وإن اعترف ببعض الأخطاء، فإنه لا يلقي باللائمة على واشنطن، بل يعزوها إلى جيران العراق، لا سيّما من العرب، دون أن يهمل ذكر بعض الأخطاء الأمريكية، وكذلك أخطاء الحكومات العراقية ما بعد حكم بول بريمر (الحاكم المدني الأمريكي للعراق) في الفترة الممتدة بين 13 مايو/أيار 2003 لغاية 28 يونيو/حزيران  2004 .

ويراهن وولفويتز على التاريخ الذي قد يستغرق سنوات طويلة لتتضح صورة التغيير الذي حصل في العراق، نافياً سعي الأمريكان إلى نهب النفط أو استعباد الشعب العراقي الذي تخلّص من ديكتاتور بغيض حسب تعبيره . ومع أنه يعترف بعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق من خلال “مجموعة مسح العراق” التي أعدّت تقريراً نهائياً في أواخر العام ،2005 (استمراراً للجان التفتيش التي زارت العراق مئات المرّات من العام 1991 ولغاية العام 2003)، فضلاً عن عدم إثبات وجود علاقة بين النظام السابق وتنظيمات القاعدة الإرهابية، وهما الذريعتان الأساسيتان اللتان تم شن الحرب استناداً إليهما .

يضاف إلى ذلك، أنّ حجة التخلّص من نظام شرير وبناء نظام ديمقراطي لا تزال محطّ تساؤل كبير بعد مرور عشر سنوات على الحرب، لا سيما بابتداع نظام المحاصصة الطائفية- الإثنية وتفشي ظاهرة الإرهاب والعنف، واستشراء الفساد المالي والإداري، واستمرار تردّي الخدمات الصحية والتعليمية، وكذلك الكهرباء والماء الصافي، وهشاشة الأمن وضعف هيبة الدولة، الأمر الذي جعل من الفوضى والتشظي مسألتين مستمرتين طوال العقد الماضي من الزمان . والذي عاظم من مآسي العراقيين وجود مئات الآلاف من النازحين ومثلهم من اللاجئين، وخصوصاً من المتحدّرين من هوّيات فرعية مثل المسيحيين والإيزيديين والصابئة وغيرهم بمن فيهم التركمان والكلدانيون والآشوريون الذين ضربتهم موجة العنف في الصميم، إضافة إلى عموم الشعب العراقي .

وإذا كانت لوثة العنف قد أصابت المجتمع ككل، فإن نصيب الفئات الضعيفة، لا سيّما المجموعات الثقافية والدينية كان أشد وطأة، خصوصاً وهي لا تستطيع مواجهة المتسيّدين باسم الهوّيات الكبرى، وليس لديها ما يؤهلها لذلك نفوساً أو امتداداً جغرافياً أو سلاحاً أو توجهاً .

ويبرّر بول وولفويتز قرار إدارة بوش بشن الحرب، حتى بعد عدم اكتشاف أسلحة دمار شامل “بأن جميع وكالات الاستخبارات الأجنبية كانت تعتقد بوجودها . . . وربما خطط صدام حسين لإعادة بناء قدراته من أسلحة الدمار الشامل فور تمكّنه من تحرير نفسه من نظام العقوبات الاقتصادي المفروض عليه”، وإن الإرهابيين كانوا قد بدأوا بشن هجوم من داخل الأراضي العراقية في أوروبا والشرق الأوسط، بمن فيهم أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل في يونيو/حزيران 2006 .

ويبدو أن وولفويتز لم يُشْفَ من شبح  صدام حسين الذي ظلّ يطارده، حيث يقول لو كان صدام حسين في السلطة اليوم لمدّ يد العون إلى بشار الأسد خوفاً من أن يؤدي نجاح الثورة السورية إلى أن تصبح مصدر إلهام للعراقيين للثورة ضدّه، وتلكم لعمري افتراضات لا يجمعها جامع مع علم السياسة، فضلاً عن بعض الأحكام المسبقة، إذ يمكن أن يكون هذا الافتراض صحيحاً وقد يكون خاطئاً، خصوصاً بتبدّل الظروف والأحوال، لا سيما بحجم الأهوال التي عرفها البلدان .

ومع كل تبريراته فإن بول وولفويتز يعترف بأخطاء الولايات المتحدة ويجملها بتشكيل حكومة احتلال (المقصود مجلس الحكم الانتقالي والحكومة التي انبثقت على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية التي انبعثت عنه بالاتفاق مع بول بريمر)، وهو ما شاركت فيه أغلبية القوى السياسة المتصدّرة للعمل السياسي اليوم، ويقول كان ينبغي تسليم السيادة للعراقيين منذ البداية . كما يعترف بأن واشنطن تأخرت أربع سنوات لتنفيذ استراتيجيتها في محاربة الإرهاب .

وبشأن حرب الخليج الأولى بعد غزو القوات العراقية الكويت، وفي أعقاب هزيمة الجيش العراقي العام ،1991 ينتقد وولفويتز واشنطن لسماحها باستخدام الهليكوبترات الحربية للقضاء على الانتفاضة العراقية التي اندلعت في مارس/آذار ،1991 ويعتبرها مسؤولة عن التسبّب بموت عدد كبير من المشاركين فيها، لا سيما بتقدم الحرس الجمهوري بالتحرك نحو الجنوب، من البصرة إلى حوض الفرات والمدن الأخرى، وقد شهدت تلك الفترة أعمالاً انتقامية وثأرية طالت الآلاف من المواطنين العراقيين الأبرياء .

وما يلفت النظر في قراءة بول وولفويتز استنتاجاته بخصوص العلاقة مع إيران، فإن لم يقدم العرب على دعم حكومة بغداد التي تتحدد علاقتها مع جيرانها بمعادلة طردية، فإن إيران ستكون لها الحظوة، فكلّما زاد دعم العرب للعراق، زاد ابتعاد العراقيين أو عدم حاجتهم إلى إيران، والعكس صحيح أيضاً، ولعل شيعة العراق، كما يقول، قد يضطرون إلى التقرّب من جار سيّئ، إذا لم يحصلوا على مساندة أشقائهم العرب، ومرّة ثانية يقول إن هذا رأي القيادات السعودية الذي بيّنته لبيكر بعد انتهاء حرب الخليج الأولى، وهو يدعو دول مجلس التعاون الخليجي اليوم إلى عدم النأي بالنفس عن بغداد، وربما هذا ما فعلته واشنطن قبل انسحابها من العراق .

لعلّ استنتاجات مثل هذه بحاجة إلى وقفة جديدة للقراءة، فشخصية مثل وولفويتز كان لها دور كبير خلال الغزو الأمريكي للعراق وما بعده، فضلاً عن تاريخه، حيث بدأ حياته السياسية والمهنية في وزارة الخارجية الأمريكية منذ مطلع الثمانينات، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأقصى وبعض المحيط الهادي، وبعدها عيّن سفيراً في إندونيسيا وانتقل إلى وكيل لوزير الدفاع لشؤون السياسات ونائب لوزير الدفاع (2001-2005) ورئيس للبنك الدولي 2005-،2007 إضافة إلى إدارته لمعهد الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، وهو من مواليد مدينة نيويورك (1943) ودرس الرياضيات ثم العلوم السياسية، حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو ،1972 وانتقل حينها من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري وأصبح أبرز شخصيات المحافظين الجدد، أو ما يسمّون بصقور الحرب على العراق .

ولهذا فإن ما يقوله وولفويتز يعدّ أمراً في غاية الأهمية والخطورة حتى وإن كان خارج المسؤولية الآن، وعلى أصحاب القرار من العراقيين ومن العرب التمعّن فيه والتأمل في ما ذهب إليه، لا سيما بعد مرور عشر سنوات على الاحتلال .





التغيير والتنوير    
د. عبدالحسين شعبان

ما حصل في العالم العربي من تغييرات خلال السنتين المنصرمتين لم يكن حدثاً عابراً أو نقراً في السطح، وإنما كان حفراً في العمق وانقلاباً في الصميم، حتى إن لم يكتمل، خصوصاً أن غبار المعارك ما زال كثيفاً وثقل الماضي قوياً .

لقد أدّى التغيير إلى إطاحة بعض الأنظمة وإسقاط أطروحات سادت لزمن غير قصير، ولم يكن الأمر مقتصراً على قناعات قطاعات واسعة من العرب والمسلمين وحدهم، بل شمل أوساطاً غير قليلة في الغرب والدول الصناعية المتقدمة، حتى بدت بعض المسلّمات أقرب إلى الأوهام .

لو قرأنا ما حصل من تغيير في بعض البلدان العربية برؤية الإعلامي، فسيكون شغلنا الشاغل هو وصف الحدث بتفاصيله ودقائقه ولحظاته، وحسب البير كامو، فالصحافي هو مؤرخ اللحظة . وإذا نظرنا إلى الحدث تاريخياً، فلا بدّ من سياقات للوقائع والأحداث من خلال مقارباتها السسيوثقافية ومقارناتها التاريخية بما سبقها وما لحقها من أحداث، وتلك لا تزال في بداياتها، ولم تكتمل بعد، وقد تكون لأول وهلة خادعة، والتاريخ مراوغ أو ماكر حسب هيغل .

أما إذا فحصنا التغيير حقوقياً، فسنكون معنيين بالإنسان وما وقع عليه من انتهاكات وتجاوزات في السابق والحاضر، والإنسان هو مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس . لكن القراءة الحقوقية مثلها مثل غيرها تبقى غير كاملة، فلا بدّ من تطعيمها برؤية سسيولوجية وثقافية تاريخية، لكن تلك لا تتنبأ، بل تعطي أحكاماً لما حصل بعد تحليلها ودراستها، ولا سيما للوقائع والتفاصيل .

إذاً لا بد من القراءة الفكرية التنويرية لعملية التغيير بما لها وما عليها وما صاحبها وما رافقها من صعود ونزول وتعرّجات وانحناءات، ومن ثم أخذها بدلالاتها بما فيها مقارباتها التاريخية، خصوصاً بحلول اللحظة الثورية للتغيير عبر التراكم الطويل الأمد والتطور التدريجي بعوامله الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية، لاسيما بانتقال الخوف من المحكومين إلى الحكام وفي ظل بيئة مشجعة وخصبة، وأقرب إلى كيمياء متفاعلة وجدليات عضوية متصلة ومتراكبة .

ولعل من أهم الحقائق التي جاءت بها حركة التغيير بغض النظر عما أفرزته من صراعات وتداعيات، هو أن قطار التغيير قد بدأ ولا يمكن وقفه ولكنه قد ينحرف عن طريقه أو يتأخر أو يواجه عراقيل، تعطّله أو تحول دون وصوله إلى محطته المنشودة في الوقت المناسب، خصوصاً أن قيادته ستظل تتجاذبها قوى مختلفة ومتصارعة بمصالح متضاربة ومتناقضة أحياناً .

وأكدت حقائق التغيير أن الشعارات المطلبية العامة إنْ لم يتم الاستجابة لها وتلبيتها بسرعة وبراعة، فستتحول إلى شعارات راديكالية، وهكذا انتقلت حركات الشباب من شعارات الحرية والكرامة ومكافحة الفساد، إلى الدعوة للاطاحة بالأنظمة وتغييرها، وأحياناً استخدمت العنف سواءً برد فعل أو لفرض التغيير، وهناك تجارب سبقت العالم العربي وهو ما حصل في أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية .

وبيّنت حركة التغيير أنها ليست رسماً بيانياً أو خريطة هندسية أنيقة، بل هي أحداث وتراكمات تفاعلية ديناميكية حتى إنْ كانت انطلاقاتها عفوية، كما أثبتت أن لكل حركة خصوصية ولا يمكن استنساخها أو تقليدها، ولا بدّ من مراعاة ظروفها المحلية مع الأخذ بنظر الاعتبار الجوانب المشتركة العالمية أو الاقليمية أو العربية، أي أن الخصوصية لا ينبغي أن تتعارض مع المشترك الإنساني الذي يمكن الاستفادة منها، مثلما لا ينبغي لها وبحجتها التحلل من المعايير الدولية والإنسانية المشتركة، كما أن المشتركات العامة لا ينبغي أن تتجاوز على الخصوصيات بحجة الشمولية والمعايير الكونية .

وعلى الرغم من انطلاق بعض الشعارات والأهداف الدينية، لكن حركات التغيير بشكل عام، وخصوصاً عند انطلاقتها كانت غير أيديولوجية ومدنية وساهم فيها المجتمع المدني مع ضعفه ومشكلاته على نحو مؤثر وبتدرجية متصاعدة . وقد استغلّت بعض القوى الدينية بدايات التغيير وسعت لوضع اليد عليه وحصد نتائجه، خصوصاً أنها الأكثر تنظيماً من غيرها وتمتع بإمكانات مالية ولوجستية كبيرة قياساً للقوى الأخرى .

وكانت حركات التغيير وراء سقوط معادلة الأمن أو الحرية مثلما أكدت فشل أطروحة الحل الأمني أو العسكري أو الاقتصادي، دون البحث في حلول سياسية، وفي الوقت نفسه بيّنت دور الإعلام وثورة الاتصالات والمواصلات والعولمة بوجهها الإنساني وليس المتوحش في دعم وتعزيز حركة التغيير التي كان جوهرها العام لا عنفي، بل كان سلمياً ووسطياً واعتدالياً .

وإذا كان ثمة اشكالات ترافق كل حركة تغيير، لاسيما إذا استهدفت التنوير، فإن ثورات وانتفاضات ما سمّي بالربيع العربي طرحت على بساط البحث عدداً من الإشكاليات التي تحتاج إلى حوارات معمقة على صعيد القوى السياسية والمجتمعية والدينية والثقافية والفكرية، بما فيها جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية ولا سيما الحقوقية والأكاديمية، ومن هذه الإشكاليات أن الصراع الحالي هو بين الإسلاميين والعلمانيين وإذا كان الأمر صحيحاً، فإن ذلك من إفرازات كبت الحريات لسنوات طويلة، فضلاً عن ذلك فإن صراعاً بين الإسلاميين المعتدلين والسلفيين المتطرفين سيجد طريقه إلى الساحة السياسية، بل إنه بدأ بالفعل، وهو الأمر الذي أصبح مطروحاً في تونس ومصر وليبيا واليمن وقد يطول سوريا وغيرها .

ودفعت الفوضى التي اندلعت عقب التغيير أطروحة تقول إن وجود أنظمة تسلطية أفضل من الفوضى، وكانت الأنظمة السابقة، تضرب على هذا الوتر لعقود من الزمان بهدف الحيلولة دون توحيد الجهود لتغييرها وإقلاق الرأي العام بتصدّع الأمن وانتشار الفوضى الأمر الذي لا يريده الجميع، بل بصابون منه بالفزع .

وبالطبع فإن ما سيرافق أي تغيير هو انقلاب على نمطية وتراتبية وبيروقراطية قديمة وسائدة، الأمر الذي يحتاج إلى مرحلة انتقال قد تطول وقد تقصر لبناء تراتبية جديدة مختلفة، ويعتمد ذلك على درجة الوعي والحراك السياسي ودور القوى الجديدة في الإسراع بإعادة بناء الدولة والحفاظ على سلم وأمن وحياة المواطنين والمجتمع . وبلا أدنى شك فإن القوى المخلوعة أو المتضررة ستحاول وضع العصي في عجلة النظام الجديد لعرقلة مساره ولإثبات عدم جدارته، لاسيما في موضوع حفظ الأمن وحماية أرواح وممتلكات المواطنين واستعادة هيبة الدولة .

وهناك أطروحتان تشبّث بهما الغرب لسنوات غير قصيرة وربما كانتا وراء اتهام العرب والمسلمين بالارهاب، وهما تنطلقان من فرضية أن المنطقة العربية- الإسلامية ليست بحاجة إلى الديمقراطية أو أنها غير مؤهلة لها، فضلاً عن أنها مرتع للإرهاب، بل إن الدين الإسلامي يحضّ عليه . وتواصل هاتان الأطروحتان القول إن الديمقراطية بحاجة إلى ثقافة ووعي وهما غير متوفرين في العالم العربي والإسلامي، ماعدا حاجة هذا الأخير إلى التنمية، وكأن الديمقراطية ونبذ الإرهاب يتعارضان مع التنمية إن لم يكونا في صلب اهتماماتها الإنسانية الشاملة والمستديمة .

ثم هناك من يقول إن انطلاق حركة التغيير أدى وسيؤدي إلى تصدّع الهوّيات، خصوصاً بضعف الهوية الجامعة والوحدة الوطنية، وصعود الهوّيات الفرعية التي قد تؤدي إلى التفتيت والتقسيم، وذلك دون النظر إلى أن سبب تصدّع الهوّية الجامعة العامة هو عدم احترامها للهوّيات الفرعية، سواء كانت دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، الأمر الذي استوجب تعزيز المواطنة والمساواة والحريات العامة والخاصة وتأكيد مبادئ المشاركة والعدالة، تلك التي تشكل أساساً لتعزيز الهوية والوحدة الوطنية .

لقد كانت مثل هذه الأطروحات وغيرها محلّ فحص وتدقيق ونقاش جاد ومسؤول في جامعة النهرين في بغداد وبدعوة من مركز حمورابي، وبحضور نخبة متميّزة من الأكاديميين وأساتذة الجامعة وطلبة الدراسات العليا، لاسيما أنها قد مسّت هذه الأطروحات وتفاعلت معها، التطورات الدستورية والسياسية بعد التغيير، فضلاً عن مستقبلها خصوصاً في ظل الاستقطاب السياسي الحاد والتجاذب الفئوي الشديد، بما فيه من توجّهات دينية وطائفية وإثنية .

إن حركة التغيير بحاجة إلى مرحلة انتقالية لاستعادة الفضاء العمومي والتنوّع الثقافي، وكان ابن خلدون أول من تحدث عن ثنائية الظلم والخراب والعدل والمساواة، وهو القائل المُلك بالجند، أي باستخدام القوة الذاتية، والجُند بالمال، أي بالقوة الاقتصادية، والمال بالخراج أي دولة ضرائب وقانون، والخراج بالعمارة أي بالتنمية، والعمارة بالعدل، أي أن العدل هو سياج المدينة، وهو ما سبق للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أن خاطب به أحد ولاته بالقول: سوّر مدينتك بالعدل، فالعدل أفق التغيير وأساس التنوير .




الأخوة الأعداء” في العراق
عبدالحسين شعبان

منذ شهر ونيّف تجتاح محافظات العراق الغربية والشمالية، تظاهرات واعتصامات أخذت بالاتساع والامتداد، بعد أن بدأت شرارتها الأولى من محافظة الأنبار، ثم انتقلت إلى محافظات صلاح الدين والموصل وكركوك وديالى وبعض مناطق العاصمة بغداد، ولاسيما في الأعظمية، حتى بدا المشهد السياسي وكأنه على الحافة .

لقد تعرّضت العملية السياسية منذ الاحتلال العام 2003 ولحد الآن، إلى تحدّيات كثيرة وتعثرات كبيرة، لكن ما تواجهه اليوم هو الأكثر حدّة، لأنه يتعلق بوجودها ومستقبلها، لا سيما بتدهور الثقة بين الأطراف المتحالفة “المتناحرة”، وحسب الروائي اليوناني كازانتزاكي بين “الأخوة الأعداء” .

وعلى الرغم من المطالب ذات الطبيعة الاحتجاجية والمطلبية للمتظاهرين، فإنها مع مرور الأيام وبتعاظم الزخم الشعبي، أخذت تكتسب مضامين سياسية، بحيث ارتفعت بعض الأصوات المطالبة بإبطال العملية السياسية برمتها، خصوصاً في مسألة رفع الحيف والغبن الواقع على أبناء عدد من المحافظات، ووضع حدّ لسياسة التهميش التي شملت السنّة بشكل عام، إضافة إلى إطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين (الأبرياء) وإعادة النظر ب أو إلغاء قانون المساءلة والعدالة، الذي أدّى تطبيقه السيئ إلى حرمان عشرات الآلاف من حقوقهم، وإلغاء المادة 4 إرهاب التي تستخدم كيدياً وثأرياً ضد الخصوم السياسيين، وإلغاء اعتماد “المخبر السرّي” .

وكانت العملية السياسية قد تعرّضت إلى تعثرات كبيرة، ولا سيما بعد خروج القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام ،2011 حيث ساءت علاقة القائمة العراقية مع كتلة دولة القانون، منذ أن حسمت المحكمة الاتحادية تفسير موضوع الكتلة الأكبر لصالح الأخيرة، وبموجب ذلك تمكّن نوري المالكي من الاحتفاظ بمنصب رئاسة الوزارة للمرّة الثانية، وتدخلت أطراف كثيرة، دولية وإقليمية، لا سيما واشنطن وطهران، لإحداث نوع من التوافق على تشكيل الوزارة التي بدت وكأنها استعصاء، حتى تم إبرام اتفاق إربيل بين قادة الكتل والقوائم والقيادات السياسية وإن ظلّت الوزارة غير مكتملة .

ووفقاً لاتفاق إربيل تقرر أن يصبح د . إياد علاوي رئيساً للمجلس الأعلى لرسم السياسات الذي استحدث خصيصاً له، ليضم الرئاسات الثلاث: لكن مثل هذا الاتفاق وصل إلى طريق مسدود حتى قبل تشكيله وإقراره برلمانياً، لأنه ولد وهو يحمل فيروس موته معه، لا سيما عدم دستوريته، فكيف يكون هناك رئيس فوق الرؤساء، الأمر الذي فجّر الأزمة وجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات .

ولاحقاً حاولت القائمة العراقية “المجروحة” وقائمة التحالف الكردستاني الإطاحة بالمالكي دستورياً عن طريق سحب الثقة منه بواسطة أغلبية 163 صوتاً في البرلمان، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، بسبب الاستقطاب الطائفي وشعور الأحزاب والكتل الشيعية بضرورة مواجهة التحدي بتحدٍ مقابل، كي لا يفلت الموقع ويتبدد من بين أيديهم .

وانعكس موقف “الأخوة الأعداء” على العلاقة بين دولة القانون والتحالف الكردستاني أيضاً، بل إن أمراً جوهرياً ظلّ معلّقاً أو مسكوتاً عنه بينهما، أصبح راهناً بحيث لا يمكن تأجيله أكثر من ذلك، وترافق ذلك مع حصول احتكاكات جديدة بين الحكومة الاتحادية، ممثلة برئيسها المالكي وإقليم كردستان ممثلاً برئيسه مسعود البارزاني، وارتبطت المشكلات والاشكاليات بصورة رئيسية في ثلاث نقاط أساسية:

الأولى- صلاحيات الإقليم وحدودها في ضوء الدستور التي ظلّت محطّ جدل وتفسير وتأويل من جانب الأطراف المختلفة، ولا سيما علاقة البيشمركة الملتبسة بالجيش العراقي .

الثانية- عقود النفط الموقّعة من جانب الإقليم واعتراضات الحكومة الاتحادية عليها، خصوصاً أنها عقود شراكة تتراوح نسبتها بين 18% إلى 20% للشركات الاحتكارية، وهي متصاعدة بارتفاع أسعار النفط، في حين أن حصتها في عقود بقية مناطق العراق تبلغ نحو 2% وهي عقود خدمة، وهذا فارق كبير، إضافة إلى تفسير المادة ،111 وما بعدها بشأن النفط، الواردة في الدستور، فضلاً عن تعطّل صدور قانون النفط والغاز على الرغم من إنجاز مسودته منذ أربع سنوات .

الثالثة- عائدية محافظة كركوك “والمناطق المتنازع عليها” ومصير المادة 140 من الدستور، التي ظلّت مصدر خلاف طويل وعميق، وقد يستمر لفترة طويلة .

لعلّ ما يحصل اليوم من توترات سياسية واحتدامات طرفية أو جهوية، مهما حملت من مطالب، مشروعة وعادلة، فإنها في نظر القوى المتسيّدة في الحكومة تحمل بُعداً فئوياً وطائفياً حتى وإنْ تحدثت عن المطالب المتعلقة بالخدمات، وخصوصاً الصحية والتعليمية ومسألة البطالة وهشاشة الأمن وضعف الدولة واستمرار تدنّي هيبتها وصعود نبرة التقسيم مجدداً باستعادة مشروع جو بايدن بأشكال مختلفة، والفساد المالي والإداري، وتفشي العنف والإرهاب . ولا تتوقف تلك الحزمة من المطالب والاحتجاجات عند حدود معينة، بل قد تضع العملية السياسية برمّتها في مهبّ الريح .

وإذا كان السيد مقتدى الصدر وكتلة “الأحرار” والمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عمار الحكيم، إضافة إلى مرجعية النجف الشيعية قد دأبت على تبني خطاب وسطي وتوفيقي منذ اندلاع تظاهرات الأنبار ولحد الآن، لكن حل الأزمة المستفحلة، العميقة الغور، يحتاج إلى موقف أكثر حزماً، بحكم المسؤولية والقلق على مستقبل العراق ووحدته، خصوصاً وهو مهدد بالانزلاق إلى مستنقع الفتنة الطائفية التي تدقّ على الأبواب، وليس بعيداً عنها وعن تغذيتها التداخلات الخارجية .

لم يعد الحديث الإنشائي وحده كافياً، كما أن تكرار عبارات عفا عليها الزمن، من قبيل عدم وجود “الفوارق” بيننا والتصاهر التاريخي، وحل الأمور بالتي هي أحسن، فتلك خطابات لا تغني ولا تسمن من جوع، في ظل الخطر الداهم . إن درء الكارثة المحدقة لا يحدث بالدعاء ولا يمكن حلّه بالفتاوى والمواعظ أو بكلمات المجاملة وتبادل التحايا عن بعد .






فيتو النفط
عبدالحسين شعبان

كان النفط ولا يزال محور الصراع السياسي والاجتماعي في العراق وفي دول المنطقة، لا سيما الارتباط مع المصالح الدولية، وخصوصاً الشركات الاحتكارية العابرة للقارات وفوق القومية . وبسببه أطيحت حكومات وأشعلت حروب وحدثت نزاعات مسلحة وتعطّلت التنمية وأبطلت فرص الإصلاح، والأكثر من ذلك، فإن النفط في بعض الدول تحوّل إلى نقمة بدلاً من أن يكون نعمة، حيث عانت شعوبها فقراً وتفاوتاً  اجتماعياً  كبيراً ، بسبب تبديد الموارد على الحروب والمغامرات وتكديس الأسلحة، الأمر الذي يطرح قضية النفط في العراق على بساط البحث باستمرار، ارتباطاً بعدد غير قليل من القضايا: مثل مستقبل كركوك، والمادة ،140 و”المناطق المتنازع عليها”، وقانون النفط والغاز، ودور البرلمان، بل مجمل العملية السياسية، التي بدأت مع الاحتلال، ومستقبلها في ظل استمرار المحاصصة المذهبية والإثنية .

منذ أن تدفق النفط في حقول باباكركر في كركوك في العام 1927 تدفق معه شلال الدم الذي ظل مستمراً وهادراً، خصوصاً بعدد من الانقلابات العسكرية، التي بدأها انقلاب بكر صدقي، العام 1936 ومروراً بإعادة احتلال العراق من قبل بريطانيا في العام ،1941 بعد حركة رشيد عالي الكيلاني خلال الحرب العالمية الثانية، وإعدام الضباط الأربعة الكبار، وبعدها مجزرة كاورباغي ضد عمال النفط في العام ،1946 وصولاً إلى معاهدة بورتسموث في العام 1948 لاستبدال معاهدة العام 1930 مع بريطانيا، التي تم رفضها شعبياً، تمهيداً للحرب العربية - “الإسرائيلية” بعد تأسيس “إسرائيل” في 15 مايو/ أيار العام ،1948 وبعدها إعدام القادة الشيوعيين فهد ورفاقه الثلاثة في 14-15 فبراير/ شباط العام ،1949 وإصدار قوانين غليظة ومقيّدة للحريات تحضيراً لحلف بغداد العام 1954-،1955 وردّ الفعل الذي أعقبه في ثورة 14 يوليو/ تموز ،1958 والمفاوضات العصيّة التي دخلتها الحكومة العراقية، الأمر الذي اضطرها إلى تشريع القانون رقم 80 لعام 1961 لاستعادة 5 .99% من الأراضي العراقية من يد الاحتكارات النفطية، وما تبعها من انقلاب عسكري لم يكن بعيداً عن دور لشركات النفط والقوى الاستعمارية التي تقف خلفها في 8 فبراير/ شباط العام ،1963 وفيما بعد صدور القانون رقم 97 وتأسيس شركة النفط الوطنية وصولاً لتأميم النفط في العام 1972 .

كل تلك التطوّرات السياسية لم تكن بعيدة عن النفط، بل إنه كان في الصميم منها، بما فيها التشجيع على استمرار الحرب العراقية - الإيرانية التي دامت ثماني سنوات 1980-،1988 فضلاً عن فرض حصار دولي شامل على العراق دام نحو 13 عاماً بعد غزو الكويت في 2 أغسطس/ آب العام ،1990 وصولاً إلى احتلال العراق في 9 إبريل/ نيسان 2003 .

ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال، قيل إن النفط هو الهدف الأساسي، إضافة إلى تفكيك الجيش العراقي خدمة ل”إسرائيل”، لاسيما بعد انكشاف زيف وجود أسلحة دمار شامل وهزال تهمة العلاقة بالإرهاب الدولي، الذي انفتح على مصراعيه في العراق، ناهيكم عن ضبابية التحول الديمقراطي، وانسداد آفاقه، وخصوصاً في ظل التمترس الطائفي والإثني .

وإذا كانت قضية النفط قد شغلت البرامج السياسية للأحزاب العريقة في العراق، إضافة إلى النقابات العمالية والمنظمات المهنية، فإنها تشكل اليوم محوراً للتجاذب السياسي والاستقطاب الفئوي والمنفعي، بالنسبة للكتل والمجموعات البرلمانية والسياسية حالياً، وقد استغرقت حيّزاً غير قليل من مناقشات الدستور، سواءً قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أو “الدستور الدائم” الذي تم التصويت عليه في 15 أكتوبر/ تشرين الأول العام 2005 وأجريت انتخابات أولى، ديسمبر/ كانون الأول ،2005 وانتخابات ثانية مارس/ آذار،2010 على أساسه، ولكن ذلك لم يمنع من اندلاع الخلاف والجدل واحتدام النزاع والصراع لتفسير أو تبرير اتجاهات الكتل السياسية ومصالحها بشأن النفط، خصوصاً قد تضمّن الدستور على الكثير من الألغام، ناهيكم عن غموض والتباس، قاد ويقود إلى المزيد من التوتر في الوضع السياسي، بل أصبح يهدد العملية السياسية برمّتها، لا سيما إذا لم يتم التوصّل إلى حلول مُرضية وسلمية، تنسجم وتتوافق مع المصلحة الوطنية العليا، وهدف التنمية الشاملة .

ونصت المادة 111 من الدستور على أن النفط والغاز ملك الشعب، الأمر الذي ينبغي توظيفه لمصلحة عموم الشعب وإخضاع هذا المورد الحيوي والأساسي لرفاهه وتنميته . ولكن للأسف الشديد ظلت هذه الثروة تهدر من دون حساب أو رقابة تُذكر، فضلاً عن أعمال النهب المنظّمة والعشوائية التي طالته . وخلال السنوات المنصرمة فشل البرلمان في التوصل إلى إصدار قانون موحد للنفط والغاز، على الرغم من الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس بوش الابن، لاسيما منذ العام 2007 ولغاية انتهاء إدارته الثانية، علماً بأنها تمكّنت من فرض الاتفاقية الأمريكية- العراقية، وفقاً للصيغة التي تريدها، في إطار اختلال موازين القوى، بين طرفين أحدهما قوي والثاني ضعيف، والأول محتل والثاني محتلة أراضيه .

وبسبب عدم وجود قانون موحد للنفط والغاز، فإن الأطراف السياسية المعنيّة تصرّفت بما ينسجم مع قناعاتها ومصالحها، بفعل فيتو الكتل السياسية، وبسبب هذه الخلافات بقي الحال على ما هو عليه، وهكذا يتم الأمر حين يحدث التوتر، فإن التصعيد سيكون جاهزاً، ويستمر الأمر الواقع، “واقعاً” لا سيما إذا تكرّس بحكم الزمن ومن دون حلول جدّية ومقنعة .

ومن الأمور التي قد تعقّد الوضع، وتزيد من تباعد الحكومة الاتحادية المنفرط عقدها عن حكومة إقليم كردستان بشأن السياسة النفطية، هو الاتفاق بين الإقليم وتركيا على مدّ أنبوب للنفط وآخر للغاز عبر أراضيها، وهذا الخط يمثل المرحلة ما قبل الأخيرة لاكتمال المشروع النفطي في الإقليم منذ العام ،2003 وستكون المرحلة الأخيرة عند الاتفاق على ميناء التصدير .

إن استمرار الخلافات وتعثّر العملية السياسية وضعف الثقة بين الفرقاء، بل واحترابهم، قد يؤدي إلى المزيد من التشظّي، بسبب النفط أولاً، خصوصاً بدخول الشركات الاحتكارية والمصالح الدولية على الخط، الذي قد ينذر بعواقب وخيمة، لاسيما في ظل ارتفاع موجة التشطير المذهبي والإثني، فالنفط كان ولا يزال سبباً أساسياً، وإن لم يكن وحيداً للصراعات التي شهدها العراق المعاصر، ولهذا فإن فيتو النفط، يعتبر أهم عقدة تواجه البلاد وسيؤثر حلّها في بقية العُقد!!




اختبار جديد للحرب الباردة
عبدالحسين شعبان

منذ انتهاء عهد الحرب الباردة 1947-1989 والعالم تتنازعه استراتيجيتان أساسيتان، حتى إن بدتا متناقضتين، إلاّ أنهما في الوقت نفسه متداخلتان أحياناً، الاستراتيجية الأولى استندت إلى مبدأ القوة الناعمةSoft Power  التي تقوم على الدبلوماسية والحوار في إطار نظام عالمي جديد له شروطه التي روّج لها جورج بوش الأب، ونظر لهذه الاستراتيجية ولسيادة الهيمنة الرأسمالية العالمية فرانسيس فوكوياما، الأمريكي من أصل ياباني، وصاحب أطروحة “ نهاية التاريخ”! .

أما الاستراتيجية الثانية فقد ظلّت منشغلة بالصراع العسكري (القوة الخشنة (hard Power) تلك التي ينبغي استغلال الوقت لتحقيقها ولضمان هيمنة واشنطن على العالم ليصبح القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً بامتياز . ولعل أطروحة “ الخطر الإسلامي” كانت جاهزة بعد انتهاء “ الخطر الشيوعي”، وهكذا ضجّت وسائل الإعلام بالإسلامفوبيا، وصدام الحضارات التي نظّر لها صموئيل هنتنغتون  . وإذا كانت واشنطن سعت لتوظيف ظفر الليبرالية على المستوى العالمي وتحقيق هزيمة الاشتراكية، فقد حاولت عبر تحالف مع الدول الصناعية الكبرى، لاسيما الاتحاد الأوروبي واليابان، فرض الهيمنة على العالم، بما يضمن لها السيادة الشاملة، باعتبارها السبيل لقيام عالم أكثر عدلاً، ولتقليص حدّة الفقر والتخلّف، كما برّرت .

ولم يكن اليمين الغربي وحده هو منظّر القوة الناعمة، بل إن مفكراً يسارياً كبيراً مثل نعوم تشومسكي كان قد دعا وإن كان من زاوية مختلفة إلى مواجهة المشكلات الكبرى مثل الإرهاب والفقر والتخلف والعولمة والتنمية من خلال علاقات دولية أكثر تكافؤاً، حيث تتفرغ الأمم المتحدة لحل النزاعات الدولية، وهذا يتطلّب انضماماً (جديداً) لواشنطن لنظام محكمة روما التي أعلن عن تأسيسها في العام 1998 ودخل ميثاقها حيّز التنفيذ في العام ،2002 وكانت الولايات المتحدة قد انضمت إليها عشية إغلاق باب الانضمام إلى الهيئة التأسيسية (أواخر العام 2000)، لكنها انسحبت منها بعد أن أصبحت نافذة بانضمام 60 دولة (2002) .

لم يكتفِ تشومسكي بذلك، بل اقترح حلولاً دبلوماسية واقتصادية واجتماعية للمشكلات الدولية، لاسيما بعد الاعتراف بمبدأ حق تقرير المصير الوارد في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 55) وبحق الدول في الدفاع عن النفس فرادى أو جماعات طبقاً للمادة ،51 خصوصاً من أجل التحرر الوطني والانعتاق ونيل الاستقلال، كما اقترح بضع خطوات لإعادة هيكلة الأمم المتحدة وتعديل ميثاقها، بما فيه إلغاء حق الفيتو للدول الأعضاء الدائمة العضوية (الخمسة الكبار) .

وإذا كانت تلك مفردات استراتيجية القوة الناعمة، فإن استراتيجية القوة الخشنة (أو الصلبة) اعتمدت على تشكيل إمبراطورية أمريكية بهدف السيطرة العالمية، ولم يكن ذلك مجرد التلويح بالقوة أو التهديد باستخدامها، بل قادت واشنطن حروباً لتأكيد ذلك، وذلك من خلال منظومة أفكار اتّسمت عملياً بسيادة العنف والعسكريتاريا على السياسة الأمريكية، ابتداءً من بوش الأب ومروراً بكلينتون ووصولاً إلى بوش الابن، وإن ظل أوباما يسير على خطاهم، لكنه بتثاقل أو بالكثير من التردّد .

خلال السنوات الماضية خاضت واشنطن حرباً ضد العراق (لتحرير الكويت) العام 1991 وحرباً اقتصادية (حصاراً ضد العراق) استمر 13 عاماً، وخلالها خاضت حرباً لتفكيك يوغسلافيا (عبر الأطلسي) ضد صربيا بعد المجازر في البوسنة والهرسك، ثم حرباً ضد أفغانستان 2001 . أما الحرب ضد الإرهاب التي بدأت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية العام 2001 فا تزال مستمرة ومتواصلة من باكستان وأفغانستان وإيران وسوريا، وصولاً إلى المغرب العربي والصومال ومالي في إفريقيا، بل إن مداها العالم كلّه . وكانت واشنطن قد وصفت في “مفكرتها” الدولة المارقة التي يدخل فيها إيران وكوريا أيضاً، وذلك بعد العراق وسوريا وليبيا والسودان، ناهيكم عن منظمات تم وصفها بالإرهاب مثل حزب الله وحماس والجهاد وغيرها، وهو ما كان قد ركّز عليه وزير الدفاع في عهد بوش الابن، دونالد رامسفيلد، وصقور الإدارة الأمريكية .

لقد كان قرار الحرب على العراق قد اتخذ بُعيد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، لاسيما أن الكونغرس كان قد أصدر قراراً “لتحرير” العراق في العام ،1998 ولدعم المعارضين للنظام السابق، بحجة وجود أسلحة دمار شامل وعلاقته بالإرهاب الدولي، لاسيما تنظيمات القاعدة، فضلاً عن إجراء تغيير ديمقراطي ليكون العراق “نموذجاً” يحتذى به في الشرق الأوسط الجديد والكبير لاحقاً .

وبعد احتلال العراق العام 2003 واتّضاح كذب مزاعم وجود أسلحة دمار شامل، ثم عدم صحة وجود أسلحة دمار شامل، وبعد المأزق الأمريكي في العراق، طويت مسألة الديمقراطية، وأصبح الحفاظ على الأمن والاستقرار الهاجس الأمريكي الأساسي، واضطرت واشنطن إلى سحب قواتها من العراق بفعل الخسائر التي تعرّضت لها، المادية والمعنوية، وخصوصاً البشرية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة، وضغط الرأي العام الأمريكي والأوروبي والعالمي المعادي لاحتلال العراق، لاسيما بعد فضائح سجن أبو غريب والسجون السرية الطائرة والسجون السرية العائمة .

لا يزعم اليوم أحد لاسيما من الأمريكان، بمن فيهم من خطّط ونظّم للحرب والغزو على العراق، إلاّ على نحو محدود جداً، إنها كانت حروباً من أجل الإنسانية أو من أجل الشعب العراقي، خصوصاً هذا الأخير وبعد معاناة من الاستبداد والدكتاتورية والحصار، ظل يعاني الاحتلال، فضلاً عن الإرهاب والعنف، اللذين لا يزالان قائمين حتى الآن، ناهيكم عن الفساد المالي والإداري وضعف هيبة الدولة وتشظيها، بفعل المحاصصة الطائفية والإثنية، التي أسهمت في تفتيت الوحدة العراقية .

“الحروب بلا حدود” التي قادتها واشنطن وبالتعاون مع دول حلف الأطلسي أضعفت من نظرية الأمن الناعم أو الدبلوماسية الناعمة  soft diplomacy ورجّحت الدبلوماسية الصلبة أو الخشنة Hard Diplomacy . وحتى الآن فإن الأزمات ازدادت استفحالاً، وطوي مشروع الدولة الفلسطينية الذي تبنّاه الرئيس كلينتون في آخر فترة رئاسته ، وكان الرئيس جورج بوش قد تذكّره في أشهره الأخيرة وحاول كسب الوقت لإحيائه، لكن الوقت أدركه، أما أوباما فقد نسي وعوده بإغلاق سجن غوانتانامو وخطابه في جامعة القاهرة باحترام مقدسات المسلمين، بل إن الأصوات تعاظمت خلال سنوات إدارته، باستفزاز مشاعرهم والإساءة إلى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وما زال الملف النووي الإيراني ساخناً، ولعلّ أي تحرش به من جانب “إسرائيل” يمكن أن يفجّر المنطقة ويدخلها في حروب قد لا تحمد عقباها، خصوصاً لإنتاج النفط وأسواقه وأسعاره وطرق مواصلاته، أو قد يؤثر في “إسرائيل” حليفة واشنطن ذاتها .

عادت اليوم روسيا والصين إلى الميدان، الأولى بفعل الأزمة السورية، أما الثانية فبحكم حضورها الاقتصادي، فهل نحن إزاء حرب باردة جديدة، ولعلّ انتخابات الرئاسة الأمريكية والمنافسة الشديدة بين أوباما ورومني، قد تفصح عن توجهات إزاء المرحلة الجديدة من الصراع الدولي، خصوصاً أن فجوات اقتصادية بدأت تكبر منذ الأزمة الكونية للرأسمالية العالمية، وصعود دور الصين .

وإذا كانت ملامح القوة الخشنة مهيمنة على المجمّع الصناعي - الحربي في واشنطن، فإن بعض ملامح القوة الناعمة، لا تزال في أوروبا واليابان، وتسيطر على أوساط دبلوماسية وعلمية وأكاديمية غير قليلة، فهل ستختار الحرب الباردة ساحات جديدة كأمريكا اللاتينية أو آسيا أو إفريقيا أو سيتم اختبارها في العودة إلى الشرق الأوسط الذي ظل منذ ما يزيد على ستة عقود ونصف من الزمان بؤرة توتر وحروب ونزاعات مستمرة، خصوصاً بفعل تأسيس “ إسرئيل” وقيامها بشن عدوان  متكرر على العرب، وبحكم وجود النفط ودور منطقة الشرق الأوسط في الصراع الدولي خلال الحرب الباردة، وهو ما عبّر عنه  الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور في مذكراته بالقول: إنها أقيم قطعة عقار في العالم؟





اللاعنف" هل هو منتج غربي؟          

عبدالحسين شعبان



في أوضاعنا الراهنة، وحيث يسود العنف إلى درجة يكاد يطبع حياتنا، قد يبدو الانشغال بأفكار اللاعنف، وكأنه نوع من التعالي على الواقع بتعقيداته ومشكلاته وهمومه، لكن مثل هذا الاهتمام له ما يبرره، خصوصاً أن العنف لم يترك جانباً إلاّ ويهيمن عليه، ويقوم بتدميره . ومع ذلك فثقافة العنف لاتزال سائدة، الأمر الذي يحتاج إلى شجاعة استثنائية لاختيار اللاعنف طريقاً واعياً للتصدّي لمشكلات المجتمع .



 لعلّ أبسط ما يمكن أن تواجهه أفكار اللاعنف هو ردود فعل ستراوح بين السخرية والخيانة، ففي الأولى سيقال إنها أفكار مثالية وغير واقعية، الأمر الذي سيظهر دعاتها أقرب إلى اليوتوبيا، أما في الثانية فسيثير البعض عنها الكثير من الارتياب والشكوك، بل وسيعدها دليلاً للاستسلام والانهزامية، امتثالاً أو تواطؤاً مع ما تريده القوى الاستكبارية الغربية!



 لكن مثل ردود الفعل تلك ستكون قد حرّكت ما هو ساكن إلى درجة التحجّر أحياناً، لاسيما وقد أخذ التجاوب مع الخيارات اللاعنفية يشمل قطاعات غير قليلة، في حين ظلّ التردد سمة غالبة لآخرين تتقلّب بين خيارات اللاعنف وخيارات العنف، وأحياناً تستبدل الأولى بالثانية وربما يحصل العكس .



  ولأن مجتمعاتنا تعاني طغيان العنف، فإن الحاجة كبيرة جداً ليس إلى تعميم ثقافة اللاعنف تعويضاً عن استمرار فعل العنف، خصوصاً أن الجميع يعانيه، بل لجعل مثل هذا الخيار أمراً واقعاً ومقبولاً يمكن الركون إليه، وهدفاً ممكناً وقابلاً للتحقيق ويمكن الوصول إليه .



 ولأن العنف فشل فشلاً ذريعاً في أن يكون الحل للمعضلات القائمة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتاريخية والنفسية، فإن الكثير من دعاته انتقلوا إلى التبشير والدعوة لفكرة اللاعنف، بل إن بعضهم نبذ العنف وأسدل الستار على مرحلة كاملة من حياته استخدم فيها العنف أو أيّد استخدامه، خصوصاً عندما عدّه وسيلة لا غنى عنها لحل المشكلات، لاسيما بإرغام الآخر وإجباره على التسليم والخنوع .



ولعل العنف قادر على تلويث أية قضية نبيلة، حيث يقوم بتشويه طابعها الإنساني، وهكذا تتحوّل المسيحية بحكم العنف إلى محاكم تفتيش وحروب صليبية، والإسلام إلى تكفير وتأثيم وإلغاء للآخر، والاشتراكية إلى استبداد وطغيان، والتحرير من الاحتلال الخارجي، إلى احتلال داخلي، وكل ذلك تجاوزاً على أفكار العدالة والحق والخير والجمال والسلام، غاية كل عمل شريف وإنساني .



ولكن هل العنف مدان بالمطلق؟ وماذا لو حصل العنف كرد فعل بسبب الغضب أو حالات من اليأس والقنوط، على نحو عفوي وفردي ضد محاولات القهر والإذلال والاستلاب؟ وبقدر تفهّم الأمر إنسانياً، وهو ما يحصل باستمرار ولا يمكن الحؤول دونه، فهذا شيء، أما محاولة تبريره أو أدلجته، فهذا شيء آخر، إذ إن تمجيد العنف أو تبرير استخدامه لتحقيق الغايات حتى وإن كانت شريفة، فالأمر مختلف تماماً . وكان فكرنا السائد وثقافتنا المعاصرة تزخر بتمجيد العنف بمصطلحات مثل: »العنف الثوري« و»العنف العادل« و»العنف الدفاعي« و»العنف الطبقي« و»العنف التحريري« و»العنف الإنساني« .



ولعلّ من يصل إلى السلطة بالعنف سيحكم بالعنف، وتلك عبرة التاريخ، والحصيلة هي هزيمة العدل والحق والسلام، وكان ميكافيللي هو من أدلج فكرة »الغاية تبرر الوسيلة« في كتابه »الأمير« . أما غاندي فقد كان نقيضه، حيث دعا إلى توحّد الغاية مع الوسيلة حين قال »الغاية هي الشجرة والوسيلة هي البذرة . إن الغاية موجودة في الوسيلة، كما أن الشجرة موجودة في البذرة« .



لعل مناسبة موضوع هذا الحديث هو حوار ونقاش جدي، مع مسؤولين رسميين في إقليم كردستان العراق بينهم وزراء التعليم العالي والتربية والعدل والداخلية والمعهد القضائي الأعلى، ونخب فكرية وثقافية وسياسية كردية وعربية عراقية بينها رئيس جامعة صلاح الدين ورئيس جامعة كردستان، وعميدا كلية القانون والسياسة (أربيل) وكلية الآداب لجامعة بابل (الحلّة)، خلال زيارة وفد جامعة اللاعنف . وكان الصديق جان ماري مولير الفيلسوف الفرنسي الذي رفض الخدمة العسكرية في الجزائر ودخل السجن بسببها، كثيراً ما يردد في حواراته وفي محاضراته وآخرها في دار آراس بأربيل: إذا كنّا لا نستطيع التحكّم بالغايات، فبإمكاننا التحكّم بالوسائل، وهذا سيعني التحكّم بالغاية من خلال الوسيلة، فالغاية هي مجردة، أما الوسيلة فهي ملموسة، وفي حين تُعنى الغاية بالمستقبل، فإن الوسيلة تُعنى بالحاضر .



أما المفكر العربي اللاعنفي وليد صليبي، ففي كتابه التأصيلي لفكرة اللاعنف »نعم للمقاومة، لا للعنف«، فإنه يَعد الوسيلة هي المعيار الأساس لشرف الغاية، حيث يقول: تبدو الغايات جميلة وكأنها متشابهة، لكن الفرق يكمن في الوسائل، فهي المقياس الوحيد لتقويم الأفكار والغايات التي تسعى إلى تحقيقها .



  وبهذا المعنى سيكون هناك تلازم عضوي بين الغاية والوسيلة، وتلك مسألة جوهرية وأساسية وليست عابرة أو ثانوية، فالسياسة من دون أخلاق تغدو بشعة وكريهة، لهذا بات من الضروري أن تكون السياسة أخلاقية لتكون فاعلة، لأن فاعليتها تُقاس بمدى تحقيق غاياتها النبيلة، ولعل إسقاط الخصم أو إطاحته ليس انتصاراً، إن لم يؤدِ إلى تحقيق الغايات الشريفة .



العنف يحتاج إلى بديل ولا بديل سوى اللاعنف والتسامح والتعايش والتواصل الحضاري والتفاعل الثقافي . ولكن ذلك لا يأتي بين عشية وضحاها، إنه يحتاج إلى عمل تراكمي، تدرّجي وتواصلي، أي عمل من دون انقطاع لنشر فكرة اللاعنف، باعتبارها الطريق القويم إلى تنمية المجتمعات .



ولكن، هل يعني خيار اللاعنف، تخفيض خيار المقاومة، أو استبدال وسائلها العنفية بوسائل لا عنفية؟ وانطلاقاً من تجربة انتفاضة الحجارة التي اندلعت في أواخر العام 1987 ضد الاحتلال »الإسرائيلي« واستمرت بضع سنوات، فقد أنجزت عملاً كبيراً لم يكن من الممكن إنجازه باستخدام العنف، وتلك إحدى تجارب المقاومة الناجحة . وثمة سؤال قد يحتاج القارئ إلى استجلائه بصورة واضحة، فالكثير من الحساسيات وردود الفعل تأتي إذا كانت الأفكار والفلسفات قد جاءت من الغرب، وإنْ كان ليس للفكر جغرافيا أو جنسية أو دين أو قومية أو لغة، ومع ذلك، فإن بعض التيارات المتطرفة والمتعصبة تبدي تحفظات عليه، بل وترى المنجز الغربيّ مريباً، و»كل غريب مريب« حسب وجهات نظرها . ولكن ماذا بشأن اللاعنف؟!



  يقول جان ماري مولير الفيلسوف الفرنسي المعاصر لفلسفة اللاعنف: لقد تعلمت اللاعنف من الشرق، من مفكر ومناضل آسيوي اسمه غاندي الذي استطاع بفعل مقاومته اللاعنفية الانتصار على أكبر دولة استعمارية في وقتها »بريطانيا العظمى« . فغاندي بحكم فلسفته ونضاله استطاع أن يكون جسراً بين الشرق والغرب، بما حققه من إنجاز فكري وعملي، حين جمع أفضل ما في الحضارتين الغربية والشرقية لتحقيق منجز اللاعنف .



 وإذا كنّا قد قرأنا الكثير من الفلسفات المعاصرة، الليبرالية والرأسمالية والاشتراكية، فإننا لم نقرأ فلسفات الشرق، لاسيما فلسفة اللاعنف التي جاء بها غاندي، الأمر الذي نحتاج إلى أن ندخله في مناهجنا العلمية والتربوية وفي جامعاتنا ومدارسنا، خصوصاً أنّ التربية معمل لإنتاج العنف أو اللاعنف، علماً أن الثقافة السائدة لاتزال تمجّد العنف دليلاً على القوة والجبروت وقهر الآخر، وبقدر ما يكون العنف سلبياً هادماً، فإن اللاعنف إيجابي بنّاء .



ولعلّ الانسان بطبيعته لديه طاقات عنفية مثلما لديه طاقات لا عنفية، وإذا ما استطاع تخطّي ضعفه واللجوء إلى خيار اللاعنف، سيكون قد تجاوز في الآن ذاته، الواقع الذي يزخر بالعنف، منتصراً بذلك لا على الآخر فحسب، بل على ذاته أيضاً .


 هكذا آمن قادة غربيون بأفكار الشرق اللاعنفية التي بلورها وطبّقها بشكل مبدع وخلاّق غاندي، وعنه أخذ مارتن لوثر كنغ قوة المحبة من أجل الحقوق المدنية، واكتسب نضال نيلسون مانديلا طعماً جديداً من خلال التسامح والمصالحة . اللاعنف إذاً، منتج حضاري ومدني وعصري، والفكر منجز إنساني وهو القاسم المشترك الأعظم .
 


حوار باريس -3"  
عبدالحسين شعبان

التأمت في باريس مؤخراً ندوة نظّمها مركز الدراسات العربي- الأوروبي (بمناسبة ذكرى  تأسيسه العشرين)، بالتعاون مع غرفة التجارة العربية- الفرنسية، تحت عنوان »العالم العربي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية«، وشهدت  الندوة مشاركات متميّزة من شخصيات روسية وأخرى صينية، إضافة إلى دول الجوار الإقليمي وخصوصاً من تركيا وإيران، فضلاً عن مساهمات مهمة لخبراء عرب وفرنسيين ومن الاتحاد الأوروبي  .

وإذا كان الكثير من الملفات يحتاج إلى حوار جاد ومسؤول وإيجابي، فلا بدّ من البحث في الإشكاليات والمشكلات الحقيقية من دون مجاملات أو ترضيات، الأمر الذي يستوجب الدخول في التفاصيل والجزئيات وهي عديدة ومتشعبة ومعقدة، وعدم الاكتفاء بالعموميات أو الإطلال على نقاط الاختلاف من فوق، فما بالك حين تتم مناقشة موضوع مهم وراهني مثل التحوّلات التي تواجه العالم العربي والسبل الكفيلة والمناسبة لبحثها، إضافة إلى التحدّيات القديمة والمستجدّة التاريخية منها والمعاصرة، لاسيما الراهنة وتأثيراتها، وتداعياتها المستقبلية، خصوصاً بعد رياح التغيير التي اجتاحت العديد من البلدان العربية .

كما انشغلت أعمال حوار باريس في البحث عن المشترك الإنساني الذي يمثل ملتقى للثقافات والحضارات المختلفة، تلك التي تتعايش وتتفاعل وتتداخل على نحو شديد في عالم موحد ومختلف ومتنوّع في الآن ذاته . ولم تتوقف الندوة عند ذلك، بل اهتمت بمبادرات تدعو إلى حوار المذاهب في أجواء رحبة من الرأي والرأي الآخر وفي إطار التعايش السلمي المجتمعي والإنساني، مثلما هي مبادرة خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبد العزيز مؤخراً، وهو ما تمت مناقشته باستفاضة من زوايا مختلفة،ارتباطاً مع مسألة حوار الأديان والثقافات وتواصل الحضارات وتفاعلها .

يأتي انعقاد »حوار باريس -3« بعد النجاح الذي حققه »حوار باريس -1« حول أمن الخليج، و»حوار باريس - 2«  حول الربيع العربي، لاسيما بعد صعود دور الإسلام السياسي وما يمكن أن تتركه المسألة السورية من تداعيات عربية وإقليمية ودولية، خصوصاً جوانبها الإنسانية المعقّدة والكثيرة التداخل بما له علاقة بالنظام العربي الرسمي ككل وعلاقته بدول الاقليم للجوار العربي، لاسيما النفوذ الإيراني ومحاولات التدخل والهيمنة والدور التركي وآفاقه بعد الربيع العربي، وزاوية النظر إلى الإسلام السياسي، بخلفياتها الأيديولوجية سواءً الراديكالية أو التوافقية!

أربعة اتجاهات أساسية تعاطت مع الأزمة ومشروع التغيير وبالتالي مع التحديات الراهنة والمستقبلية، كل من موقعه ومن خلفياته وهذه هي:

الاتجاه الأول الذي ينفي وجود أزمة عميقة ومستفحلة في المجتمعات العربية، وأحياناً يعلّقها بشمّاعة الخارج والقوى المتواطئة أو المتعاونة معه . وقد لا يعترف هذا الفريق بأي حركة احتجاج أو أي مطالب مشروعة من قبيل توسيع دائرة الحرّيات ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية في إطار مواطنة سليمة، وقد لا يتورّع من استخدام جميع الوسائل لقمعها طالما أنه لا يعترف بشرعيتها .

الاتجاه الثاني الذي يقللّ من شأن الأزمة ويختزلها إلى مجرد صعوبات أو احتقانات قد تجد بعض الحلول والمعالجات التي من شأنها إجهاض حركة الاحتجاج أو تأجيل انفجارها، أو السعي لامتصاص الغضب والنقمة، خصوصاً أن عواقب الانفلات قد تكون باهظة ووخيمة، لا سيّما إذا استحوذت عليها التيارات الإسلاموية والأصولية المتطرفة، ويضرب أمثلة على ذلك، كيف تراجعت مظاهر الدولة المدنية وحيثياتها في بعض المجتمعات العربية التي شهدت تغييرات ثورية، ناهيكم عن بروز نزعات مذهبية وإثنية وارتفاع منسوبها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفتيت الكيانات القائمة ويقسّمها أو يعرّضها إلى التشظي، وقد يقود إلى التدخّل الخارجي والهيمنة الأجنبية التي ستلعب في ساحة الوطن ككل، خصوصاً إذا ما استغلت الصراع القائم، لا سيما إذا تحوّل إلى صراع مسلح .

أما الاتجاه الثالث فإنه يعترف بوجود الأزمة ويدلل على عمقها ويؤيد التغيير الجذري الذي لا غنى عنه، لكنه يبدي مخاوف مشروعة إزاء بعض مظاهر الفوضى والعنف والانفلات بسبب ضعف هيبة الدولة، خصوصاً في ظل التداخلات الجيوبوليتيكية الإقليمية والدولية . وتدريجياً أخذ يزداد قلق العديد من النخب المدنية من هيمنة الإسلاميين على الحياة العامة واستحواذهم على التغيير أو حصدهم لنتائجه وتوجيهه الوجهة التي يريدون، في ظل ضعف وتشتت القوى اليسارية والعروبية والديمقراطية .

ويعتبر الاتجاه الرابع الأزمة بنيوية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية وأخلاقية، ولا فكاك منها إلاّ بالثورة والانقلاب عليها بحيث تطيح ما هو قائم لتقيم مكانه نقيضه السياسي، ولا يتورّع بعض عناصر هذا الفريق الراديكالي ( وقد يكون ثمة جزع أو عجز أو تبرير) وبسبب الانتهاكات المزمنة، من استخدام العنف وصولاً لتحقيق أهدافه، وأحياناً يستسهل التدخّل الخارجي، بل ويعوّل عليه لإنجاز هدفه المباشر، نافياً أي إمكانية للتراكم والتطوّر التدريجي الطويل الأمد، خصوصاً وقد وصلت الأزمة في بعض البلدان إلى طريق مسدود .

وفي إطار هذه التقديرات المتناقضة والمتباعدة كانت تدور أحداث الربيع العربي في عدد من البلدان العربية، ولا تزال عجلتها مستمرة بالدوران حتى الآن! وبقدر ما يصبح التغيير أمراً واقعاً، وهو الحقيقة التي لا غنى عنها، فإن هناك تحدّيات تواجهه في الحال وفي المستقبل أيضاً، وهي تحدّيات موضوعية وذاتية، ويمكن رصدها من خلال مشتركات وقواسم محددة، وإنْ كان هناك اختلاف وخصوصية لكل بلد، فثمة تحدّيات تتعلق باحتمال انزلاق المجتمعات نحو الفوضى والتشتّت والتشظي بسبب التراكم السلبي الطويل الأمد لهضم الحقوق والحرّيات، ناهيكم عن احتمالات تفشي ظاهرة العنف والإرهاب وتداخلاتها وتداعياتها المحلية والدولية .

ومن دون إسقاط الرغبات، فإنه موضوعياً، ستكون قضية التنوّع الثقافي والهوّيات الفرعية الدينية والإثنية وحتى »المذهبية« مطروحة على بساط البحث، مثلما هو موضوع المرأة وحقوقها وقضايا التقدم الاجتماعي بشكل عام . أما قضية العدالة الانتقالية فستحظى بحيّز غير قليل من الاهتمام، لاسيما أسلوب التعامل مع أركان الأنظمة السابقة، خصوصاً لا بدّ من كشف الحقيقة كاملة ومساءلة المرتكبين وتعويض الضحايا وجبر الضرر، الأمر الذي يستوجب إصلاح المؤسسات القانونية والقضائية والأمنية، لتوفير بيئة صالحة لعملية التحوّل الديمقراطي، سواء بالانطلاق من فقه التواصل أو من فقه القطيعة، ولكن لا بدّ من إطفاء نار الكراهية والثأر والأحقاد وإعادة لحمة المجتمعات على أسس سلمية ومدنية وعابرة للطوائف والإثنيات والأديان، باحترامها وتأمين جميع المستلزمات للخصوصيات والهويات الفرعية .

أما إعادة بناء الدولة فهي عملية معقّدة تراكمية وثقافة تدريجية طويلة الأمد وعلى حد تعبير الشاعر، اكتوفيو باث، الحائز جائزة نوبل فالديمقراطية ليست نسكافيه (قهوة) سريعة الصنع، بل إنها عملية بناء مضنية وطويلة وتربية وثقافة تراكمية تدرّجية بحاجة إلى أسس صحيحة .

وسيواجه موضوع حكم القانون والعدالة دول المنطقة سواء التي انهارت نظمها أو ربما ستنهار، وسواء سعت لتحقيق الإصلاحات أو لم تسع، إذ إن الأمر سيكون استحقاقاً واقعياً داخلياً ودولياً وسيثار موضوع شكل الدولة: مركزية أو لا مركزية، بسيطة أو مركّبة، فيدرالية متعددة أو موحدة، مع احتمال وجود نزعات انفصالية قد تجد طريقها إذا لم تتوصل المجتمعات القائمة إلى توافقات واحترام للهوّيات والخصوصيات .

وسيكون الإسلاميون والعلمانيون في حوار منقطع ومتصل، وبين مفترق الطرق: هل يتواصلون أو يديرون الظهر لبعضهم بعضاً، وهو ما ستحدث حوله اصطفافات إسلامية وصراعات بين إسلاميين معتدلين وإسلاميين متطرفين، وكذا الحال بالنسبة للعلمانيين ولعل هذا يحتاج إلى حوار مستقل قد ينتظم في باريس، تحت عنوان "حوار باريس -4"
 




الثورة وسؤال اللاعنف       
د. عبدالحسين شعبان

سألتني الأديبة والإعلامية نوال الحوار عن جدوى الحديث عن اللاعنف في ظل مجتمعات تنزلق إلى العنف بصورة مريعة، وتنفتح فيها شهيّة المتصارعين بلا حدود للإقصاء والإلغاء والإفناء، للآخر، الخصم، العدو، وأردفت بالقول أين مكان اللاعنفيين في ما تطلق عليه “الربيع العربي” حيث تندلع الثورات، ومثالي هو سوريا؟ وكان جوابي في برنامج “المشهد الثقافي” الذي تقدّمه، أن استمرار ظاهرة العنف ومن ثم العنف المضاد هما اللذان يجعلان من الدعوة للاعنف ضرورية وراهنية بإلحاح، خصوصاً أن ثقافة العنف هي السائدة، ويتطلّب الأمر تسليط الضوء على مخاطر العنف وردّ الفعل “ العنفي” عليه في ثنوية لا تنتهي، كأنها مصارعة على الطريقة الرومانية، بحيث يتم القضاء على أحد المتصارعين، في حين يصل الثاني إلى حدود الموت أيضاً، وهكذا سوف لا يكون أحد منتصراً وهو يمارس لعبة العنف التي ستحرق الجميع من دون استثناء . ثم من قال إن العنف ملازم للثورات بالمطلق؟ لنأخذ انتفاضة الحجارة الفلسطينية مثالاً بارزاً، فقد اندلعت في أواخر العام 1987 وأوائل العام 1988 وامتدّت لأعوام، من دون أن تتمكن “إسرائيل” من القضاء عليها، على الرغم من محاولات استدراجها للانخراط في ردّ الفعل لمواجهة العنف بالعنف، في ظرف مختل ويميل فيه ميزان القوى لمصلحة الصهيونية و”إسرائيل”، وهو الأمر الذي لم تنجرّ إليه الانتفاضة الفلسطينية آنذاك، حيث فوّتت الفرصة على “إسرائيل” لدمغ كل أعمال المقاومة والحق المشروع بالدفاع عن النفس بالإرهاب . وأتذكّر أنني بدعوة كريمة من السفير الفلسطيني في براغ سميح عبد الفتاح، العام 1988 ألقيت محاضرة عن “الانتفاضة الفلسطينية” . . بين السياسي والايديولوجي، وعندما وصلت إلى الحديث عن سمات الانتفاضة وخصائصها الجديدة ندّت همهمات من داخل القاعة، أقرب إلى الاعتراض أو حتى الاحتجاج تتساءل عن مدى انطباق أطروحاتي مع تعاليم ماركس ولينين حول شروط الانتفاضة وقيادتها .

وأقدّر الوقع الجارح على الذين لم يستوعبوا المتغيّرات، فاستمروا يفسّرون الظواهر طبقاً لبعض القوالب الجاهزة والتعاليم النظرية التي عفا عليها الزمن، حتى وإن كانت تصلح لزمانها، خصوصاً أن معطيات مختلفة تبلورت بين هذه وتلك، فما بالك ونحن نتحدث عن  فلسطين تحت الاحتلال، والأمر سيزداد تعقيداً في الوقت الحاضر بشأن قيادة الانتفاضة وأساليب كفاحها وتكتيكاتها وقواها المحرّكة ودور الشباب، وأهمية الاعلام تعبوياً وتحريضياً وتنظيمياً في تواصلها واستمرارها، وهو الأمر الذي تفرضه العولمة بوجهيها المتوحّش والإيجابي، في ظلّ الثورة العلمية- التقنية وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والمواصلات .

وإذا أردنا أن نتحدث عن حركة الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت في العديد من البلدان العربية وقادت إلى تغيير أنظمة الحكم فيها فلا بدّ أن نأخذ المعطيات الجديدة في نظر الاعتبار، تلك التي تجلّت، على وجه الخصوص في تونس ومصر، فقد كان الخيار هو اللاعنف والمقاومة السلمية المدنية، أما في ليبيا فقد انطلقت الحركة الاحتجاجية وتوسّعت باعتبارها حركة سلمية ولا عنفية، لكنها تحوّلت لاحقاً كردّ فعل لعنف السلطات إلى عنف مقابل، ومن ثم تداخلها مع العنف الخارجي الذي قاده حلف الناتو، الأمر الذي ألحق أضراراً بالغة بقضية التطوّر السلمي المدني، وبالطبع اللاعنفي اللاحق .

وفي اليمن، أجبرت الحركة الاحتجاجية اللاعنفية، الرئيس علي عبدالله صالح على التنحّي على الرغم من انتشار السلاح، حيث أسهم مجلس التعاون الخليجي في إنجاح عملية اتفاق مضنية، لا تزال بحاجة إلى تأمين مستلزمات نجاحها واستمرارها، لا سيّما أن هناك قلقاً لا يزال قائماً من الصدام المسلح وانفلات العنف الذي قد يجرّ وراءه عنفاً لبعض دول الجوار .

وكانت الحركة الاحتجاجية المدنية السلمية لا عنفية في سوريا، واستمرّت على هذا النحو ستة أشهر تقريباً، لكن العنف الذي مارسته السلطات بقمعها، دفع بعض أطرافها إلى الاستعانة بالعنف للمواجهة، وهكذا يستمر العنف والعنف المضاد من دون إمكانية التوصل إلى حلول سياسية ومقنعة، ويدفع الشعب الفاتورة عدّة مرات، في الأولى حيث يستمر قمعه وعدم الاستجابة لمطالبه السلمية، وفي الثانية حيث المجابهات المسلحة وتدمير البنى التحتية والمرافق الاقتصادية الحيوية وما بناه بسواعده وعرقه على مدى عقود من الزمان، وفي الثالثة حيث يستمر الحصار الاقتصادي عليه مدمّراً نسيجه الاجتماعي، وفي المرّة الرابعة حيث تلوح في الأفق احتمالات استمرار الحرب الأهلية التي قد تؤدي إلى تفتيت البلاد وتشطيرها، من دون التمكّن من حماية المدنيين وتأمين احترام حقوق الإنسان . وفي المرّة الخامسة ما سيتركه العنف على المجتمع من تأثيرات خطرة، ولعلّ التجربة العراقية خير مثال على انزلاق العنف وشموله فئات الشعب كافة .

ولهذه الأسباب يعدّ البعض أي حديث عن اللاعنف إنما هو أقرب إلى “البطر الفكري” أو رغبة في إسقاط الأفكار على الواقع أو محاولة لتجسيد بعض المثل العليا في بيئة لا تصلح لها، أو حتى يعدّه في أحسن الأحوال نوعاً من “الهذيان الفلسفي” .

لكن وقائع التاريخ البعيد والقريب فيها الكثير من الأمثلة للإجابة عن السؤال الذكي عن الثورة واللاعنف، ولنأخذ مثالين آخرين من منطقتنا بعد مثال ثورة الحجارة الفلسطينية . الأول هو نجاح الثورة الإيرانية في العام 1979 باللاعنف، بعد حركة احتجاج استمرت بضعة أشهر، وبعد تطوّر أساليب المقاومة اللاعنفية، حيث اضطرّ شاه إيران إلى الرحيل وأطيح النظام، والثاني هو الحركة الاحتجاجية الواسعة التي بدأت في لبنان في العام 2005 التي اضطرّت بعدها القوات السورية إلى الانسحاب بعد وجود استمر نحو 30 عاماً .

أما الأمثلة من خارج المنطقة فهي كثيرة أيضاً، حيث كانت لحظة انهيار جدار برلين ،1989 إيذاناً بوضع حد فاصل بين مرحلتين، ونجحت ثورات أوروبا الشرقية جميعها تقريباً باللاعنف، عدا بعض استثناءاتها في رومانيا، أو في ما بعد خلال حروب يوغسلافيا وانقساماتها، أو عند تفكّك الاتحاد السوفييتي والحروب التي أعقبته، لكنها كانت ثورات لا عنفية بامتياز، وقد تحاقبت مع بعض التغييرات في أمريكا اللاتينية بواسطة اللاعنف، وأحياناً كانت الثورة تمرّ عبر صندوق الاقتراع كما عكست الانتخابات في نيكاراغوا وفنزويلا وتشيلي والإكوادور والبرازيل .

ولعلّ هذا واحد من التغييرات التي حصلت في مفهومنا للثورة، فهي ليست بالضرورة عملية عنفية، أو تشترط أن يكون وراء كل ثورة أو حتى حركة ثورية “نظرية ثورية”، وهو ما كنّا نردّده لعقود من الزمن، وقد كشف لنا الواقع إمكانية “الانتصار باللاعنف”، مثلما انتصرت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والحركة المناهضة للتمييز العنصري في جنوب إفريقيا، بل أصبح اليوم بإمكان قيادات ثورية شابة ومن خلال التواصل الاجتماعي، إنجاز مشروع الثورة، إذا ما توفّرت الشروط الموضوعية والذاتية لذلك، وانتفت الحاجة إلى ما سُمّي “العصبة الثورية” لقيادة العمل الانقلابي في جنح الظلام، والتخطيط له سرا وعبر أوكار حزبية، فالعالم تغيّر وأساليب الكفاح تطوّرت .

ومهما ارتبطت الثورات تاريخياً بالعنف باعتباره “قاطرة التاريخ” على حد تعبير ماركس، ومهما كان العنف متأصلاً في المجتمع، الاّ أن السلم والتطوّر التدريجي، يظلاّن الهدف المستمر لأي تغيير ثوري، وبهذا المعنى ستكون الثورة حالة مؤقتة، بل وحتى عابرة، وسيكون وليدها “ التاريخي” الذي ارتبط بها أي العنف “ مؤقتاً” أيضاً، ولن تزدهر الحرية الاّ بالسلم، وهكذا، فالثورة ليس بإعلان مجابتهما للأنظمة القائمة، ولكن بقدر استمرارها وتحقيقها أهدافها، ولاسيما الحرية والعدالة الاجتماعية .

وبهذا المعنى سيكون اختيار اللاعنف لتفجير الثورات عملية خيار واعٍ لجوهر ومحتوى الحرية، استباقياً، باختصار الطريق للوصول إلى “مملكتها”، ذلك أن انفلات العنف سيؤدي إلى التجاوز على القوانين والأنظمة، ويفتح الغرائز لشهيّة المتصارعين في استئصال أحدهم الآخر، وإذا كان العنف بالقانون “مقنناً”، فإن انفلاته مجتمعياً سيكون بلا حدود، وخطراً يهدّد السلام والحرية وقيم الثورة ذاتها وفلسفتها . وسيكون من أولى واجبات الثورة تقنين العنف وحصره بالدولة تحديداً لإمكانية تحقيق المساواة والعدالة والتنمية واحترام الحقوق الإنسانية . ويعرف غاندي بأنه مؤسس المقاومة السلمية “الساتياغراها” التي تقوم على ثلاثية الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وقد انتصر باللاعنف على “بريطانيا العظمى” أعتى امبراطورية في العالم في حينها عبر الإضراب عن الطعام والمقاطعة والاعتصام وصولاً للعصيان المدني حتى تمكن من إلحاق الهزيمة بالاحتلال وتحقيق الاستقلال . وأخيراً، يمكن القول إن اللاعنف لا يعني السلبية أو الضعف، وحسب غاندي أنه أعظم قوّة متوفرة للبشرية . إنها أقوى سلاح صنعته براعة الإنسان .



 
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان 

من تاريخ الأفكار 4-5

من هو العراقي؟

عن قوانين الجنسية الجائرة التي جعلت عائلة الجواهري الكبير تحسب على "التبعية الإيرانية"!

نوري السعيد هو الذي أسس لأحكام الإعدام في العراق بإعدام العقداء الأربعة وقادة الحزب الشيوعي.. لكنه كان سياسياً محنّكاً

بعد ثورة تموز 1958 نسي الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني

لقد كان قانون الجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924، غريباً في تحديد من هو العراقي، وترتّبت عليه وشيّدت فوقه منذ ذلك التاريخ وحتى الوقت الحاضر طائفة من القوانين والقرارات الصادرة فيما بعد، سواءً قانون الجنسية العراقية رقم 43 لعام 1963 وتعديلاته أو قانون الجنسية العراقية رقم 46 لسنة 1990 أو قرارات مجلس قيادة الثورة منذ العام 1968 ولغاية العام 2001.

وحتى صدور الكتاب قبل الاحتلال نشرت الصحافة خبراً عن قرار غريب يسمح بموجبه للمواطنين العراقيين من غير العرب بتعديل قوميتهم إلى القومية العربية، في محاولة لتغيير التركيب الديموغرافي والواقع السكاني. وهو القرار الذي صدر عن مجلس قيادة الثورة برقم 199 في 6 أيلول (سبتمبر) 2001، ولعل مشكلة كركوك اليوم التي تزداد تعقيداً هي امتداد لتلك المشاكل التي ظلّت عالقة، سواءً بوجود المادة 140 من الدستور وقبلها بوجود المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، أو دونها، ناهيكم عن قرارات التهجير سيئة الصيت، لاسيما القرار 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980 والذي تم على أساسه تهجير الآلاف من العراقيين بحجة التبعية الايرانية المزعومة.

لقد أدّت تلك القوانين والقرارات  إلى حرمان شرائح كبيرة من الجنسية العراقية وتم التشكيك في ولائها للعراق، وبخاصة خلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988 وارتفاع موجة العداء والكراهية، بحيث تصبح عائلة مثل عائلة الجواهري الكبير، رائد الشعر العربي الكلاسيكي في القرن العشرين والخليلي جعفر القاص الريادي وأخيه الأديب عبد الغني وعائلة الحيدري مهدي، أحد رواد مقاومة الاحتلال البريطاني وغيرهم من التبعية " الإيرانية" وتُعزل وترمى خارج الحدود.

تقويم نوري السعيد

*كان الخروج في تظاهرة  1956 وأنت تهتف بسقوط نوري السعيد والخروج من حلف بغداد والانتصار لمصر، هي اللقطة الاولى في حياتك السياسية... ماذا لو عاد التاريخ  إلى الوراء هل ستلتقط اللحظة ذاتها بالاتجاه نفسه وتهتف بسقوط نوري السعيد؟ ألا ترى أن نوري السعيد أرسى ملامح الواقعية السياسية التي افتقدناها  زمناً طويلاً، منذ حلول جمهوريات الخوف وهيمنة الشعارات الحماسية على حياتنا؟ كيف تقيّم السعيد سياسياً وانساناً بعد التجربة المريرة التي شهدها العراق؟

- البعد الزماني وتلاحق الهزائم وتصاعد أعمال القمع والارهاب وصعود الدكتاتورية بألوانها المختلفة، لا ينبغي أن ينسينا الواقع المرير الذي كان العراقيون يعيشونه، حيث الإرتباط بحلف بغداد وتكبيل الحريات وقمع كل صوت معارض، حتى إن كان كامل الجادرجي وهو شخصية وطنية ديمقراطية معتدلة أودع السجن، وتم سحب الجنسية العراقية عن كامل قزانجي وتوفيق منير وسفّرا إلى تركيا، وصدرت قرارات بسحب جنسية عزيز شريف وكاظم السماوي وعدنان الراوي وآخرين، وأودع في السجن المئات من النشطاء من خيرة بنات وأبناء الشعب العراقي.

إن الذي أسس لأحكام الاعدام في العراق كان نوري السعيد ذاته، بإعدام العقداء الأربعة فهمي سعيد ومحمود سليمان وكامل شبيب ويونس السبعاوي وسجن العشرات من المناصرين لحركة العام 1941 المعروفة باسم حركة رشيد عالي الكيلاني، كما تم إعدام قيادات الحزب الشيوعي يوسف سلمان يوسف (فهد) وحسين محمد الشبيبي (صارم) ومحمد زكي بسيم (حازم)، وآخرين لا يذكرهم الحزب الشيوعي مثل ساسون دلال ويهودا صدّيق العام 1949، ولعل الأجواء التي خلقها كانت وراء إغراق وثبة كانون بالدم، حين خرجت الجماهير احتجاجاً على معاهدة بورتسموث العام 1948، لاسيما في معركة الجسر الشهيرة، الأمر الذي أدى إلى إسقاط وزارة صالح جبر، كما أن نوري السعيد لم يكن بعيداً عن قمع انتفاضة تشرين العام 1952 وانتفاضة العام 1956، دعماً للشقيقة مصر، وهو الذي زوّر انتخابات البرلمان وقمع أي متنفس للحريات وأغلق الهوامش الصحفية التي ظلّت محدودة.

يمكنني القول أن العهد الملكي هو الذي حفر قبره بيده، وكانت سياسات نوري السعيد والوصي عبدالاله، هما السبب الأساس فيما وصلت اليه أوضاع البلاد وبعد أن انسدّت جميع الطرق إتّجه الجيش نحو الانقلاب العسكري، الذي سرعان ما تحوّل  إلى ثورة بتأييد شعبي ساحق أغلق الطريق على الثورة المضادة وعلى بقايا النظام الملكي من الانقضاض، لكن هذه الثورة مثل غيرها قطعت خط التطور التدريجي الذي كان يمكن ولو ببطء شديد أن يستمر، ولولا اندفاعات نوري السعيد بالذات، لكن الهامش قد بقي أكبر، لكنه اختار طريق التشدّد والعزل والتهميش وحجب حق التعبير، وقد أخذ صدره يضيق بالتدريج من الآراء المغايرة فما بالك بالمعارضة. وكان يعتقد كغيره من الحكام الذين لم يتّعظوا ولم يأخذوا عبرة ودرساً بأنه ونظامه خارج نطاق التغيير، حتى أنه عشية اندلاع ثورة تموز (يوليو) 1958 كان قد صرّح من دار الإذاعة في بغداد " دار السيد مأمونة".

لكن ذلك لا يبرر أعمال العنف أو إعطاء شرعية للعسكريين للانتقال من الثكنات  إلى منصّات السياسة، ولعل أول خطيئة للثورة هي إعدامها العائلة المالكة خارج نطاق القانون، ثم القيام بتعليق الجثث ومن ثم سحلها في الشوارع، في همجية وبشاعة منقطعة النظير. وعلى الرغم من أن الاندفاع كان سائداً وردود الفعل حادة، لكن هذا الأمر بحاجة  إلى وقفة انتقادية حيث تم تأسيس العنف المضاد بعد الثورة، التي ابتدأت عهدها بالقتل والسحل، وكسواها من الثورات بدأت تأكل رجالها. وإذا كنتُ اليوم أميل للتطور والتراكم التدريجي، فإن الأمر لا يتعلق بالرغبات، خصوصاً عندما يحتدم المشهد ويصبح التغيير بالقوة أحياناً أمراً لا مفرّ منه، لكن القوة لا تؤسس الاّ لنقيضها قوة أخرى وهكذا .

وإذا كنتُ منخرطاً كما أشرتُ عاطفياً ووجدانياً وعائلياً وثقافة ومزاجاً ضد العهد الملكي، لكنني لا يمكن أن أنكر بعض إيجابياته، خصوصاً مقارنته مع ما حصل لاحقاً، وبقدر تطوّر العلم والتكنولوجيا تطوّر القمع أيضاً. أنقل هنا حواراً دار بين حسين جميل وإبن أخيه ماجد مكي الجميل الذي اعتقل في السبعينيات، ثم أطلق سراحه ودار الحوار التالي بينهما: قال العم حسين أن سجني أقسى من سجنك حتى لو كنت في قصر النهاية. أجاب ابن الأخ ولكن كيف يا عم فقد كانت تصلكم الصحف والمجلات ولديكم راديو، قال العم: ولو، فإن سجني أقسى، لأن النظام الذي سجنني يحتكم  إلى دستور مهما قيل عن سلبياته وهي كثيرة، وهو منتخب حتى ولو تم تزوير الانتخابات، أي أن فيه شيء من الشرعية والممارسة القانونية، أما من سجنك فليس لديه مثل هذه الشرعية، وأن الذين سجنوك جاؤوا بانقلاب عسكري والدستور مؤقت وإرادة الحاكم هي الأساس.. ألا ترى كيف يحصل الأمر والمقارنة؟

وكنتُ قد استعرتُ موسوعة التحقيقات الجنائية التي صدرت العام 1950 وما بعدها من الاستاذ حسين جميل، في مطلع العام 1969 وهي تحتوي على إفادات واعترافات القيادات والكوادر الشيوعية، فأرسلها لي قائلاً: إذا كنتم قد قلبتم الدنيا على بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية في العهد الملكي واعتبرتموه "جلاّداً"، فعليكم اليوم لا الرحمة على روحه حسب، بل ذكره مع شيء من التبجيل والتقديس، لأن الزمن الحالي والقادم سيكونان عسيرين عليكم، وقد قصد بذلك تولّي ناظم كزار منصب مدير الأمن العام وشروعه بتعذيب المعتقلين وافتتاح سجن قصر النهاية،الذي استقبل أعداداً كبيرة من الشيوعيين بجناحيهم (أي القيادة المركزية واللجنة المركزية) والقوميين والناصريين والبعثيين اليساريين (جماعة سوريا) وآخرين.

وبالمناسبة وعلى الرغم من مساوئ العهد الملكي، لكن القسوة كانت أقل بما لا يُقاس، بل إنها مقننة، وبقيت بعض الاعتبارات التي لا بدّ من مراعاتها. يوم اعتقل عمي شوقي شعبان بعد تظاهرات العام 1956 تدخّل حينها متصرف كربلاء لإطلاق سراحه، بل إن قاضي التحقيق جاء بصحبة عمي د. عبد الأمير شعبان لهذا الغرض، وعلى الرغم من تحفّظ مفوض الأمن فقد اضطّر إلى الرضوخ، ولكنه كتب البرقية التالية إلى بهجت العطية: في الوقت الذي نلقي القبض على الشيوعيين الخطيرين، تلعب الواسطات دورها في إطلاق سراحهم!

وبعد نحو عام احتاج عمي شوقي إلى شهادة عدم محكومية لإصدار شهادة جنسية كما أعتقد، فأخذه خاله عبد الرضا شعبان عضو غرفة تجارة بغداد وهو نسيب بهجت العطية إليه لاستحصال الموافقة اللازمة، وإلتفت العطية  إلى الشاب شوقي شعبان مازحاً حينها: لا تكَول (لا تقول) نحن رجعيين، وعملاء ، وسأطلعك على برقية مفوض الأمن، التي أشرت إلى مضمونها، ثم وضع توقيعه على الوثيقة التي يريدها مع علمه بانتمائه الشيوعي ونشاطه، هكذا كانت الأمور تسير.

ومع كل ذلك فإذا سألتني هل كان ينبغي تغيير النظام الملكي؟ سأجيبك نعم، لأن جميع الطرق أصبحت غير سالكة، وكان لا بدّ من الإطاحة بالنظام الملكي، خصوصاً بعد موقفه المخزي من العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر ومن ربط العراق بمشروع آيزنهاور وحلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وتحوّله  إلى مصدر تآمر وعداء لكل ما هو تقدمي. أما إذا أعدت السؤال عليّ: هل كان يفترض أن تتم الاطاحة به بالسيناريو نفسه؟ فسأقول كلاّ وألف كلاّ، وإنني لا أبرر العنف من أي أتى، وكان لا بدّ من الاحتكام  إلى القانون لكي يأخذ مجراه.

ولا زلت أتذكّر مشهد الأمير عبد الاله معلّقاً وعارياً من سطح أحد فنادق الكرخ،  (قرب ساحة الشهداء) وكلّما مرّ ذلك بخاطري، أشعر بالحاجة للتقيؤ، ولعل موقفي من العنف كان سبباً آخر في خلافات لاحقة مدوّنة ومكتوبة مع قيادة الحزب الشيوعي، لاسيما إطلالتي على تفاصيل أحداث الموصل وكركوك، وهو الموقف الذي أقوله من باب النقد الذاتي دون مواربة أو تبرير ودون محاولة إلقاء كل شيء على الخصم، الذي يتحمل مسؤولية كبيرة وأساسية، لكن علينا أن نعترف بمسؤوليتنا أيضاً فيما حصل من ارتكابات.

وكنت قد ناقشت الأمر مطوّلاً مع عامر عبدالله، القيادي المخضرم ودوّنت ذلك لاحقاً في مطالعتي عنه وبعض حواراتي معه في مادة مطوّلة، لاسيما بخصوص هذه القضية وقضايا أخرى وستجد طريقها إلى النشر في وقت قريب، فضلاً عن مطارحات مع آرا خاجادور وباقر ابراهيم وهما من القيادات التاريخية للحزب الشيوعي إذا جاز التعبير، تضمّنت سجالات حول إشكاليات شيوعية ذات طابع تاريخي وذات قضايا راهنة ومستقبلية.

وإذا كنت قد هتفت آنذاك عاطفياً بسقوط حكومة نوري السعيد وأنا فتى يافع تأثّر بأجواء العائلة والثقافة اليسارية التي كانت تعيش في بيتنا، فإنني سأهتف هذه المرّة بوعي وإدراك ومسؤولية، ومثلما عارضت الحركة الوطنية حلف بغداد، فعليها بالقدر نفسه معارضة الإتفاقية الأمريكية- العراقية.

لكن ذلك لا يمنع من القول أن نوري السعيد كان سياسياً محنّكاً ومناوراً بارعاً امتلك دهاءً وحيلةً كبيرتين، لكنه دموي بالقدر نفسه، وجرّب ربط العراق بالغرب، الاّ أنه ليس رخيصاً  إلى الحد الذي يجعله موظفاً لدى الدوائر الاستخبارية الغربية أو يعمل بصفة وكيل أو جاسوس فقد كان أكبر من ذلك بكثير، مثلما كانت تلك قناعاته، وكان لا يتوانى بالتعبير عنها، وخصومته كانت جريئة ولديه فروسية حتى في خلافاته، أما اليوم فهناك من يتحدث عن مشروع وطني، لكنه يعمل تحت الطاولة، بتوافق كامل مع الاحتلال، بل ويأتمر بأمرته، ولولا دعمه لما كنّا سنسمع عنه.

شخصياً أحترم من يقول أنه يرى مصلحة العراق بالتعاون مع الولايات المتحدة، وعلى الرغم من معارضتي لهذه الفرضية، فإنني لا أمتلك سوى النظر اليها من باب الاجتهاد السياسي، بعيداً عن التخوين أو التجريم، ولكننا نجد أحياناً من يتعامل بصفة أدنى، ففي حين يرفع نبرته بالتنديد، بعبارات غامضة ومبهمة، نراه بعد مقابلة مع موظف صغير في سفارة دولة متنفّذة يغيّر رأيه بالكامل. ولكنني في الوقت نفسه أعرف بعض السياسيين الذين يمتلكون وضوحاً وثقة بالنفس حين يقولون إن مصلحتنا في التعامل مع واشنطن، ويبررون ذلك، سواءً عندما كانوا في المعارضة أو حين أصبحوا في السلطة أو مشاركين في العملية السياسية، لكنني لا أشعر باحترام إزاء من ينفّذ ما تريده سرًّا، وبرفع صوته علناً بالضد من ذلك، والأمر لا ينطبق عليها، بقدر انطباقه على المشهد السياسي، بما فيه دور إيران ودول الجوار.

نوري السعيد سياسي سبق عصره، على الرغم من أن ذلك عصر كبار، مثل فاضل الجمالي وصالح جبر وأحمد مختار بابان وياسين الهاشمي وتوفيق السويدي وخليل كنّه وآخرين، مثلما كانت المعارضة والحركة السياسية والوطنية كبيرة بأسماء مثل فهد ومحمد رضا الشبيبي وكامل الجادرجي وجعفر أبو التمن ومحمد حديد وحسين جميل وعزيز شريف وعبد الفتاح ابراهيم ومحمد مهدي كبه وفايق السامرائي وصدّيق شنشل وهديب الحاج حمود وفؤاد الركابي وسعد صالح  وابراهيم أحمد ومصطفى البارزاني وغيرهم.

ومهما قيل من سلبيات في العهد الملكي، فلم تنقطع لغة الحوار بينه وبين المعارضة الرسمية، وحتى المعارضة السرية كانت تجد لها بعض المنابر العلنية لإيصال رأيها. وفي حديث خاص مع عبد الفتاح ابراهيم في العام 1971 أو 1972 وبحضور موسى أسد الكريم قال: كنّا شباباً وذهبت أنا ومحمد زينل حين كنّا ندرس في بيروت وصباح نجل نوري السعيد، لزيارة نوري السعيد في مصيف برمّانا، حيث كان يقضي فترة إجازته في الصيف، وكان ذلك العام 1924، والكلام للمفكر الماركسي الكبير عبد الفتاح ابراهيم، وكان هدف الزيارة هو الاعتراض لدى السعيد على معاهدة العام 1922 الاسترقاقية، وإلتقينا في مكان سكنه وكان يلبس الدشداشة البيضاء وبيده كأس العرق " الزحلاوي" وسألته لماذا لا ينسحب العراق من المعاهدة ويلغيها؟ فشرح لي السعيد مبررات قبول المعاهدة حتى ولو كان فيها بعض الإجحاف، خصوصاً والعراق يخرج من التبعية العثمانية، وهو بحاجة إلى حليف قوي، ويعتقد أن بريطانيا بشكل خاص والغرب بشكل عام هما حليفه القوي، وكلما تأسست وترسخت الدولة العراقية، يمكن للعراق أن يعيد النظر ببعض الجوانب، كما لم يكن يخفي مصلحة العراق في التحالف مع بريطانيا.

يقول عبد الفتاح ابراهيم وهو مؤسس جماعة الأهالي العام 1932 مع عبد القادر اسماعيل وحسين جميل ومحمد حديد، ثم انضم اليها الجادرجي وأبو التمن، وهو كاتب رسائل الشعبية العام 1933، لم أكن مقتنعاً بكلام السعيد واعتبرته من باب التبرير، وقد اختتم السعيد كلامه، مع رشفة عرق بالقول: تكبرون وتعقلون وتتعلمون، وهو ما اقتبسته عند حديثي عن الاتفاقية العراقية – الأميركية، بالقول، يبدو أن بعضنا قد كبر وعقل وتعلّم، والبعض الآخر كبر وعقل ولم يتعلّم، وهنا زاوية النظر تختلف برؤية مصالح العراق إذا كان هناك صدقية وجرأة.

أعتقد أن كلام نوري السعيد وإن كنت أخالفه، لكنني أرى أن فيه قدراً من الصدقية والقناعة والرقي، على عكس التبريرات الواهية التي قيلت حول الاتفاقية العراقية- الأميركية، التي لا يزال البعض يتشبث بها باعتبارها مكسباً أو إنجازاً، وسنرى كيف سيتم التصرّف بحيثياتها بعد الانتهاء منها سواءً بالانسحاب الفعلي أواخر العام 2011 أو الابقاء على قواعد عسكرية وقوات مؤهلة، بطلب من الحكومة العراقية لغرض استكمال مهمات التدريب والتأهيل للجيش العراقي أو لمواجهة التحديات الخارجية وحماية حدود البلاد، أو بالتوقيع على اتفاقية جديدة تكرّس " الاحتلال التعاقدي" بعد الانتهاء من " الاحتلال العسكري" وهي طريقة متّبعة و"قانونية" حيث توجد أكثر من 143 قاعدة أميركية خارج حدود الولايات المتحدة، من كوبا الثورية  إلى ألمانيا الأوروبية ومروراً بدول الخليج العربية، وصولاً  إلى كوريا والفيلبين الآسيوية، ناهيكم عن قواعد ممتدة في البحر وفي المحيط مثل ديغوا غارسيا وغيرها.

أتذكّر أنني زرت عبد اللطيف الشوّاف (الوزير في عهد عبد الكريم قاسم والقاضي المعروف) في القاهرة (مطلع العام 1971) عندما كنت أحضر ندوة احتفالية بمناسبة ميلاد جمال عبد الناصر (15 كانون الثاني/يناير) أي بعد ثلاثة أشهر ونصف تقريباً من وفاته، وكان قد زاره أحد السعوديين وأحد الأردنيين، وعلى الرغم من حذره قال معلّقاً ومقارناً بين أوضاعهم وأوضاعنا، ولكن أترون كيف حالنا وماذا حلّ بنا بعد القضاء على الملكية، وخاطبهم: "جلجلوا" على ملككم، وعندما استفسرا منه عمّا تعني كلمة "جلجلوا" أجابهم (أي حافظوا عليه) لكي لا تنتقل عدوانا إليكم، وضحك الجميع، وبعد مغادرة ضيوفه سألته أكان بإمكاننا الحفاظ على الملكية، أم أنها هي التي لم تحافظ على نفسها، لاسيما اندفاعات نوري السعيد وسياساته المعادية للشعب؟ فعلّق قائلاً هنا المشكلة! ولعل هذا ما استعدته مع القيادي البعثي السابق والقيادي الناصري لاحقاً عبدالله الركابي، وكذلك مع السياسي فيصل فكري.

الشيوعيون وقاسم

* أريد تحليلك على ضوء ترتيب الأحداث تاريخياً لقضية ارتباط الشيوعيين العراقيين بحكومة قاسم منذ أيامها الأول من المسؤول عن تقويض هذه العلاقة؟مالذي تحمله الشعب العراقي من جرّاء هذه العلاقة التي تفاوتت في مناسيبها تقدّماً وانحساراً ؟ هل استخدم قاسم أسلوب المكر في توظيف الشعبية والجماهيرية التي امتلكها الشيوعيون في تلك اللحظة؟ هل كانت  مسارات تلك العلاقة مقدمة لما حدث في صبيحة الثامن من شباط؟ وهل كان بالامكان لو طال العمر بقاسم وحكومته أن يسلّم أمور البلاد إلى صناديق الاقتراع والقادة التكنوقراط، علماً بأن وزارته الاولى تشجّع على مثل هذا الاعتقاد ؟كيف تقيّم الاجراءات التي قامت بها حكومته على المستوى الاجتماعي وظهور طبقات فقيرة إلى السطح؟هل كان قاسم واعياً لخطر الطائفية والتعصّب القومي الذي سيتفجر لاحقا بعد موته؟



- أطاحت ثورة 14 تموز (يوليو) النظام الملكي وأعلنت العراق جمهورية ، وكان الحزب الشيوعي من الأحزاب التي هيّأت للثورة أو شاركت في التحضير لها مثله مثل الأحزاب الأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر وبدرجات متفاوتة بالطبع مع نفوذ كل حزب ودوره، وكان كادره القيادي قد اطّلع على بيان صدر عن الحزب يوم 12 تموز (يوليو) يلوّح فيه إلى احتمال قيام أحداث مهمة ويوصي بالاستعداد لها ورفع درجة اليقظة، وعندما اندلعت الثورة وجد الحزب نفسه سبّاقاً إلى تأييدها في الشوارع والساحات ومعه الأحزاب الأخرى، على الرغم من درجة تعبئتها كانت أدنى كثيراً، وكان لمثل هذا التأييد الشعبي أن يؤدي إلى قطع الطريق على رجالات العهد الملكي ومنعهم من القيام بحركة مضادّة، كما أنه يكون قد قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، على الرغم من إنزال القوات الأميركية في لبنان والقوات البريطانية في الاردن، لكن إلتفاف الشعب وفيما بعد دعم حكومة الجمهورية العربية المتحدة وحكومات البلدان الاشتراكية، لاسيما الاتحاد السوفيتي أحبط أية امكانية للانقضاض على الثورة.

ومنذ الأيام الأول احتدم النقاش الداخلي، لاسيما بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست في 7 آذار (مارس) 1957، حول شعارات الوحدة والاتحاد، فحزب البعث إندفع باتجاه "الوحدة الفورية" وهو ما يذكره عدد من قادته مثلما هو خالد علي الصالح وهاني الفكيكي وستار الدوري وعلي صالح السعدي وطالب شبيب، وتسنّى لي محاورة بعضهم بشكل مطوّل ومعمّق، وكان الرأي السائد أن ميشيل عفلق بعد زيارته إلى بغداد وبقائه في فندق بغداد، كان قد حسم الأمر برفع شعار الوحدة العربية، في حين أن الشيوعيين، لاسيما عامر عبدالله وعزيز الحاج وسلام عادل وجمال الحيدري وبهاء الدين نوري وآخرين ، كانوا قد رفعوا شعار الاتحاد الفيدرالي وروّجوا له، وتسنّى لي حوار عدد منهم أيضاً وكان الطرفان أحدهما يستفزّ الآخر بطريقة صبيانية أحياناً، أو على أقل تقدير غير عقلانية، واندفع داخل الطرفين تيار إستئصالي، إلغائي، تهميشي، ونسي الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، ولعل ما كتبه العديد من قيادات أحزاب تلك المرحلة تعكس التوجهات السائدة ودرجة الاستقطاب والتنافر.

وأظن أن الحركة الوطنية بأطرافها الأساسية، انقسمت حول هذين الشعارين، فالحركة الكردية مالت إلى شعار الاتحاد الفيدرالي ومعها أوساط من الحزب الوطني الديمقراطي، وما سمّي بالجناح اليساري الذي قيل أن كامل قزانجي يمثله وهو الذي استشهد العام 1959 في أحداث حركة الشواف في الموصل، كما مالت حركة القوميين العرب وبقايا حزب الاستقلال وبعض الشخصيات القومية الأخرى إلى شعار الوحدة العربية مع الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما كان حزب البعث يطرحه.

وكان هذا الانقسام عمودياً ومركزياً، من القمّة إلى القاعدة، وفي حين انحاز أحد قادة الثورة العقيد  عبد السلام عارف إلى شعار الوحدة وألقى عدداً من خطبه الرنانة في عدد من المدن والمحافظات العراقية، كان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء أقرب إلى شعار الاتحاد الفيدرالي، وقلْ إنه لم يكن مع شعار الوحدة الاندماجية المطروح.

- يتبع -

حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -5


قيادةالحزب
أستطيع القول من باب النقد الذاتي وليس افتئاتاً على أحد، أن الحركة الوطنية بقضّها وقضيضها لم تكن ناضجة في تلك الفترة، وعاشت مرحلة مراهقة سياسية، ولعل وعي الكثير من قياداتها كان متدنّياً، فضلاً عن التمترس والرغبة في كسب الشارع والحصول على المواقع في الجيش والسلطة والمؤسسات النقابية والمنظمات الاجتماعية، في وضع أشبه بالغليان، أوحركة سيرك بكل الاتجاهات.

لقد عشعش مرض الطفولة اليساري لدى غالبية أطراف الحركة الوطنية وأعني بذلك نهج التهميش والعزل والإقصاء والاستئصال، فالبعثيون والقوميون استقووا بالجمهورية العربية المتحدة وبالرئيس جمال عبد الناصر وببعض قادة الجيش وانضمّ إليهم بعض القوى المخلوعة والمتضررة من الثورة، وحاولوا المرّة تلو أخرى الانقضاض على الحكم الجديد، سواءً بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف أو بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد (رأس القرية) ببغداد وصولاً إلى انقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963.

والشيوعيون ومن حولهم استقووا بالشارع وأصبحوا ينظرون للآخرين من خلال مواقعهم بغرور أحياناً وبعسف أحياناً أخرى، لاسيما باختلال المعادلة بين قمة السلطة وقاعدتها، فعلى الرغم من تمثيل جميع القوى الوطنية بحكومة الجمهورية الأولى، الاّ أن الحزب الشيوعي أستُثني منها، وهو الأطول عمراً، والأكثر تضحية والأصلب عوداً في محاربة النظام الملكي، لكن حصته من مناصب ما بعد الثورة كانت محدودة في السلطة، وإلى حين استيزار د. نزيهة الدليمي بعد احتدام الصراع مع القوميين والبعثيين، لم يكن أحد يمثّله في الوزارة، بما فيهم ابراهيم كبة أو غيره في حين كان حسين جميل وهديب الحاج حمود يمثّلان الحزب الوطني الديمقراطي وقبل ذلك محمد حديد، وكان صدّيق شنشل يمثل حزب الاستقلال وكان فؤاد الركابي يمثل حزب البعث، أما الحزب الشيوعي فقد أستبعد في بداية الأمر، ثم ضمّ لاحقاً.

كما أن مواقف الحزب الشيوعي كانت متناقضة أحياناً، فبدلاً من يفكّر بالاستيلاء على السلطة، استولى على الشارع وحاول احتكار العمل السياسي والنقابي تحت شعارات "لا حرية لأعداء الشعب"، و"لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"، الأمر الذي جعله في تناقض آخر بينه وبين السلطة، متجهاً نحو اليسار إزاء الشارع، ومتوجهاً نحو اليمين إزاء الموقف من السلطة، باستعارة توصيفات الستينيات.

أعتقد بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي للثورة وحرصها عليها، فإنها لم تكن على قدر من الوعي يؤهلها لرؤية متطلبات تطوير الثورة بالتعاون مع القوى الوطنية على برنامج حد أدنى، وعلى الرغم من اندفاعات القوى الأخرى وتكتّلها للإطاحة بحكم قاسم وفي فترة مبكرة زمنياً، لكن الممارسات السلبية للاستحواذ على الشارع وعزل الآخرين قادت إلى  أحادية ومحاولة تزعّم، بعد انفضاض جبهة الاتحاد الوطني، التي كان يمكن تجديد برنامجها بما يستوجب لمرحلة ما بعد الثورة، لكن جميع القوى لم تكن مدركة وواعية لما أقدمت عليه.

ومرّة أخرى أقول: إنه بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي ولاسيما قيادة سلام عادل ونبله واستشهاده لاحقاً، فإن المرحلة السياسية وسياقها التاريخي، لم يؤهلاه ليتخذ مواقف أخرى، فذلك كان حدود مستوى التفكير السائد، فارتكب العديد من الأخطاء والممارسات السلبية وأعمال العنف والإرهاب، لاسيما ما حدث في الموصل وكركوك، وبقدر مسؤولية القوى الأخرى، كانت كبيرة جداً، الاّ أنه لا ينبغي التقليل من المسؤولية التي تقع على الحكم والجماعات القريبة منه، لاسيما الحزب الشيوعي، الذي كان عليه أن لا يلعب دور الشرطي لحكومة يمكنها أن تسائله على ارتكاباته حتى وإن سكتت عنها، ناهيكم عن أن الارتكاب مدان بالأساس ومرفوض لإعتبارات سياسية وإنسانية وأخلاقية، وتحت أية مبررات، وقد رويت في مطالعتي عن عامر عبدالله الكثير من الحوادث التي يمكن الرجوع اليها.

ولعل هذا الموقف تكرر لاحقاً حين حمل الحزب الشيوعي السلاح ضد الحركة الكردية في فترة احتدام الصراع الكردي – الحكومي وذلك عشية انهيار التحالف الكردي- البعثي في العام 1974، وعندما انتهت المهمة التي أنجزت لصالح حكومة البعث، عاد الحزب الشيوعي وسلّم أسلحته بكل "ممنونية" للسلطة، التي لم تدّخر وسعاً في ملاحقة الكرد تحت باب " الجيب العميل". وعلى درجة أدنى كان موقفنا سلبياً من حركة خان النص العام 1977، التي اندفعت فيها جماهير ساخطة في النجف وكربلاء ضد حكومة البعث، فوقفنا ضدها، بل طالبت جريدة الحزب الرسمية " طريق الشعب" المزيد من الحزم ضد المؤامرة الرجعية المشبوهة، وليس ذلك سوى تحريض لأعمال عنفية، كانت الحكومة لا تحتاج إلى من يحرّضها عليها، فدارت عجلة الإعدامات وشملت 8 مواطنين، وأنزلت عقوبات غليظة بحق عشرات واعتقل المئات بتهمة الانتماء إلى الحركة الاسلامية، وذلك في أجواء بوليسية مرعبة، عادت بالضرر علينا، فبعد الهجوم على ما سمّي " إنتفاضة صفر" بعدّة أشهر، بدأ الهجوم ضد الحزب الشيوعي دون أن نجد من يقف معنا، فقد كنّا آخر حليف، و"لآخر قطرة" لحزب البعث!

كانت قيادة الحزب الشيوعي قبيل الثورة قد تمرّست في النضال والتضحيات في ظروف العمل السري، وحققت إنجازات مهمة منها توحيد الحزب العام 1956 وقيادة انتفاضة العام ذاته تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، ثم تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي كان للحزب دور فعّال فيها العام 1957، ثم الاتصال بمنظمة الضباط الأحرار، ومع قيادة الثورة تحديداً من قبل رشيد مطلك (الوسيط) بين الحزب وقاسم، وعقد اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، بعد رفض أحزاب الجبهة قبوله عضواً فيها بسبب مواقف بعضهم من القضية الكردية.

لكن العمل العلني فاجأ قيادة الحزب، التي اعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الدولة والادارة، ناهيكم عن الأعداد الغفيرة التي إنخرطت في صفوف الحزب، وأحدثت نوعاً من الإرباك لدى القيادة، التي تصرّفت بطريقة غير موحدة، وببرنامج غير موحد أيضاً، بل يمكن القول دون برنامج واضح ومحدد، وتقاذفتها اتجاهات شتى، فمن جهة هناك تيار أقرب إلى قاسم مثّله عامر عبدالله وما سمي "كتلة الاربعة" لاحقاً التي ضمت زكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس، وتيار آخر بقيادة الأمين العام سلام عادل وجمال الحيدري عضو المكتب السياسي، الأمر الذي عطّل بعض قرارات اللجنة المركزية وأدخلها في صراعات جانبية كثيرة.

كان تشكيل قيادة الحزب ما بعد الثورة قد جاء من ثلاثة روافد مهمة: الأول من السجون، حيث ضمّت سجناء قضوا سنوات طويلة في السجن مثل زكي خيري وعزيز الحاج وعزيز محمد وآرا خاجادور وبهاء الدين نوري وصادق الفلاحي وآخرين، والثاني من المنفيين الذين عادوا إلى الوطن، مثل محمد حسين أبو العيس وعبد القادر اسماعيل وغيرهم، أما الثالث فمن المختفين عن الأنظار في أوكار حزبية، مثل سلام عادل وعامر عبدالله وناصر عبود وجمال الحيدري وآخرين، أي أن الجميع منقطع عن الحياة العامة، ولا علاقة له بتصريف شؤون الحكم أو الدولة، كما أن مستوى الثقافة كان متدنّياً إلى حدود كبيرة، ناهيكم عن نظرة ستالينية جامدة إلى الحياة والمجتمع والتقدّم، كلّ ذلك أفرز تشدّداً وتطرّفاً مثلماً كان لدى الأخرين، بل أن الجميع شعروا أن المعركة، هي معركة كسر عظم، وعليهم أن يتخلّصوا من الآخر قبل أن يتخلص منهم، أي أراد كل فريق أن يتغدّى بالفريق الأخر بدلاً من أن يتعشى به.

في هذه الأجواء لعب قاسم لعبته، فبعد تقريب الحزب الشيوعي واستثماره "ماشة نار" للقضاء على خصومه في الجيش، لاسيما عبد السلام عارف، خصوصاً بحشوده المليونية وجماهيره الغفيرة وشعاراته الرنانة،لكنه استشعر الخوف منه لثلاثة أسباب:

السبب الأول هو تظاهرة الأول من أيار (مايو) 1959 والمطالبة: "الحزب الشيوعي بالحكم" للضغط على قاسم لتمثيل الحزب الشيوعي، ثم تنكّر واستنكر الحزب وقيادته بعد اجتماع موسع للجنة المركزية هذه السياسة وشعاراتها.

والسبب الثاني ما حدث في الموصل من أعمال قمع وتنكيل أعقبت حركة الشواف واتّهم بها الحزب الشيوعي لاسيما "محكمة الدملماجة" الشهيرة حين تردد إسم "عبد الرحمن القصاب"، عضو اللجنة المحلية في الموصل الذي قيل أنه كان يستلم التعليمات من مهدي حميد وبإشراف من حمزة سلمان الجبوري (عضو اللجنة المركزية)الذي كان موفداً من المكتب السياسي لهذه المهمة والذي كان يحمل رسالة خطية من المكتب السياسي كتبها له جمال الحيدري، مفادها إنزال الضربات بالخصم بأقسى ما يمكن، وقد عرضها في اجتماع اللجنة المركزية عندما أريد محاسبته على التشدد وأعمال العنف، وقد ألقي القبض عليه لاحقاً في زمن قاسم وأرسل إلى سجن نقرة السلمان، ثم استدعي بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) حيث قتل تحت التعذيب مثلما قتل مهدي حميد أيضاً بنفس الطريقة.

أما بخصوص محكمة الدملماجة التي تم تشكيلها بعد فشل حركة الشواف (آذار/مارس/1959) فقد تم إعدام 17 شخصاً دون محاكمة، ووفقاً لقرار محكمة صورية سمّيت ثورية، وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم على الفور، ناهيكم عن أعمال عنف واعتقالات وتعذيب، ثم إنقلب الأمر على الشيوعيين في الموصل وألحق بهم من الخسائر والاغتيالات الشيء الكثير، وقد يكون فاق ما لحق بالآخرين خلال حركة الشواف وتمرّده ضد حكم قاسم.

والسبب الثالث أحداث كركوك التي استفزّت عبد الكريم قاسم، فوصفها بالفوضوية في خطابه الشهير بكنيسة مار يوسف، ويومها قال قاسم أن تلك الأعمال تذكّر  بأعمال هولاكو، ولعل اندفاع الحزب الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، في صراع مع التركمان، لم يكن له من مبرر، الأمر الذي يعزوه البعض إلى أن قيادة منظمة كركوك للحزب من الكرد، بما يضفي على الصراع بُعداً قومياً، لاسيما في ظل بعض المشكلات والحساسيات في الماضي، تلك التي أصبحت تعبيراتها اليوم مختلفة، وإن كان جزء منها يعود إلى الماضي.

وعلى الرغم من التبريرات التي قيلت عن التدخلات الخارجية ودور مشبوه لشركات النفط، لكن سقوط ضحايا والقيام بارتكابات ليست بمعزل عن مسؤولية القوى المتنفّذة، لاسيما القريبة من الحكومة، دون استبعاد أن بعض القوى الرجعية كانت جزءًا من المشكلة، لكن الأمر تجاوز ما حصل في تظاهرة 14 تموز (يوليو) العام 1959، الأمر الذي لم يتم التوقف عنده ونقده على نحو جريء، وقد ساهمت أحداث كركوك الدموية في سوء العلاقة بين قاسم وبين الحزب الشيوعي وإلى حدّ ما بينه وبين الحركة الكردية.

يومها شعر قاسم بالغرور والقوة أيضاً، وتنكّر لوعوده بإنهاء الفترة الانتقالية وإجراء انتخابات وسنّ دستور دائم، وقد أدرك بحسّه الاحترازي وخشيته الأمنية أن الحزب الشيوعي القوي يمكن أن يهدد مواقعه فحاول إضعافه بعد إضعاف حزب البعث قبله، فضلاً عن ضعف الحركة القومية العربية عموماً، واستدار لشق الحزب الوطني الديمقراطي، يوم خرج محمد حديد نائب رئيس الحزب واستقل بحزب جديد إسمه "الحزب الوطني التقدمي"، وعندها شعر كامل الجادرجي بأن الطريق إلى التغيير الحقيقي بات صعباً، فجمّد حزبه .

كما أجاز قاسم مجموعة صغيرة بإسم الحزب الشيوعي بقيادة داود الصائغ ومنحها ترخيص إصدار جريدة " المبدأ"، في حين أغلقت اتحاد الشعب صحيفة الحزب الشيوعي الرسمية بالتدريج، حيث جرى حرمان سكان بعض المناطق من توزيعها إلى أن تم حجبها عن الصدور، فتحوّلت إلى جريدة سرية باسم " طريق الشعب"، وفي واقع الأمر ظلّت الحركة السياسية تراوح في مكانها، فالحزب الديمقراطي الكردستاني تحوّل إلى العمل المسلح بثورة ايلول (سبتمبر) 1961 بعد أن تعرّضت مناطق بارزان إلى القصف والحزب الجمهوري الذي أسسه عبد الفتاح ابراهيم والجواهري، أصبح يافطة، والحركة الاسلامية، على الرغم من تقدّمها للحصول على ترخيص لتأسيس حزب بإسم " حزب التحرير" وهو واجهة للأخوان المسلمين، ظلّت شكلية، كما أن الحركة الاسلامية الممثلة في جماعة العلماء وحزب الدعوة وتيار المرجعية الشيعية الممثل بالسيد محسن الحكيم، كانت مجرد ارهاصات سياسية في المشهد القائم، قبل أن تتبلور كتيار محدد في الوضع السياسي، ولعل الاعلان عن ذلك تم بإصدار الحكيم فتواه الشهيرة في مطلع العام 1960 والتي حرّمت الانتماء إلى الحزب الشيوعي، معتبرة "الشيوعية كفر وإلحاد".

كان عبد الكريم قاسم بقدر وطنيته سياسياً فاشلاً، فقد اتّجه بالحكم نحو الفردية والارتجال وتدريجياً أصبح دكتاتوراً فردياً، وإذا كانت النزعة الثأرية، الانتقامية، الكيدية قد سادت بعد الثورة، لاسيما من خلال محاكمات المهداوي لأقطاب العهد الملكي، لكن قاسم وخصوصاً بعد الأحداث الدموية في الموصل وكركوك بدى أقل دموية، بل أصبح ميّالاً إلى التسامح " عفا الله عما سلف"، حيث أطلق سراح الرئيس عبد السلام عارف بعد الحكم عليه وأطلق سراح من شارك بمحاولة اغتياله وإطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد. لكن سياسته أدّت إلى تقسيم الحركة الوطنية ودفعت بها إلى التناحر بين أطرافها، وأظنّ أن الخطأ بل والخطيئة التي وقع بها هي إعدام الجنرالين ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، وهما من قادة الثورة، وذلك بعد حركة الشواف في الموصل، علماً بأنهما لم يكونا مشاركين في محاولة التمرد تلك، وقد يكون ذلك الأمر هو الذي دفعه للتفكير بطريقة مختلفة، لاسيما إزاء العقوبات الغليظة .

وإذا كان قاسم عابراً للطائفية، لكنه لم يضع حداً للظاهرة، التي تضمنها قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924، وكان يُفترض تعديله أو سنّ قانون جديد يكرّس المواطنة المتساوية، ومنح من كان القانون يستثنيه الجنسية العراقية على نحو متكافئ، مثل الأكراد الفيلية وغيرهم، من الذين حُرموا منها وهم مولودون في العراق أباً عن جد، لكنه لم يفعل ذلك، على الرغم من أنه تصرّف على نحو بعيد عن الطائفية التي انحسرت تأثيراتها كثيراً، سواءً في الوظائف العامة، لاسيما الحساسة منها أو في الجيش، وهو أمر يُحتسب له.

وإذا كان قاسم حساساً إزاء أوضاع الفقراء وسعى إلى تمكينهم، ببناء بعض البيوت لهم، وحاول إعمار بغداد وإعادة هندستها، لكن البنية التحتية ظلّت قاصرة، حتى أن مدينة الثورة التي خطط لها لتضم نحو 60 ألف عائلة بنى لهم دوراً فيها بعض المستلزمات الأولية قياساً بمناطق السكن العشوائي التي كان يعيشون فيها، الاّ أنها افتقرت إلى بعض الأساسات الضرورية كدورات الصرف الصحي وغيرها، واتّسعت المدينة التي ضمّت مهاجرين من الريف، لاسيما من ريف الجنوب إلى بغداد، لتصل اليوم إلى أكثر من مليونين يعانون ما يعانيه سكان مدينة لا تتسع إلى أكثر من 60 ألف عائلة، في حين تجلس المدينة على بحيرة من النفط والذهب الأسود، كما يقول الجيولوجيون.

باختصار لم يكن لقاسم أي مشروع للتغيير الداخلي، لاسيما بعد منجزات الثورة في العام الأول، وخصوصاً الخروج من حلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وإبرام معاهدات واتفاقيات اقتصادية مع الدول الاشتراكية، وحتى القوانين والقرارات التي إتّخذها بشأن  مسألة النفط وغيرها، ظلّت عائمة في ظلّ سياسة التفرّد بالحكم ومعاداة جميع القوى الوطنية، ناهيكم عن التخبّط بخصوص قضية مطالبته بالكويت أو موقفه من الحركة الكردية.

وأظنّ أن ما عاناه العراق من فترة حكم قاسم تركت انطباعاتها على العقود الخمسة ونيّف اللاحقة، حتى أن البعض ما يزال يفكّر ومن جميع الأطراف بعقلية العام 1959 وما بعده (لاحظ ما ينشر أحياناً)، لاسيما التناحر والانشقاق الذي حصل في صفوف الحركة الوطنية العراقية.

لم يكن عبد الكريم قاسم كعسكري وضمن سياق مرحلته التاريخية يؤمن بصندوق الاقتراع، ليس هو

فحسب، بل الغالبية الساحقة من القوى السياسية. ولربما الاستثناء في ذلك هو كامل الجادرجي والحزب الوطني الديمقراطي، وعبد الفتاح ابراهيم وعدد من الشخصيات الوطنية، وحتى الانتخابات التي فرضت على قاسم بعد الثورة في قطاعات الطلبة والمعلمين والمحامين والمهندسين والاقتصاديين ونقابات العمال وغيرها، فقد حاول تطويعها لمقتضيات السلطة والتلاعب بنتائجها والتدخل بشؤونها، وقد ضاق صدره في السنتين الأخيرتين إلى حدود كبيرة ولم يعد يثق بأحد وكان يشعر أن الجميع يتآمر عليه، مثلما كان واهماً بأن أية مؤامرة ستواجهه ستحبط، وبسبب ذلك استحكم يوم 8 شباط (فبراير) 1963 في وزارة الدفاع ورفض تسليم السلاح للشيوعيين الذي أرادوا الدفاع عنه، خوفاً منهم، واعتقاداً منه بأن المؤامرة ستحبط لا محال، لكنه عندما شعر في اليوم الثاني (9 شباط/فبراير) أنه ظلّ محاصراً في وزارة الدفاع، التي تم قصفها وافق على تسليم نفسه، محتفظاً برباطة جأشه وحاور من اعتقله بمن فيهم عبد السلام عارف وقبيل اعدامه بمنطق رصين ولغة سليمة وواثقة .

وكان قاسم يأمل أن يتم العفو عنه، لكن القيادة البعثية، ومن معها من الشخصيات العسكرية المجتمعة في دار الاذاعة في الصالحية ببغداد (مدنيين وعسكريين) قررت بعد محكمة صورية إعدامه، ولم يكن هناك من صوت واحد قد ارتفع أو حتى طلب التأجيل أو تقديمه إلى محكمة قانونية، وذلك ما أخبرني به عدد من الذين كانوا قد حضروا تلك اللحظات، وعندما سألهم الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر عن رأيهم، كان الجميع قد قالوا رأيهم بإعدامه، وقد واجه عبد الكريم قاسم الموت بشجاعة ورفض أن يتم عصب عينيه.

اسباب السقوط
ومع نزاهة قاسم الشخصية ونظافة يده الاّ أن سياساته كانت تدميرية، وهو ما حصدناه في وقت لاحق بصعود حكومات دكتاتورية ونزاعات دموية، لدرجة أن صديقنا الكاتب والروائي الساخر شمران الياسري المشهور بإسم "أبو كاطع"، قال وهو يصف الحكم في السبعينيات وبين الجد والهزل، انه نوع من "الفاشية الريفية" أو "الفاشية البدوية"، لاسيما تشابك الحكم بالبزنس، سواءً بإسم القطاع العام أو بإسم الانفتاح لاحقاً، حيث هيمن على السلطة والاعلام والمال والتجارة الخارجية والداخلية، والاستيراد والتصدير والثقافة والرياضة والسياحة وكل شيء!! وليس غريباً أن تصنّف بعض التصرفات والسلوك التسلطي، باعتباره "فاشية دينية" على ذات طريق أبو كَاطع حين لا يجد تفسيراً ضمن المنطق الكلاسيكي، خصوصاً إستقواء جماعة بفرض حكمها وطريقة عيشها ومنهجها على الآخرين بإسم "الاسلام السياسي"، في سياق لا علاقة له بالدين الإسلامي وتعاليمه السمحاء ومثله السامية وقيمه الأصيلة.

يمكنني القول أن هناك أربعة أسباب أساسية أدّت إلى الإطاحة بنظام قاسم: السبب الأول مطالبته بضمّ الكويت في العام 1961، وهذه أشبه بحكاية مشؤومة دفع العراق ثمنها لاحقاً بمغامرة صدام حسين العام 1990 بغزو الكويت، الأمر الذي ساهم في تدمير العراق وفرض حصار دولي عليه دام 13 عاماً، ومن ثم احتلاله في العام 2003، وقد كانت مطالبة قاسم تعني فيما تعنيه اللعب لتغيير الجيولوليتيك في منطقة ستراتيجية وغنيّة بالنفط وجزء من مناطق نفوذ القوى الغربية، وهو أمر غير مسموح به، بل محرّم في إطار السياسة الدولية.

السبب الثاني إصداره قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي منح المرأة بعض حقوقها فيما يتعلق بالإرث وغيرها، فسخّرت الأوساط الدينية والتقليدية والرجعية كل قواها ضده وعملت للإطاحة به. وقد جرت محاولة خلال مجلس الحكم الانتقالي للإطاحة بالقانون الذي هو مجمد من الناحية العملية، وتم التصويت على إلغائه، لكن بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق لم يصدّق على ذلك، وطلب إعادة مناقشته والتصويت عليه، فكانت النتيجة الإبقاء عليه. وقد استثمرت الجماعات القومية فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" فحشدت القوى ضد نظام قاسم والشيوعيين، لاسيما في إطار غطاء ديني.

والسبب الثالث- إصدار القانون رقم 80 لعام 1961 بخصوص استعادة 99 % من الأراضي العراقية من شركات النفط الاحتكارية، بحجب "حقها" بالتصرف غير القانوني في التنقيب. وقد فتح هذا القرار معركة ضارية ضده وتآمراً لا حدود له على نظام قاسم من جانب القوى الاستعمارية، التي تلقّت ضربة أخرى عند تأميم النفط العام 1972، الأمر الذي جعلها لا تستكين ولا تستسلم حتى تم إلغاء نتائجه على الرغم من أن موارده ذهبت لمغامرات عسكرية وأجهزة أمنية وثم تبديدها بشكل لا عقلاني، وزاد الأمر عندما تعرضت بعد العام 2003 للسرقات وعمليات النهب والابتزاز.

والسبب الرابع حرب قاسم ضد الثورة الكردية التي بدأت في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بشروعه بقصف مناطق البارزانيين، الأمر الذي فتح معركة مع الأكراد، وقبلها بالطبع كانت معركته مع نظام عبد الناصر والقوميين والبعثيين، ناهيكم عن تدهور علاقته مع الحزب الشيوعي وملاحقة قياداته وكوادره.

كل ذلك مهّد للإطاحة بقاسم في 8 شباط (فبراير) العام 1963 ومعه أطيح بما تبقى من مكتسبات الثورة. جدير بالذكر أن عدم حل القضية الكردية بشكل عادل ويلبي طموحات الكرد، كان أحد أسباب ضعف الدولة العراقية واختلالها منذ تأسيسها، وكان عامل هدر وإنهاك للأنظمة العراقية الملكية والجمهورية




 


التعذيب والإفلات من العقاب



عبدالحسين شعبان



التعذيب ظاهرة مشينة وهمجية تعود إلى الماضي، حتى وإن استمرّت في عالمنا المعاصر، حيث تكاد تكون روتينية في الكثير من بلدان العالم الثالث، ومنها البلدان العربية والإسلامية، بعيداً عن المساءلة والشفافية حيث يقتضي الأمر في الدولة القانونية إنزال العقوبات بمرتكبيها، ناهيكم عن إدانتها أخلاقياً ودينياً وإنسانياً . وإذا كانت هذه الظاهرة متفشيةً في العديد من البلدان المتخلّفة، فإن البلدان الغربية ليست بريئة منها تماماً، سواءً بتورّطها في الحقبة الاستعمارية أو خلال حروبها الخارجية واحتلالها لبلدان أجنبية أو بفرض عقوبات جماعية وحصارات دولية ألحقت الأذى بشعوب بكاملها، أو حتى في سجونها لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول العام 2001 الإرهابية التي تم استخدامها ذريعة للتجاوز على الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأوروبية، في الحملة التي شنّتها على الإرهاب الدولي والتي شملت إصدار قوانين وتشريعات تتعارض مع المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، سواءً على المستوى الداخلي كما أشارت إلى ذلك تقارير صدرت عن منظمات دولية معتمدة كمنظمة العفو الدولية والفيدرالية الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، أو على الصعيد الخارجي كما حدث في سجن غوانتانامو وسجن أبو غريب والسجون السرّية الطائرة والعائمة . وقد وصف كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة التعذيب بقوله “يعدّ (التعذيب) انتهاكاً شنيعاً للكرامة الإنسانية، إنه يقتلع صفة الإنسان من الضحية ومن مرتكب التعذيب (الجلاد) على السواء . . وإن الأمان من التعذيب حق إنساني أساسي يجب حمايته في جميع الظروف” . يمكن القول إن ثقافة تبرير التعذيب من طرف الحكام كانت أمراً شائعاً، بل إنها اكتسبت أحياناً بُعداً مجتمعياً، فتاريخياً كانت أثينا القديمة تنظر إلى التعذيب باعتباره نظاماً مسوّغاً في التحقيق مع العبيد والأجانب لانتزاع المعلومات، ولعل ما يثير الدهشة أن فيلسوفاً عظيماً مثل أرسطو عدّ التعذيب أحد الوسائل الخمس المشروعة للحصول على الأدلة، إضافة إلى القانون والعُرف والشهود واليمين . كما لم يتردد الرومان وبعض منظريهم من وصف التعذيب بأنه “البحث عن الحقيقة باستعمال الألم والمعاناة الجسدية” .



ومورس التعذيب تاريخياً في الشرق، وشهدت الحضارات القديمة: السومرية والآكادية والبابلية والفرعونية والصينية والهندية ضروباً من التعذيب ومبررات لتسويغه، كما عرِف الإسلام بعد انتهاء الفترة الراشدية أشكالاً مختلفة من التعذيب، وهو ما دفع باحث تراثي جاد مثل هادي العلوي لكتابة بحث موسع أطلق عليه “من تاريخ التعذيب في الإسلام” . وكان القانوني عبود الشالجي قد كتب سبعة مجلّدات تتناول تاريخ التعذيب أطلق عليها “موسوعة العذاب” . ولعل الثورة الفرنسية على الرغم مما رافقها من دماء وقتل، تعتبر منعطفاً تاريخياً مهماً لمناهضة التعذيب، لاسيما بصدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن، وذلك استناداً إلى مؤلفات مهمة سبقت ذلك، خصوصاً كتاب مونتسكيو “روح الشرائع” وجان جاك روسو “العقد الاجتماعي” وفولتير ورسالته المعروفة عن التسامح . وفي حين تذهب الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية كما هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وإعلان مناهضة التعذيب لعام ،1975 والمدوّنة الخاصة بتنظيم سلوك الموظفين لعام 1979 ومبادئ آداب مهنة الطب لعام ،1982 وقبلها القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء لعام ،1955 والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب لعام ،1984 والبروتوكول الملحق بها لعام ،2002 والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 والذي دخل حيّز التنفيذ العام ،2002 إضافة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني الذي يعتبر التعذيب “جريمة حرب” وقواعد القانون الدولي الجنائي الذي يعتبر التعذيب “جريمة ضد الإنسانية”، أقول على الرغم من كل هذه الكوابح التشريعية والقانونية والاعتبارات الدينية والأخلاقية والمعايير الإنسانية، فإن الإفلات من العقاب، ناهيكم عن غياب ما يقتضي من تدابير وإجراءات وقائية تكفل منع هذه الجريمة أو الحد منها، ما زال موجوداً ومستمراً وإنْ كان أوفر حظاً في السابق، فإنه لم يتوقف أو يختفي حتى الآن، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى قصور البيئة التشريعية وعدم كفالة العقاب الرادع لكل من تسوّل له نفسه اقتراف هذه الجريمة . ولعل الاهتمام بالبحث العلمي، لاسيما العربي في موضوع التعذيب لا يزال في بداياته، ناهيكم عن قصور البيئة الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تشكل مرتعاً خصباً للإفلات من العقاب، خصوصاً بنقص التشريعات ووسائل وآليات حظر التعذيب ومعاقبة المسؤولين عنه . من هنا يأتي الاهتمام بمؤتمر عربي نظمته مؤسسة التميمي في تونس وقدّمت فيه 14 بحثاً أساسياً بخصوص التعذيب، واستمع المؤتمر إلى شهادات عن التعذيب أدلى بها ضحايا سبق أن تعرضوا للتعذيب بينهم شخصيات قيادية سياسية ومدنية من النساء والرجال، وفي مقدمتهم راضية النصراوي وحمّه الهمامي وعدد غير قليل من الذين تعرضوا للتعذيب . وكانت المحكمة العسكرية الدائمة في تونس قد أصدرت قراراً في 7 نيسان (ابريل) الماضي 2012 في قضية “براكة الساحل” التي شملت تعذيب ضباط سابقين في العام ،1991 وجاء في القرار لا مرور لزمن في قضية التعذيب، أي أنه لا يسقط بالتقادم .



ولعل الاهتمام بظاهرة التعذيب إزداد خلال اندلاع ثورات الربيع العربي ففي مايو/أيار 2011 نظّمت وزارة الخارجية الألمانية مؤتمراً حول التعذيب في العالم العربي وسيادة القانون، وقد ابتدأت مداخلتي في المؤتمر بأنني أشعر بحساسية خاصة لقرب هذا المكان من موقع جهاز ستازي (الأمن السياسي السرّي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية) سابقاً وهو جهاز أشرف على تدريب الكثير من الأجهزة العربية المماثلة لدوره ومهماته ولاسيما في مجال التعذيب . وكانت ندوة مهمة نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في مطلع التسعينات قد التأمت في لندن تحدث فيها خمسة من ضحايا التعذيب في كل من فلسطين وليبيا والعراق والبحرين والسودان، ذكروا فيها شناعات لا حدود لها، وهو ما تم استنكار ما يماثلها على نحو بشع في مؤتمر مؤسسة التميمي في تونس، لاسيما شهادات الضحايا، كما تم الاستماع إلى شهادة مدير أمن سابق . وبقدر حساسية الأمر فإنه يتطلب شجاعة خاصة للضحايا لكي يرووا ما حصل لهم، وإذا كان من يدلي بشهادته من الجلادين تطهّراً واعتذاراً، فهو الآخر بحاجة إلى وقفة جدّية أساسها: كيفية التعامل مع الجلادين لكي لا يفلتوا من العقاب من جهة، ولكي تأخذ ما نطلق عليه العدالة الانتقالية مجراها، ولا بدّ من التفريق بين العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية أو حتى العدالة الانتقائية، لاسيما إذا كان الهدف لا يتعلق بالثأر والكيدية، بل بكشف الحقيقة كاملة والمساءلة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح الأنظمة الدستورية والقانونية والقضائية، لاسيما إصلاح أجهزة إنفاذ القانون والأجهزة الأمنية بشكل خاص . ولعل شخصية يسارية جزائرية مرموقة هو بشير الحاج علي كان قد روى في كتابه “العسف” كيف تعرّض للتعذيب، وعندما كان يصحو بعد إنزال رأسه بالمغطس وبين جلسة وأخرى، كان يردد: علينا أن نكنس التعذيب من بلدنا ومن بني البشر، وكان في ذلك يردّ على أحد الشبان الذين كانوا معه في جلسات التعذيب، حيث كان يهدد الجلادين بالانتقام بالطريقة ذاتها التي تم فيها تعذيبهم . أذكر ذلك وقد استمعت على مدى عقود إلى شهادات عراقية حول التعذيب سواءً في قطار الموت أو قصر النهاية أو سجن أبو غريب أو غيره من السجون الكثيرة ولحقب تاريخية ولأنظمة متنوعة ومختلفة، لكن ما كان يجمعها هو ممارسة التعذيب بعيداً عن العقاب الذي تستحقه مثل هذه الانتهاكات . وبقدر التحديات التي تواجه مسألة حظر التعذيب ومناهضته، خصوصاً الزعم بحالات الطوارئ واستمرار الفساد والمنازعات الداخلية والحروب وعدم التصديق على الاتفاقيات الدولية، فثمة ضرورات تقتضي التعاون عربياً لانجازها ونعني بها إنشاء “صندوق عربي لدعم ضحايا التعذيب” وتأهيلهم وتوفير الفرص المناسبة لهم، وتأسيس “محكمة عربية لحقوق الانسان”، خصوصاً بعد جعل الميثاق العربي لحقوق الانسان مرجعية دستورية وقانونية، والعمل على رفع الوعي الحقوقي والقانوني والتربوي بشكل عام، لاسيما وأن تعذيب الإنسان للإنسان شرٌّ لا يوصف على حد تعبير هنري ميللر .
 



مقاربة قانونية وأكاديمية

عبدالحسين شعبان

كان مجرد الإشارة إلى شخص ما أو جماعة أو جهة بالطائفية تعني اتهاماً أو محاولة للانتقاص أو الإساءة أو حتى شتيمة، ولكن حين استشرت الطائفية وأصبحت الانتماءات الضيقة والفئوية “هوّيات” يتم التفاخر بها، لاسيما بتراجع الهوّيات العامة الجامعة ذات الأبعاد الوطنية، فإن المسألة اتخذت بُعداً آخر، خصوصاً بالامتيازات التي أخذت تترتّب عليها مثل هذه الاصطفافات الطائفية والانحيازات الفئوية المسبقة، حتى لأناس لم يكن شعورهم الطائفي هو الغالب، بل أن بعضاً من منهجهم كان محاربة الطائفية والقضاء عليها، باعتبارها أحد مكامن الخطر الاجتماعي، حين لم يكن لها شكل مقبول أو لون مميز أو رائحة طيبة أو مذاق لذيذ . الطائفية في نهاية المطاف تعبير عن سلوك لشخص أو جماعة أو جهة خلال نشاطهم السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي بهدف التميّز بالاستعلاء والهيمنة أو الوقوف ضد التهميش والعزل، سواءً كانوا في السلطة أو في المعارضة أحياناً، والأمر يتعلق بشعور متراكم بالمظلومية أو عدم المساواة أو محاولة فرض أو استعادة مواقع أو تبرير سياسات وممارسات ضد الآخر من موقع الأقوى .

وإذا كان الجميع اليوم يزعم أنه ضد الطائفية ويريد أن يغسل يديه منها، حتى وإن انغمس فيها من رأسه حتى أخمص قدميه، فلماذا إذاً لم يتفق الفرقاء لوضع حد لظاهرة تعدّ من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي خارج السلوك الإنساني الطبيعي؟ فالإنسان لا يولد طائفياً، وإنما يأخذ مثل هذه الجرعات أو المضادات من محيطه ومن مجتمعه ومن الانتماءات الفرعية التي تصبح في مثل هذه الحالات مهيمنة، بل وطاغية لدرجة لا يمكن التفكير خارجها .

الطائفية مثل شقيقتها العنصرية تحاول التميّز بمعناه السلبي، الاستعلائي وتبخيس قيمة وقيم الطوائف الأخرى أو إظهار فضائلها عليها، أو إبراز “رذائل” الطرف الآخر، تحت مبررات ومزاعم مختلفة منها إدّعاء امتلاك الحقيقة وقراءة وتفسير التاريخ والحاضر وفقاً لمنطقها الضيق، واستبعاد الطرف الآخر أو تحجيم دوره، خصوصاً أنّ النظريات الطائفية والعنصرية غالباً ما تستند إلى الثنويات المتصارعة والضدّيات المتقابلة: مثل الأبيض والأسود، والمسيحي والمسلم، والمسلم والمسلم وغير ذلك، وهي تناقضات إن لم يتم تنظيم التعايش فيما بينها، فإنها ستكون استئصالية، إلغائية، تناحرية ، عدائية .

وإذا كانت الاختلافات من طبيعة الأشياء ولا تنبجس الحقيقة من دونها، فإنها بالأساس  ناجمة من اختلاف في الطبيعة البيولوجية والوراثية: اللون، الجنس، الشكل، أما الاختلافات الأخرى فهي اختلافات مكتسبة مثل العرق والدين والتقاليد والفئات الاجتماعية .

الاختلافات الأولى لا دور للإنسان فيها، أما الاختلافات الثانية حسب المفكرة التربوية اللاعنفية أوغاريت يونان فهي اختلافات من صنع البشر، وهي ليست حتمية أو بديهية، الأمر الذي يتكوّن فيه الاختلاف في العقول، أولاً، ثم ينمو ويترعرع ويتعزز تدريجياً، لدرجة يصبح عدم الالتقاء أو التعايش وحتى الاحتراب وكأنه من المسلمات: فهذا طرف صائب وصحيح وذاك طرف آخر خاطئ بل وغير محق . طرفان لا يشبهان بعضهما بعضاً إطلاقاً، وهو ما يولد بالتراكم تربية تمييزية ومواصفات مختلفة، كما ينمو الخوف من المختلف، الغريب، و”كلّ غريب مريب”، وإذا ما أصبح هذا متبادلاً فإن هذا الإحساس ينغرس في البيئة الطائفية حيث تكون تربته خصبة، بما فيها من شحنات انفعالية تكبر مع الاحتراب والعنف والارهاب ومحاولات الإقصاء والتهميش .

ويتعاظم الشعور بوجود من هو فوق ومن هو تحت، أي وجود من هو أرقى ومن هو أدنى، وهكذا يعتبر كل طرف طائفته هي الأرقى على حساب طائفة الآخرين الأدنى، الأمر الذي يتّخذ شكلاً من السلوك يقوم على ازدواجية وباطنية، فهو أمام الآخرين شيء، وداخل محيطه المغلق شيء آخر، وتنشأ مشاعر وأحاسيس بالكره والحقد والعدائية والتقوقع من الأدنى إزاء الأرقى، أما أحاسيس الأرقى وأفعاله وردود فعله فتتراوح بين الشعور بالتميّز والاستعلاء والرفعة إزاء الأدنى، الآخر، المختلف .

وهكذا تتصدر الأحكام القيمية والأخلاقية إزاء الآخر، بحيث تنمو هذه الركيزة الاستعلائية الطائفية والعنصرية المصحوبة بشحنات توتر إزاء الآخر، ويتم تعميم مثل هذه الأحكام المسبقة والتصوّرات الخاطئة، سواءً من خلال النسب والعرق أو الجغرافيا أحياناً، بالقرب أو البعد من المقدّس وغيرها، ويتعامل الطرفان المختلفان أحياناً على توظيف الرموز، بل صناعتها أحياناً إن لم تكن موجودة أو بعيدة، وتدريجياً يتحولان إلى “عبيد” لها: أشخاص، مقدسات، روايات، تقاليد، طقوس وغيرها، ويحاول كل طرف استصغار أو الاستخفاف برموز الأطراف الأخرى بصورة معلنة أو مستترة .

وأحياناً يحتكر الرمز، الكلام والانتماء، حتى وإن كان وشاحاً أو صورة أو كتابة، فالمهم كيف يستطيع برمجة حياة الناس، بكثافة شحن طائفية أو عنصرية، سواء في أوقات السلم أو أوقات الحرب، بما فيها النزاعات الأهلية، بحيث يتقدّم هذا الانتماء الضيق ليطغى على بقية الانتماءات .

وبفعل تواتر الاستعمال والتكرار تتحول العادات والطقوس إلى هوية رمزية، لهذه المجموعة أو لتلك الجماعة، وسيقول لك الطائفي إن هويته الأولى هي طائفية وهي أغلبية سكان العراق المسلمين، وما على الآخرين سوى التسليم، وسيقول لك الثاني إنه يريد الدفاع عن مظلومية طائفته، لكي لا تنفرد الطائفة الأخرى بالحكم، وتسير الأمور على نحو محموم في ماراثون لا نهاية له، لدرجة يُطلب من الجميع المشاركة فيه، بحيث يصبح مثل هذا الانتماء الضيق إلزامياً حتى وإن كان الانتماء إلى دين أو مذهب أو طائفة ليس عملاً اختيارياً، فقد ولدنا هكذا وبالوراثة نحن جزء من تاريخ، فحين تولد عربياً ومسلماً، ستكون كذلك، ولم يكن ذلك محض اختيارك، وإن كان الأمر جزءاً أساسياً من هويتك لا سيما لغتك ودينك بمعناه الحضاري والثقافي، لكن العادات والتقاليد تتغيّر وتتفاعل مع الآخر وتتخالق تبعاً للتطور الاجتماعي، تأثيراً وتأثّراً بالآخر، أمماً وشعوباً وجماعات وأشخاصاً سواء للهويات العامة أو الخاصة .

ولأن الطائفية لم تعد مجرد ممارسات غير مقبولة وانتهاكات وردود أفعال هنا وهناك تنام وتستيقظ وتنحصر في مجالات معيّنة، بل استشرت واستفحلت على نحو مريع، وذلك من خلال نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي الذي جاء بصيغة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، التي تجسّدت في مجلس الحكم الانتقالي، فإنها باتت تشكل ظاهرة خطرة بعد أن سيطرت على المشهد السياسي برمته . ولعل مناسبة الحديث كان موضوع نقاش أكاديمي نظمه مركز “راسام” في اسطنبول ودار حول سؤال محوري: هل الطائفية السياسية هي نتاج الاحتلال أم أن جذورها تمتد إلى ما قبل ذلك، لاسيما منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ومن خلال قانون الجنسية الأول رقم 42 الصادر في العام 1924 وما تلاه من قوانين؟

وللأسف فما زال البعض ينحو منحىً عاطفياً بالزعم بعدم وجود الطائفية قبل الاحتلال بل ويرمي كل شيء على عاتق إيران التي هي ليست بعيدة عن الاختراق المذهبي في العراق، في حين يتجه آخرون على تناول المسألة على نحو تجريدي للابتعاد عن مناقشة جوهر المشكلة، لاسيما جوانبها القانونية والسياسية وتأثيراتها الاجتماعية والثقافية والنفسية، ويركّز جانب آخر على الحاضر وخطر الطائفية اليوم، خصوصاً الواقع الذي يعيشه العراقيون، في محاولة للزوغان عن مواجهة الطائفية تاريخياً .

وبغضّ النظر عن زاوية التناول والمقاربة للفكرة والممارسة الطائفية في العراق فإنها كظاهرة تفشت في السنوات الأخيرة على نحو صارخ . وإذا كانت قد حصلت العديد من الارتكابات في الماضي، فضلاً عن الخلل في موضوع الجنسية والجوانب التمييزية  الذي ترتبت عليه، ناهيكم عن تهجير عشرات بل مئات الآلاف من المواطنين ومصادرة ممتلكاتهم، فإن التوجّهات الطائفية والقسمة المذهبية لم تتوقف في الوقت الحاضر عند الجوانب السياسية فحسب، بل امتدّت إلى تقسيم الوقف الإسلامي، ناهيكم عن موضوع القتل على الهوية وعمليات التطهير المذهبي والطائفي التي طالت ما يزيد على مليوني إنسان عراقي، وإذا لم يكن مبرّراً تبرئة الماضي، بزعم تفاقم الظاهرة لاحقاً، فإن ما حصل بعد الاحتلال تجاوز جميع الحدود والتقديرات، بل والاحتمالات .

المدافعون عن الحاضر مثل المدافعين عن الماضي، كلاهما وجهان لعملة واحدة، والطائفية لا تقوم على طرف واحد، كما لا يمكن محاربة الطائفية بطائفية مقابلة، وهو ما يدعو إليه البعض، وإنْ كانت هذه النزعات قد انحسرت نسبياً، لكن ناراً لا تزال متأججة تحت الرماد، لأن هناك من يشحذ ويغذّي ويشحن ويتصرف بغلاف سياسي أو ديني، إقليمي وتارة دولي .

وإذا كانت الطائفية تفترض أن تكون جريمة بحق الشعب والوطن يعاقب من يمارسها أو يدعو أو يروّج لها أو يتستر عليها بأغلظ العقوبات، فإن ما يقابلها ويشكّل ضدّاً نوعياً لها ونقيضاً موازناً قادراً على صرعها، هو تعزيز المواطنة القائمة على مبادئ وقيم الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، وتلك هي المقاربة الأكاديمية والقانونية والمجتمعية، السياسية والعملية المطلوبة .
 





الربيع العربي وديناميات التأثير الإقليمي

عبدالحسين شعبان

على الرغم من الاختلاف الظاهر والصراع التاريخي والاستقطاب الحاد بين المشروع الإيراني والمشروع التركي، فإن هناك نوعاً من التفاهم في الإبقاء على الوضع القائم بين البلدين على ما هو عليه ومن دون أية تغييرات تُذكر، لاسيما في مجال العلاقة الثنائية والاتفاقيات الجيوسياسية الستراتيجية التي ربطتهما والتي أبعدتهما منذ قرون عن اندلاع حرب أو نزاع مسلح بينهما، لاسيما على أراضيهما .

وبفضل هذا التوافق تمكن البلدان من أن يكونا فاعلين رئيسين في أمن المنطقة، في ظل أحداث كبرى وتطورات هائلة شهدتها المنطقة من أقصاها إلى أقصاها خلال العقود الثلاثة ونيّف الماضية، وزاد الأمر وثوقاً العلاقة التجارية والاقتصادية التي ربطت البلدين، خصوصاً بعد الثورة الإيرانية في 11 فبراير/ شباط العام 1979 وانقلاب كنعان إفرين في تركيا في 12 سبتمبر/ أيلول العام 1980 .

ومع أن عوامل التنافس التاريخية قائمة والتعارض الأيديولوجي بين المشروع الإيراني والمشروع التركي مستمرة، فإن البلدين حاولا، وكل حسب منطلقاته وأجنداته، الاستفادة والتأثير في بلدان الربيع العربي، علماً بأن الموضوع السوري اليوم مطروح على بساط البحث على نحو شديد، خصوصاً وهو مصدر خلاف حاد بين المشروعين التركي والإيراني .

وقد كان موضوع الربيع العربي والتأثير الجيوبولتيكي لدول الجوار غير الإسلامي باستبعاد “إسرائيل”، والمقصود إيران وتركيا، مصدر نقاش معمّق ومتميّز في القاهرة نظمه المركز الدولي للدراسات المستقبلية الاستراتيجية ومركز الإمام الحكيم، وشارك فيه نخبة من الباحثين والمختصين من زوايا نظر مختلفة .

كان العالم العربي يشهد احتداماً وصراعاً بين شرعيتين، الأولى ذابلة ومتآكلة ومُسَاءَلة، والثانية لم تولد بعد أو لم تتحدد ملامحها، وإنْ استظهرت صورتها، إلاّ أنها لم تكتمل، وقد تحتاج إلى زمن ليس بالقصير، وهي تمرّ بمرحلة انتقالية تتجاذبها صراعات شتّى . وحسب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي فإن الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد، وإنْ كانت بعض ملامحه هلّت علينا .

والسؤال الملح الذي يواجهنا، ما هو حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه دول الجوار في رسم المتغيّرات العربية؟ فثمة إشكالات ذات طبيعة منهجية، وأخرى ذات طبيعة عملية، تكتنف بحث علاقة الربيع العربي ارتباطاً بمنظور تركي أو إيراني، خصوصاً أن هناك اختلافات لدرجة التناقض في المواقف أحياناً إزاء ما حصل، فضلاً عن تفسيره وتأويله . وإذا كانت المفاجأة للبلدين قد حصلت بشأن الربيع العربي فهي ليست مفاجأة لهما وحدهما، بل مفاجأة للقوى والتيارات السياسية في البلدان التي حصل فيها الحراك الشعبي، فما بالك بدول الجوار والعالم . بل ويمكن القول إن أكثر مراكز الاستخبارات في العالم أهمية ومعرفة لم تكن تتنبأ بما حصل، بل إن بعضها كان يعتبر بعض البلدان مستقرّة أو أقرب إلى الاستقرار، فظلّ يقدّم خطوة ويؤخر أخرى، لكنه اندفع بالاتجاه المعاكس عشية التغيير، واختلفت لهجة واشنطن إزاء التغييرات، لاسيما بعد مفاجآتها لما جرى في تونس ومصر وبهذه السرعة، خصوصاً خشيتها من أن يؤثر ذلك في مجريات الصراع العربي  “الإسرائيلي” .

أما “إسرائيل” فقد كانت الأكثر تطيّراً إزاء الحراك الشعبي العربي، فإذا كانت قد اعتبرت أن تغيير النظام التونسي قد يخلّ بمعادلة الصراع العربي  “الإسرائيلي”، فما بالك بالتغيير الذي حصل في مصر، الأمر الذي جعلها في حالة استنفار وقلق، وحتى ممانعة لإحداث أي تغيير في العالم العربي، خوفاً من التأثير في اتفاقيات الصلح المنفرد وكامب ديفيد لعامي 1978-1979 وما تبعها من صيغ ومعادلات، بما فيها اتفاقيات أوسلو العام 1993 التي وصلت الى طريق مسدود .

كانت إيران وتركيا تنظران إلى بعض البلدان العربية بكونها دولاً مستقرّة، فلإيران علاقات استراتيجية مع سوريا، الأمر الذي استلزم إعادة التفكير في ما سيؤول إليه الوضع لو حدث تغيير النظام السوري، على سبيل المثال، حيث ظلّت علاقاتها تتطور منذ الثورة الإيرانية العام ،1979 واختُبِرت في منطعفات عديدة منها: الحرب العراقية  الإيرانية التي دامت ثماني سنوات 1980-،1988 حيث كان موقف سوريا أقرب إلى الموقف الإيراني بسبب عداء مستفحل بين دمشق وبغداد، وهو عداء استئصالي حزبي وسياسي، وكذلك بعد احتلال العراق العام ،2003 لاسيما في الموقف من الوجود العسكري الأمريكي .

أما علاقة سوريا بتركيا فقد بدأت بالتحسن الملحوظ والسريع منذ إخراج عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني التركيPKK  من سوريا، وبلغت ذروتها في العام 2010 . وإذا بها تستدير ثانية إلى الجانب السلبي من دون أن ننسى نظام العقوبات الذي تم تطبيقه على سوريا عربياً ودولياً، حيث تشكل تركيا جزءاً فاعلاً منه .

كما كانت علاقة تركيا بمصر فاترة وإذا بها بُعيد التغيير تشهد تطوّراً مهماً، بما فيه زيارة رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان إلى القاهرة وإلقائه خطاباً من دار الأوبرا داعياً إلى إقامة دولة علمانية، عارضاً تجربته كرئيس لدولة علمانية، بمرجعية دينية وإسلامية، ولعلها قد تكون رسالة للإخوان المسلمين، الذين التقطوا الإشارة معلّقين عليها بقولهم: إن هذا الأمر يصلح لتركيا، في إطار جدل مصري محموم حول هوّية الدولة ومرجعيتها، وربما سيزداد حدّة بعد فوز الرئيس محمد مرسي . وإذا كانت علاقة “إسرائيل” السياسية مع تركيا قد تراجعت في الفترة الأخيرة بسبب تعرّضها لسفينة تركية تابعة لأسطول الحرية وقتلها تسعة من مواطنيها، ورفضها الاعتذار، إلاّ أن الموقف التركي الأخير من سوريا ونصب الدروع الصاروخية لحلف الناتو على أراضيها يمكن أن يعد موقفاً تعويضياً أقرب إلى الاعتذار من التحسّن النسبي والتفاهم السياسي للعلاقات التركية  الإيرانية في الفترة الأخيرة . ولعلّ من أبرز القضايا التي ستكون محط صراع وجدل طويلين بعد الربيع العربي هو موضوع نشر الدرع الصاروخية لحلف الناتو في تركيا وعلاقة ذلك بالملف النووي الإيراني، وذلك لما له علاقة بالجيوبوليتيك، خصوصاً ببعدها التاريخي والمستقبلي، وإنْ اكتسبت بُعداً أيديولوجياً في العقود الثلاثة الماضية، وهو التعارض بين المشروعين التركي (ذي التوجه الديمقراطي) بالخلفية الإسلامية، لاسيما بعد فوز حزب العدالة والتنمية في العام 2002 بالضد من النموذج الإيراني (الراديكالي) وبخلفية ولاية الفقيه، خصوصاً منذ الثورة الإسلامية في إيران العام 1979 .

ويتوقف على التفاهم الإيراني  التركي حلّ هذه القضايا والتأثير المحتمل للربيع العربي في العلاقات الإيرانية  التركية، لا مستقبل العلاقات فحسب، بل جزء أساسي ومهم من مستقبل المنطقة بما فيها القضية الكردية، لعموم دول المنطقة كالعراق (لاسيما في ظل احتدام الخلافات) وسوريا . وقد شهد عقد التسعينات كلّه اجتماعات ثلاثية على نحو دوري بين تركيا وإيران وسوريا لاتخاذ موقف موحّد إزاء القضية الكردية في العراق، والأمر يتعلق بمخاوف الدول الثلاث من النظام الفيدرالي واحتمال قيام دولة كردية في شمال العراق .

ولعل مثل هذا الأمر يتطلب اليوم حواراً بين النخب الفكرية والثقافية والسياسية عن العلاقة بين الأمة العربية والأمة التركية والأمة الفارسية ومستقبلها بخصوص أمن المنطقة بعد الربيع العربي .

المشروعان يسعيان لمدّ نفوذهما إلى العالم العربي: الإيراني بوسائل صلبة عبر دعم القوى الراديكالية وفي إطار مذهبي أو ديني في الأغلب ومن خلال الاستقواء . أما التركي فيسعى بالوسائل الناعمة، عبر قوة المثل والتقدم المحرز والعلاقة المتصالحة مع الغرب ومع بعض القوى المعتدلة في المنطقة، من دون نسيان الإبقاء على علاقة خاصة مع “إسرائيل” على الرغم من تصدّعها بسبب حادثة أسطول الحرية، لكن هناك بعض الاتفاقيات الأمنية مثل “اتفاقية ترايندت” التي لا تزال نافذة منذ العام ،1958 ناهيكم عن ارتفاع حجم الميزان التجاري بين تل أبيب وأنقرة الذي لم يتأثر بالأساس، بل ازداد وثوقاً .

أثار الموقف الإيراني إزاء أحداث البحرين ومطالب المعارضة ردود فعل حادة، بشأن التدخل في الشؤون الداخلية الذي قابله موقف مجلس التعاون الخليجي بإرسال قوات درع الخليج إلى البحرين . الموقف الإيراني لا يخلو من مفارقة حقيقية، فهو وإن بدا مشجّعاً وداعماً سياسياً ومعنوياً لمشاريع التغيير في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، لكنه ظل معارضاً، بل رافضاً للتغيير في سوريا، وهو ما حصل فيه تعارض حاد مع الموقف التركي، وقد بدا الأخير أكثر تطرّفاً واندفاعاً حتى من الموقف الأوروبي والأمريكي، بشأن المسألة السورية، وتلك مفارقة تركية مقابل المفارقة الإيرانية، وبلا أدنى شك فقد كانت قرارات جامعة الدول العربية عاملاً مشجعاً لتركيا في تصعيد موقفها، فضلاً عن تدويل المسألة السورية، خصوصاً بالقرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، وبتشكيل فريق المراقبة برئاسة كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة .

لقد قلب الربيع العربي الكثير من المسلّمات والبديهيات، لا في البلدان العربية حسب، بل بشأن العلاقة مع دول الجوار الإقليمي، خصوصاً تركيا وإيران، ولعل نهوض مصر المحتمل ومعها الدول العربية التي شهدت تغييرات باتجاه الانتقال الديمقراطي، واستعادة الأمن والاستقرار واسترجاع هيبة الدولة ومعالجة آثار الماضي يمكن أن يبلور مشروعاً عربياً جديداً، لاسيما إذا أعيد تأسيس وبناء المجتمعات العربية وفقاً لعقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم، أساسه تداولية السلطة سلمياً وحكم القانون واستقلال القضاء ومحاربة الفساد المالي والإداري وتأكيد مبادئ المساواة والمواطنة والمشاركة واحترام الحقوق والحريات .
إرسال تعليق